الصفحة الرئيسية  | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان  | مؤلفات أبي اليقظان  |  ماكتب عن أبي اليقظان  | محاضرات المهرجان

مؤسسات باسم أبي اليقظان |  أصدقاء أبي اليقظانعائلة أبي اليقظان  | صور من بلادي  | مواقع تهمك  اتصل بنا

 
 

yak_jihad.jpg (55393 bytes)

 مقتطفات من كتاب

أبواليقظان و جهاد الكلمة

للدكتور محمد ناصر 

المقدمة

الفصل الأول: الصحافة جهاد

الفصل الثاني: في الاتجاه الإصلاحي الاجتماعي

الفصل الثالث : في الاتجاه السياسي الوطني

الفصل الرابع : في الاتجاه الاسلامي و القومي

الفصل الخامس : في الاتجاه الاقتصادي

الفصل السادس : أسلوبه الصحفي

الفصل السابع : تاريخ صحفه

المقــــــــــــــــدمة

 

عندما يتجه الدارس للبحث في شخصية أبي اليقظان ، يلفت نظره تعدد جوانبها التي تستدعي كلها منه الوقفة المتأنية ، غير أنه يجد أن الاحاطة بها جميعا قد يكون أمراً مستعصيا ، وأن ادراجها بين دفتي كتاب واحد لا يستقيم مع ما يتطلبه البحث الدقيق من منهجية وتركيز .

فأبو اليقظان ـ وهو رائد من رواد الحركة الاصلاحية في الجزائر ـ كان يجمع في شخصه بين العلم الغزير المتجدد ، والعمل الدائب المستمر ، وتستحوذ على نفسه اهتمامات أمته الاسلامية أينما كانت فينطلق منها ، ويصدر عنها ، ويسخر لها كل امكاناته العقلية ، ومواهبه الفكرية .

فهو الشاعر الحساس الذي يتوثب شعره صدقا ليجيء استجابة فطرية لنوازع الانسان وهمومه ، ابتداء من العواطف الخاصة في دائرة الأسرة ، والعشيرة ، والبلد ، وانتهاء بالمشاعر العامة في محيط القطر الجزائري والوطن الاسلامي .

وهو مؤرخ يقظ يسجل الصغير والكبير من الأحاث في مذاكرته التي لم تفارقه منذ سنة( 1919 ) حتى آخر يوم في حياته .

وهو الدارس الإجتماعي الحريص أبدا على أن ينفض غبار السنين عن تاريخ الدول والجماعات ، والأفراد ، مؤلفا ومقارنا ، ومستخرجا العبرة من كل ذلك .

وهو عالم بالشريعة الاسلامية متضلع فيها ، يحرر عن موضوعاتها العديدة الرسائل للمستفتين ، ويؤلف الكتب المدرسية المبسطة للناشئين .

وهو قبل هذا وذاك صحفي مقتدر أعطى للصحافة العربية الوطنية كل ما يملك من نفيس ، وضحى في سبيلها بالراحة النفسية ، والرفاهية المادية حين آمن واعتقد بأنها هي الوسيلة الضامنة للاتصال بالجماهير العريضة داخل القطر الجزائري وخارجه في سبيل نهضة حرة عربية اسلامية .

أمام هذا الانتاج الضخم الذي تركه أبو اليقظان وهو يقارب الستين مؤلفا ما بين رسالة وكتاب .. وتجاه هذا التنوع الفكري الثري الذي جمع بين الشعر ، والمقالة ، ولاسيرة ، والتراجم ، والدراسات .. لم أر بدا من الاتجاه إلى جانب واحد من هذه الجوانب ، ولم أجد ترددا في اختيار الجانب الصحفي من شخصية أبي اليقظان .

فثمة قناعة ذاتية جعلتني أومن بأن هذا الجانب هو الأولى بالبحث والدراسة قبل غيره من الجوانب الأخرى ، لأنه فيما أحسب هو الجانب الذي اتضحت فيه شخصية أبي اليقظان أكثر ، وبرزت في ميدانه خصائصه الفكرية والنفسية معا وهو الميدان الذي تفانى فيه فأعطاه زهرة شبابه ، وعصارة جهاده .

هذا بالنسبة لي كباحث ، أما بالنسبة للقارئ الكريم ، فأنه يبدو لي أنه هو الجانب الأجدى نفعا أيضا ، ذلك لأن هذا البحث لا يعني التأريخ لحياة شخص ، أو التعرض لنشأته ومرباه ، بقدر ما يعني التأريخ لحياة أمة كاملة من خلال صحافة مجاهدة ، فان صحافة أبي اليقظان التي تغطي فترة ما بين الحربين العالميتين ( 1926 ـ 1938 ) تعد من أهم المصادر التي لا يمكن للباحث الجاد أن يستغنى عنها ، ففي طيها شهادة حية لفترة هي من أغنى فترات تاريخنا صمودا ومقاومة وحصيلتها مادة غنية متنوعة عن الحياة الجزائرية آنئذ في جميع مجالاتها الانسانية دينا ، واجتماعيا ، وثقافة ، وسياسة ، واقتصادا .

استجابة لهذا الباعث ، وتجسيدا لهذا التصور ـ الذي أرجو ألا أكون فيه مخطئا ـ رأيت تقسيم هذا الكتاب إلى سبعة فصول وملحق هي كالتالي :

الفصل الأول وعنوانه : الصحافة جهاد ، قصدت منه إلى تبيين الظروف العصيبة التي نشأت فيها صحافة أبي اليقظان ، وذكرت العوامل الهامة التي دفعت به إلى هذا الميدان ، واستشهدت ببعض الوقائع التي وقفت أمام سبيله عائقا منيعا ، ومقاومة أبي اليقظان لكل ذلك .

أما الفصول المتالية : الثاني ، والثالث ، والرابع ، والخامس ، فقد خصصتها لتحليل أفكار أبي اليقظان كما جاءت من خلال أهم مقالاته ، مبينا مواقفه الفكرية من بعض القضايا ذات الطابع الاصلاحي الاجتماعي ، فالسياسي الوطني ، فالقومي والاسلامي ، فالاقتصادي ، حت ىيتسنى للقاريء أن يقف على الاهتمامات التي كانت تستحوذ على أبي اليقظان الصحفي ، ومدى تصوره أو معالجته لهذه القضية أو تلك ، وكنت أحاول أن أربط المقال بمناسبته وظروفه موضحا العوامل والأسباب التي دفعت بأبي اليقظان إلى كتابته ، مستشهدا بفقرا ت منه .

وأود أن أذكر هنا بأني قد وجدت عنتا كبيرا في تصنيف هذه المقالات حين أردت ادراجها تحت هذا الفصل أو ذاك ، لأن الملاحظ هلى هذه المقالات أنها غالبا ما تكون تداخلا من موضوعات شتى فيها السياسة ، والاجتماع ، والدين ، والاقتصاد ، الخ .. .

فالمقال الذي يتحدث فيه الكاتب عن الوحدة الوطنية مثلا كان لا بد وأن يتعرض فيه إلى الحديث عن القضايا ذات الطابع الاجتماعي كالتعصب ، والجهل ، والأمية ، والخرافات .. والمقال الذي يتناول فيه الحديث عن الآفات الاجتماعية كالفسق ، وشرب الخمر ، والقمار ، وما إليها لا معدى فيه للكاتب من أن ينساق فيه للحديث عن التشبث بالمقومات الشخصية ، وفضح الفرنسة والانحلال الخلقي ، ومقاومة التجنس والاندماج وهي قضايا قد تكون أيضا ذات طابع سياسي وهكذا.

ومن ثم فان الدارس اذا وضع فصولا أو محاور للبحث فان ذلك من قبيل التجوز ، والحرص على تنظيم الأفكار ، والرغبة في تسلسلها ووضوحها أمام القارئ لا أكثر ولا أقل .

وقد كان من حق أبي اليقظان أو غيره من الصحفيين الاصلاحيين ألا يفصلوا بين هذه القضايا حسب مفهومنا اليوم ، فان ظروفهم كانت تحتم عليهم ذلك .

أما الفصل السادس فقد خصصته لدراسة أسلوب أبي اليقظان الصحفي حيث حاولت أن أبرز خصائص أسلوبه النفسية والفنية ، فقد تصورت بأن الدراسة لا تكتمل بغير الوقوف عند هذا الجانب ، لا سيما ان نحن أدركنا بأن الأسلوب الذي كان يستعمله الصحفيون الجزائريون تحت سمع الاستعمار وبصره ، كان له مدلول خاص ، وأبعاد ذات علاقة وطيدة بمضمون المقال ، وشخصية الكاتب . 

أما الفصل السابع فيحتوي على تأريخ ، حرصت أن يكون مفصلا ، لكل صحيفة من صفحة الثماني ، وقد أدرت فيه الحديث حول بداية صدور الصحيفة ونهايتها ، والظروف التي أحاطت بنشأتها ، وأهم الأسباب التي دعت المستعمر الى مصادرتها أو حجزها ، والعقبات المادية والفنية والأدبية التي وقفت في سبيلها ، وأبرز الكتاب الذين شاركوا في تحريرها ، وأهم الموضوعات التي كانت تعالجها .. إلى آخر هذه المعلومات التي نحسبها ضرورية لتصور كامل لكل صحيفة من هذا الصحف .

وألحقت بهذه الفصول ملحقا خصصته لفهارس محتويات كل جريدة على حدة ، بصرف النظر عن أن تكون لأبي اليقظان أو لغيره ، ذاكرا عنوان المقال ، وكاتبه ورقم العدد وتاريخه وقد دعاني إلى القيام بعمل هذه الفهارس التي أخذت حيزا كبيرا من صفحات الكتاب رغبتي في أن يطلع المهتمون بقضايا الفكر الجزائري الحديث على هذا الانتاج الضخم ، الذي لا يستفيد منه دارسو الأدب وحدهم بل المهتمون بالفكر الجزائري في جميع مجالاته تاريخا ، وسياسة ، واقتصادا وغيرها ، فقد أصبحت الدراسات الحديثة كثيرة الاهتمام بوضع هذه الفهارس التي تساعد الباحثين وتكون لهم دليلا ( Indexe ) يهديهم الى مضلان هذه المادة ومصادرها .

وتجدر الاشارة هنا إلى أن أبا اليقظان كان لا يوقع مقالاته إلا نادرا فإذا جاءت المقالة غفلا من أي توقيع فهي له ، حسبما أكد لنا ذلك بنفسه ، أما امضاءاته المستعارة فاننا أشرنا إليها في مكانها من فهارس الجرائد .

كما ألحقت بالكتاب قائمة بالأسماء المستعارة الواردة في صحف أبي اليقظان ووضعت أمامها أسماء أصحابها الحقيقيين اشاعة لهذه الأسماء ودفعا للغموض الذي كان يكتنفها من قبل .

على انني لا بد وأن أشير هنا بأنه قد بقي جزء هام يتعلق بموضوع الكتاب كل التعلق ، بل انني أعتقد بأنه لن يكتمل بدونه ، ذلك هو نماذج كاملة من مقالات أبي اليقظان ، وكنت أود أن لو تحقق هذا بين دفتي هذا الكتاب نفسه ، ولكن فنيات الاخراج المطبعي ، والخوف من الاثقال على القارئ بكثرة الصفحات ، حالتا دون هذه الرغبة ، مما جعلني أؤجل هذا العمل ليكون جزءا خاصا مستقلا بذاته في جزء لاحق ان شاء الله .

وبعد :

اني أشعر شعورا صادقا بأن هذا الكتاب انما يعتبر مدخلا لدراسة صحافة أبي اليقظان لا غير ، لأن التراث الفكري الضخم الذي تزخر به جرائده الثماني معين ثر لا ينضب ، وهو أغزر من أن يستوعبه عمل بهذا الحجم أو من هذا النوع واني لآمل أن يكون كما ظننته مدخلا لدراسات أعمق ، وبحوث أكثر استفاضة يقوم بها غيري من الباحثين والدارسين .

وحسبي من هذا العمل المتواضع أن أكون قد أسهمت به في انارة جانب من جوانب جهادنا الوطني ظل مجهولا لدى الكثيرين ، كما أرجو أن يكون فيه بعض الوفاء لهذا المجاهد العظيم الذي لم نستطع أن نوفيه بعض ما له في أعناقنا من واجب الاكبار والتقدير ، ولعله من حسن حظ هذا العمل أن يصدر في فترة نحن نحتفل فيها بالذكرى الخامسة والعشرين لثورتنا الخالدة التي نهدف منها الى ربط الصلة الوثيقة بين الماضي والحاضر والمستقبل ، وجعل الأبناء والأحفاد على وعي بجهاد الآباء والأجداد ، وهو ما يهدف إليه هذا الكتاب أساسا .

والله ولي التوفيق .

الجزائر في 5 / 11/ 1979  

 

 

إلى الأعلى

الفصل الأول: الصحافة جهاد

 

بدأ الحس الصحافي يتكون عند أبي اليقظان منذ صباه ، فقد آنس من نفسه ميلا لا يقاوم لقراءة الجرائد والمجلات العربية الوافدة عليه من هنا وهناك ، يتتبع ما تنشره من ألوان المعرفة ، وضروب الثقافة ، ويتابع بنهم حريص ما تطلعه من أخبار الوطن العربي والتطورات السريعة التي كان يمر بها العالم آنئذ . فقد كان للظروف السياسية التي عاشها الوطن العربي الاسلامي قبيل الحرب العالمية الأولى اثر عميق في اذكاء هذه الرغبة في نفسه .

وعلى الرغم من انعزال مسقط رأسه ( القرارة ) في أقاصي الجنوب بعيدا عن مراكز المدنية والعمران آنئذ ، فان هذا لم يمنعه من أن تصل يداه إلى الصحف التونسية ، والمشرقية يلاحق على صفحاتها بحرص شديد مجريات الأحداث المهولة التي كانت الأوطان الاسلامية تمر بها .

فكان يستفز الغيرة الاسلامية ويحركها بين جنبيه ما يقرأه عن وحشية الغزاة الايطاليين في " طرابلس " ، وما تركته جيوشهم على أرضها من ضروب الفتك والابادة كما كان يأسى متألما لما تتعرض له بلاد " البلقان " من حروب دامية من طرف أعدائها الغربيين تقلصت من جرائها دولة الخلافة وأصيبت بالوهن والشيخوخة .

وكان لحماسته الشديدة يسرد محتويات تلك الجرائد على أستاذه الشيخ الحاج عمر بن يحيى    (1) وعلى مجموع اخوانه وأصدقائه ، وكان هو وصديقه الحميم الحاج عمر العنق (2) يتبادلان هذا الشعور الحي ، ويتهاديان تلك الصحف كأعز ما يقتنى ويملك .

وراح الحس الصحفي يتكون وينمو عنده ، وتطلعت نفسه الطموح إلى تحرير بعض الصحف وحوالي سنة ( 1913 ) حرر بيده صحيفة كاملة أسماها " قوت الأرواح " تعبيرا عن هذا الميل القوي الذي يسميه هو " ميلا فطريا غريزيا " وردا على صديقه " العنق " الذي كان هو الآخر قد أهداه صحيفة حررها بيده تحت عنوان " الرحيق المختوم " .

وفي سنة ( 1914 ) وهو يدرس بتونس قدم " قوت الأرواح " تلك ، للزعيم الليبي الشيخ سليمان الباروني فشجعه على المضي في هذا السبيل قائلا : " لقد أطاعك القلم في النظم والنثر ".

وحرر صحفا أخرى غيرها ، قضاء للبانة نفسه ، ولكنه لم يحافظ عليها ، فقد كان طموحه يأبى عليه الوقوف عندها ، فكان مصيرها جميعها سلة المهملات .

ويتطور هذا العمل البدائي الذي اعتبره شبيها " بلعب الأطفال " ليصبح مشاركة ناضجة في الصحافة الجزائرية التونسية .


1.      هو أستاذه الذي تلقى عنه العلم في القرارة قبل انتقاله إلى بني يسجن ليتتلمذ على الشيخ أطفيش ، توفي بالقرارة في سنة 1921 ( أنظر ترجمة حياته في نهضة الجزائر الحديثة لمحمد علي دبوز الجزء الثاني ص 162 .

2.     من رجال الاصلاح في الجزائر كان عضوا بارزا في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين توفي بالقرارة في سنة 1956 . أنظر ترجمته في نهضة الجزائر الحديثة ج2 ص272 .

 

فقد حركت تونس في نفسه أحاسيسه الوطنية ، وألهبت نزعته تلك ما كان يراه على أعمدة صحافتها من نضال قومي ، وشعور وطني .

وينغمس فيما بين سنتي ( 1917 ـ 1920 ) والحرب العالمية الأولى مشتعلة الأوار ، في حركة الثعالبي السياسية حيث وجد نفسه على حد تعبيره ، " بدافع الفطرة والغريزة منغمسا في معمعتها من أخمص القدم إلى قمة الرأس " .

وفي سنة 1920 اشتد الصراع بين أنصار الحركة الاصلاحية في الجنوب ، وبين معارضيها من المحافظين ، واستهدفت المعارضة أول ما استهدفت البعثة العلمية الدراسية بتونس والتي كان يرأسها كل من الشيخ أبي اسحق اطفيش ، والشيخ الثميني محمد ، والشيخ أبي اليقظان ، وروجت المعارضة ضد البعثة دعايات مغرضة مفادها أن هؤلاء الرؤساء لا يقومون بواجبهم التعليمي والتربوي لأنهم منشغلون بالسياسة ، وأن التلامذة على صغر سنهم لا يجدون منهم الرعاية الاخلاقية الكافية .

وبدأت هذه الدعايات تجد من بعض الآباء آذانا صاغية ، فأخذوا يسترجعون أبناءهم من تونس ، وكاد حماس الأمة ، ونهضتها التعليمية تفتر .

وكان لهذه الحوادث من التأثير على نفس أبي اليقظان أن أشهر قلمه ضد المعارضة في حملة من مقالات متتالية ، بدأها بمقالة نارية في جريدة " الاقدام " للأمير خالد ثم اتبعها بسلسلة من هجمات أخرى في الجرائد التونسية من أمثال " المنير " و " الاتحاد " و " لسان الشعب " و " مرشد الأمة ".

تلك كانت أوليات مشاركته الواعية في الصحافة ، بجانب المقالات الاصلاحية وقصائد الشعر التي كانت تحتضنها الصحف الجزائرية من مثل " الفاروق " لعمر بن قدور الجزائري ، و" النجاح " لعبد الحفيظ بن الهاشمي ، و " الصديق " لمحمد بن بكير التاجر ، و " الاقدام " للأمير خالد ، و " المنتقد " للشيخ ابن باديس .

ومع مرور الأيام ، وتوالي الحوادث ازداد شعور أبي اليقظان بالحاجة الماسة إلى انشاء صحيفة تعبر عن آلام وآمال الجزائريين بعامة وسكان " وادي ميزاب " بخاصة ، وتكون في الوقت نفسه مجالا مناسبا تستوعب مشاعره الوطنية الملتهبة ، وتسع آراءه الاصلاحية المتطلعة .

 

إلى الأعلى

الفصل الثاني: في الاتجاه الإصلاحي الاجتماعي

 

من المعلوم لدى متتبعي تاريخ الحركة الاصلاحية في الجزائر بأن هذه الحركة كانت تهدف الى الاصلاح الداخلي أولا وقبل كل شيء ، وهي وان رأت هذه النظرة فإن ذلك منها لم يكن استبعادا للواقع الاستعماري بقدر ما هو تمثل له ، ووعى بطبيعته ، فقد أدرك رجالات الاصلاح تمام الادراك بأن التحرر من الاستعمار ، ولا سيما الاستعمار الفرنسي ، انما يجب أن يبدأ من تحرر النفوس من ذل التبعية ، والتقليد ، وأن الشعور بالمميزات الشخصية هي التي تحفظ للشعب ذاتيته فيضحي بالتالي في سبيل الحفاظ عليها والدفاع عنها بكل ما يملكه من نفس ونقيس .

انظلاقا من هذه الرؤية البعيدة ما كان لصحف أبي اليقظان ، وهي صحف اصلاحية أن تشذ عن هذا الاختيار ، وما كان لأبي اليقظان نفسه وهو الذي انضم الى هذه الحركة وآمن بمبادئها وهو ما يزال طالبا بتونس أن يستحوذ عليه اهتمام آخر ، فقد أوضح منذ البداية بأن رسالته الصحفية هي : " السعي في تكوين الأمة تكوينا صحيحا من حيث الأخلاق الفاضلة ، والتفكير الصحيح وذلك بمقاومة الأوهام والرذائل وبث روح الوئام والتفاؤل بين المتساكنين على خطة الاسلام ضمن الكتاب والسنة وآثار السلف الصالح .

فرؤيته يمكن اعتبارها اذا من هذه الزاوية ، رؤية سلفية عبدوية ، ويمكن اعتبارها أيضا شبيهة كل الشبه في ابعادها برؤية ابن باديس الذي وضع للشهاب شعارا يحمل الكلمة الخالدة لمالك بن أنس : " لا يصلح آخر هذه الأمة الا بما صلح به أولها " . ولعله من أجل هذ الاختيار الذي وحد الطريق في خطى المصلحين الجزائريين الأولين ، اعتبره ابن باديس حقا ركنا من أركان نهضتنا الفكرية والاصلاحية ، وزعيم الناهضين من اخواننا الميزابيين .

فكان ينظر الى صفحه أبدا بعين التقدير والاعجاب ، وأنها صدرت " لتكون للشهاب عضدا متينا ، وعضوا عاملا نافعا .

ويبادله أبو اليقظان الاعتبار والتقدير نفسه حين قال : " اننا نعد الشهاب عضدا متينا لنا وسندا قويا في تحطيم المفاسد والشرور ، وهدم الخرافات والبدع والواقع أن هذا الاختيار هو الذي صاحب أبا اليقظان طوال عمره وكان يصدر عنه في كل أعماله ويعتقد عميق الاعتقاد بأنه هو الطريق الوحيد الذي تصل منه الجزائر الى سيادتها الكاملة .

آية ذلك أنه عندما كانت جريدة " المنار " (1) تجري استفتاءها لرجالات الفكر ، ابان تكاثر الأحزاب وتطاحنها عن امكانية اتحاد الجزائر وعلى أي أساس ؟ وما هي وسائل تحقيقه ؟

جاء رد أبي اليقظان للجريدة صريحا واضحا ، مليئا بالتفاؤل ، معتقدا بأن الشعب الجزائري أصيل في وحدته وأن معدنه ذهبي نقي ، ولكن الاستعمار أهال عليه التراب ، وبدد نثراته الذهبية هنا وهناك ، وأن التراب والتبديد لم تغير من عنصره شيئا ، ومن ثم فهو يقرر بامكانية اتحاد الجزائر ، ولكن بشرط العودة في " عقيدتها ، وعبادتها ، وأخلاقها ، ومعاملتها ، وسائر شؤون حياتها إلى منبع الاسلام الصافي في عهد محمد وأتباعه " .

وأن كل سعي لتوحيد كلمة الأمة الجزائرية المسلمة من غير هذا الباب هو فيما نرى من باب اتيان البيوت من ظهورها ، أو هو ضرب في حديد بارد ، لا يكون مآله إلا الفشل والاخفاق " ، أما وسائل تحقيق الاتحاد فهي على صعوبة التحقيق ، يوجزها فيما يلي :

1.    مكافحة الآفات الاجتماعية .

2.    مكافحة الخرافات والأوهام .

3.    تحرير النفوس من الأهواء والأغراض والأنانية .

4.    أن يجعل المسؤولون أنفسهم أمام العامة مثالا للنزاهة والاستقامة .

5.    على العلماء أن يدققوا في برنامج التعليم بما يكفل النشء الاسلامي الجديد ، نشأة قويمة .

6.    على الدعاة والمرشدين أن يحذقوا الدعوة .

7.    على الصحافة أن تجعل من نفسها منارة للهدى .

8.    على رؤساء الجمعيات والأحزاب أن يؤلفوا جبهة واحدة متراصة يجمعها ميثاق واحد مهما اختلفت وسائلهم في العمل .

تلك كانت نظرته للواقع الجزائري ، وذلك هو تفكيره في سنة ( 1953 ) والعجيب في الأمر أن من يعود إلى رصيد مقالاته الضخم في العشرينيات والثلاثينيات يجده قد عالج فيه كل هذه القضايا بتفصيل وأطناب ، وكأنه كان يكتب مقالاته تلك ضمن برنامج محدد ، ويستوحي فيها عناصر مخططة .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1.     المنار : جريدة ذات اتجاه وطني وهي لسان حال ( الجبهة الجزائرية للدفاع عن الحريات ) يرأس تحريرها محمود بوزوزو ، صدرت بالجزائر العاصمة في 29 / 3 / 1951 .

فلنحاول اذن أن نلقي نظرة عجلى على أهم الأفكار التي طرحها في المجال الاجتماعي واقفين وقفة متأنية عند القضايا الهامة منها .

وعندما أجال النظر في واقع الأمة الجزائرية وهي تئن تحت قمع استعماري رهيب وجد أن الشرور التي أصاب الاستعمار بها هذه الأمة قاسية ، خبيثة وبرزت له متمثلة في ذلك الثالوث الذي مد أياديه كالأخطبوط ليمتص منها الحياة ويتركها جثة هامدة .. انه الجهل ، والفقر ، والافتراق . " فالجهل أفقدها الشعور بوجودها ، وكيف تدب عليه ، والفقر أقعدها عن العمل ، واشل أعضائها عن الحركة ، والافتراق أذاب قوتها وذهب بريحها فبقيت والحالة هذه عرضة للتلف والهلاك والاضمحلال " .

غير أن الأمة ، التي هزتها الحرب الكبرى ثم بدأت تسترد وعيها مع بداية الحركة الاصلاحية ، قد تيقظت " وقامت كما يقوم النائم وقد أغرق في الأحلام ، ذاهلة مذعورة تتلمس الطريق يمنة ويسرة ، وقد مضى عليها أمد مديد وهي كذلك لم تهتد إلى وجه الصواب ، شأن كل أمة ابان قيامها من سباتها " فالواجب اذن على رجال الاصلاح أن يكونوا لهذه الأمة بمثابة الرائد الذي لا يكذب أهله ، ويأخذوا بيدها في طريق الخلاص " بتوجيه العزائم ، وتحريك الهمم ، وصدق الطلب ، والاخلاص ، والصبر ، والثبات " .

وهكذا راح أبو اليقظان يسخر قلمه اجتماعيا في هذه المحاور الثلاث :

1.    مقاومة الجهل والدعوة الحارة الى التعليم .

2.    التحريض الدائم على العمل المنتج في جميع مجالات الاقتصاد الحيوية ، والتنديد بمظاهر الميوعة ، والكسل ، واللامبالاة .

3.    الالحاح المستمر على التضامن والاتحاد بين كل المواطنين الجزائريين ، والتمرد على الخلافات العنصرية ، والصراعات الطائفية ، والاحن المذهبية .

 

 

إلى الأعلى

الفصل الثالث : في الاتجاه السياسي الوطني

 

عندما فتح عينيه على الصحافة العربية وهو ما يزال تلميذا بالكتاب ، انما فتحهما على الحوادث المروعة التي كانت تهز العالم العربي والاسلامي قبيل الحرب العالمية الأولى ، مما كان له أكبر الأثر في تحريك مشاعر الوطنية في نفسه وكره الظلم والاستعمار منذ الصغر .

ولا شك وأن صلته المبكرة بالمجاهد الليبي الشيخ سليمان الباروني ، واستمرار هذه الصلة بينهما قوية وثيقة طوال حياته ، كانت هي الأخرى من العوامل الفعالة التي أيقظت الحس السياسي في جوانحه .

كما أن جلوسه المتكرر الى البطل الشيخ عبدالعزيز الثعالبي في تونس ما بين ( 1917 ، 1920 ) أفاده في هذا الميدان تجربة عظيمة كان يعدها منة للثعالبي في عنقه ما فتئ يذكرها فيشكرها حتى أخريات أيامه .

فالشيخ الثعالبي هو الذي قبله بواسطة الشيخ صالح بن يحيى عضوا عاملا ضمن التشكيلات الفدائية السرية التي كان الثعالبي يكونها لتشعل نار الثورة ضد المستعمرين في المغرب الكبير بداية من ليبيا وانتهاء بالمغرب الأقصى (1) وهو الذي  عينه بعد عضوا في اللجنة الأدبية للحزب الدستوري ، وقد عبر أبو اليقظان عن هذه الحماسة التي أوقدها الثعالبي في جوانحه حيث يقول : ومن مشائخي الزعيم الثعالبي ، فأنا مدين له في الكتابة وفلسفة الأخلاق الاجتماعية وأسلوب الكتابة العالي ، فقد صيرني بتعاليمه كمسدس وجهه في قلب فرنسا ففعلت .

والحق أن فضل تونس في ايقاظ الحس الوطني النضالي في نفس أبي اليقظان كان كبيرا فبالاضافة إلى ما تلقاه في حزبها الحر الدستوري من دروس سياسة وجد من صحافتها الوطنية صدرا مفتوحا لنشر آرائه الوطنية ، وتطلعاته الثورية ، ولم يكن اختياره جريدة ( المنير ) مجالا لانتاجه صدفة أو اعتباطا ، فقد فعل ذلك عن وعي واختيار لما تمتاز به هذه الجريدة من خطة وطنية هادفة فآثرها من أجل ذلك على غيرها .

 ـــــــــــــــــ

1.     يقول أبو اليقظان في التعريف بهذه المنظمة السرية : ( حيث كانت الحرب العالمية قائمة قاعدة على سوقها ، فاننا صادفنا تنشأ تشكيلات سرية ترمي بمجموعها الى اشعال نار الثورة في شمال افريقيا بزعامة الشيخ عبدالعزيز الثعالبي وكنا كلنا انخرطنا في تلك التشكيلة بشروط وخطط ، وقسم لا محل لذكرها هنا ، وهي ترمي الى التزام المنخرط فيها لانفاذ كل ما تأمره به التشكيلة فوقها وهي سرية طبعا من قلب نظام الحكم ، وتخريب المؤسسات ، وتحمل مسؤولية القتل والاغتيال الى آخر ما يعرفه الثوار ، فيعمل فيها زعماء الاقطار الثلاثة ليبيا ، المجاهد الكبير سليمان الباروني ، تونس الزعيم عبدالعزيز الثعالبي ، الجزائر الأمير خالد الهاشمي ، المغرب ، زعماء أظن من بينهم عبدالسلام بنونة وأحمد بن لفريج ، هكذا كانت هذه التشكيلة السرية ناشطة في عملها لتكوين الخلايا التي أقسمت على المصحف أنها تعمل بمبادئ هذه الجمعية ما دامت في الحياة ، وبينما كنا نعمل في هذا الافق العالي اذ سمعنا بهزيمة جمال باشا في قناة السويس ففسد برنامجنا في شمال أفريقيا كله ، فتحولت فكرة الثعالبي الى انشاء نظام الدستور ( عن مخطوطة : نشأتي ص 46 ) . وأنظر أيضا عن هذا الموضوع ، محمد علي دبوز ، اعلام الاصلاح ، ج3 ، ص233 .

ولئن كان نشاطه ضمن حزب الدستور دائبا ، واهتمامه بقضية تونس واضحا فأنه كان الى جانب ذلك " يوجه همه الأكبر الى القضية الجزائرية ، وفقا للخطة التي كانت تقوم على تعديد أصوات المعارضة الوطنية ، وأشغال المستعمر على عدد من الجبهات .. " .

ومنذ البداية نجده يولي أهمية ذات بال إلى الواقع الجزائري الإجتماعي والسياسي هادفا من خلال كتاباته تلك إلى ايقاظ الشعب الجزائري وجعله واعيا بماضيه ، وحاضره ومستقبله موجها اياه إلى الاقبال على " العلوم والمعارف " والاخذ بأهداف التربية الفاضلة والتهذيب القويم .. فعلى ما تكون عليه الأبناء من علوم وأعمال .. يكون مستقبل أمتهم من سعادة وهناء ، فالأمة وابناؤها كالفلاح وأرضه " .

ولا بد للشعب الجزائري أن أراد أن يقف في وجه المستعمر ، ويحرر نفسه من سطوته ونفوذه ، أن يتسلح بمقوماته الذاتية ، ويكتسب قوته النضالية من داخله ، هذه القوة وذلك السلاح يتجسدان في مجموعة من الصفات والمميزات " كالعلم ، والعمل ، والاتحاد ، والاعتماد على النفس ، والوطنية ، والاخلاص للحق ، والصدق ، والثبات الخ .. " ومثلما ندد أبو اليقظان بالجهل ، والخيانة ، والتهور ، والاستغلال ، والزيغ ، نراه يندد بالسلطة الاستعمارية جهارا ، ويوجه الرسائل عبر الصحافة الى القائمين عليها أمثال ( جناب مسيو ابيل ) الذي أصدر قرارا بمنع رواج الصحافة التونسية ، لاتي كانت المدد الروحي الوحيد الذي يغتذي منه القراء في الجزائر .

ومن ثم رأى أبو اليقظان التشهير بمثل هذا العمل العنصري الذي يقصد منه الى " قتل حياتنا الأدبية صبرا بعد قتل حياتنا المادية جوعا " .

وبعد عرض هذه القضية المؤلمة على جناب الوالي نرى الكاتب يأسف لحالة شعبه الذي لم تكن له من جريرة سوى أنه شعب عربي مسلم مبرزا حسرته بقوله " ليت شعري ما جناية هذا الشعب المسكين حتى استحق هذا الاستخفاف والازدراء دون بقية الشعوب ، هل جنايته كونه شعبا مسلما معتدلا ساكتا تحت راية العدالة والأخاء والمساواة يحاول قراءة ما يكتبه أخوه دينا ، ولغة ، وأقليما ، وجنسا " .

من الواضح هنا بأن أبا اليقظان يرمي من خلال اثارة هذا الموضوع الى هدفين أولهما التشهير العلني بسياسة المستعمرين التي تقصد الى القضاء على هذا الشعب معنويا وماديا ، وثانيهما هو جعل الجزائريين والتونسيين معا على وعي بما يربطهما من وشائج القربى والمصير المشترك .

هكذا كان أبو اليقظان يوجه أهمية بالغة الى الربط بين القضية الوطنية في كل من الجزائر وتونس مما جعل تلك الرسائل على حد تعبير الجابري " تمثل أهمية خاصة في نظرنا لأنها الرسائل الوحيدة التي انبرت للتأكيد على الشخصية الجزائرية ، وكانت البديل الذي أغنى الزعماء الآخرين على الانشغال بالقضايا التونسية البحتة .. " .

وهي لا تدل فقط على همة ووطنية صاحبها ، ولكنها تؤرخ لحركة الوعي السياسي والحضاري التي قادها ثلة من الوطنيين الجزائريين الذين اتخذوا من تونس منطلقا ، ومن صحافتها منبرا ، ومن مخاطبة الشعبين التونسي والجزائري بداية لحوار حول وحدة هذه الربوع ، ولبنة في الصرح المغربي ، والعربي المؤمل " .

ولعله كان يعبر عن وحي تعاليم منظمة الثعالبي السرية عندما أهاب بالشعب الجزائري في سنة ( 1921 ) بأن يشد من أزر الزعيم الوطني الجزائري " الأمير خالد " في الانتخابات ففي ذلك نصرة له ضد أعدائه من الخونة والمتفرنسين ، ولأن نجاح الأمير خالد سيكون نقطة تحول هامة في صالح القضية الوطنية بالقطر الجزائري ، ويبدو من خلال مقاله ذاك على معرفة تامة بالأمير خالد ، ومن ثم فانه راح يرغب الشعب الجزائري في اختياره على النحو التالي :

" ما تزال الأمة في سبات عميق ، وظلام حالك ، ما دامت لم تعرف صديقها من عدوها ومصلحها من فاسدها ، فإذا أخذت تعرف ذلك وتحسن اختيار رجالها فابشر بأنها قد استيقظت من سباتها ، وكما أن الجسد لا بد له من اللسان ، واللسان لا بد له من الجسد ، فكذلك الجزائر لا بد لها من الأمير خالد ، والأمير خالد لا بد له من الجزائر " .

 

 

إلى الأعلى

الفصل الرابع : في الاتجاه الاسلامي و القومي

 

لا يعسر على متتبع انتاج أبي اليقظان الصحفي ، أن يلاحظ عنايته الفائقة بالموضوعات ذات الطابع الاسلامي والقومي معا.

ولا يتمثل هذا الاهتمام عنده في كثرة المقالات المعنية بهذه القضايا ، وانما يتمثل أكثر في الأسلوب الحار ، المتدفق من خلال سطورها . وغني عن البيان بأن هذا التعاطف القوي من أبي اليقظان مع كل ما يمت الى الاسلام والعروبة بصلة انما يجيء استجابة لعواطفه الشخصية ، ومكملا لرسالته الاصلاحية .

ذلك لأنه عايش ظروفا كان الاسلام ، والوطن العربي فيها معرضا لكل أساليب الغزو الصليبي الحاقد .. الحادا وتبشيرا .. انحلالا واستعمارا .

ومن هنا كان يمتاز أبدا بدعوته الجهيرة للدفاع عن حمى الاسلام ، وبمعايشته الحية عقلا ونفسا مع التطورات الخطيرة التي كانت تمر بها بلاد الاسلام والمسلمين . متطلعا اليها بعين مولهة ، وقلب كسير ، لا تضيق به النظرة عند موضع الخطو ، ولكنها تتعانق مع كل مسلم متجاوزة السدود والقيود .

وفي هذا المجال المتفتح الواعي ، راح يعقد صلات الود مع الزعماء الاسلاميين ذوي النزعة الوطنية الصادقة ، أولئك الذين وهبوا أعمارهم ، وجهادهم في سبيل بلاد الاسلام أينما كانت هذه البلاد في مشرق الأرض أو مغربها .

ومن بين هؤلاء من تربطه بهم صلات حميمة كالشيخ رشيد رضا ، صاحب مجلة " المنار " الاسلامية الشهيرة في مصر ، الأمير شكيب أرسلان المعروف بتفانيه في سبيل قضايا الوطن العربي والاسلامي ، في سويسرا والزعيم عبدالعزيز الثعالبي مؤسس حزب الدستور الوطني ، بتونس والشيخ سليمان الباروني باشا في طرابلس والمنفى . وهو يعد هذين الأخيرين أساتذة له ومربين .

أما صلته بالمجاهد الاسلامي الكبير محب الدين الخطيب صاحب المجلتين الاسلاميتين الشهيرتين " الفتح " و " الزهراء " فقد تجاوزت الود الخالص الى المعاهدة على العمل في سبيل الاسلام يدا بيد . وعقد العزم على الهجرة في سبيل الله ورسوله . ومن هنا فانه أحل انتاج أولئك الزعماء من صحافته محلا مرموقا ، أما " الفتح " فهي عنده من الروافد الثرة التي كونت ثقافته الاسلامية .

" ان مجلة الفتح ، مجلة مقدسة ، لا يمسها الا المطهرون ، لأنها تنطق عن لسان تنزيل رب العالمين ، ولو عرفها الناس حق معرفتها ، وقدروها حق قدرها لما خلا منها مكتب عالم ، ولا منضدة محام ، ولا محفظة تلميذ ، ولا خزانة طبيب ولا ملف موظف .

.. نحن وكثيرا معنا يا حضرة المدير المحترم نضع أيدينا في أيديكم ، ونعاهدكم الله على أن تكون هجرتنا معكم خالصة لله تعالى ، ولهداية رسوله ، ولتشريف ملته ، والاشادة بذكرها واعزاز أهلها ، وايقاظ مشاعرهم ، وتنمية قواهم وتوحيدها وتوجيهها نحو المطمح الأقصى ، حتى يكتب الله لنا النصر الذي وعدنا على لسان نبيه " .

ان هذه المكانة العظيمة التي تحتلها مجلة " الفتح " من نفس أبي اليقظان جعلته كثير النقل عنها ، دائم الاستشهاد بها ، حريصا على توجيه أنظار الشباب المسلم الى قراءتها ان صحف أبي اليقظان لتبدو للدارس في بعض وجوهها وكأنها مشابهة لمجلة " الفتح " في خطتها ، وروحها ، وغاياتها ، ومواضيعها . ولا تثريب على أبي اليقظان في ذلك فهو يعتقد بأن قد " بعثها الله في القرن الرابع عشر كمنارة في مجاهيل هذا العصر المظلم لارشاد الحائرين .. وكمحة للاذاعة النبوية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد .. " بل انها في تقديره عديمة النظير لما لها من فضل على المسلمين في المشارق والمغارب ، ولذلك " فان الذين يغارون على الاسلام يرون في " الفتح " لسانه الناطق ، وسيفه المسلول .. " .

أما الزعيم الاسلامي الوطني شكيب أرسلان ، فتربطه بأبي اليقظان مكاتبات ، وتدور أغلبها حول مستقبل بلاد الاسلام ، وتعالج واقعها المرير تحت المستعمر الأوروبي ، وتهتم " بوجوب الالتفات الى الرأي العام الأوروبي ، ووجوب تصفيته من السموم التي يمزجها به السواحون ضد الاسلام ، ووجوب تحويله واستخدام نفوذه لفائدة الاسلام .. " .

وطموح أبي اليقظان للتضحية في سبيل الاسلام لم يقف به عند حد المقالات الجريئة المؤمنة ، بل تجاوزه إلى أبعد من ذلك حين راح يجمع إلى شرف الكلمة قدسية العمل ، فدعا في سنة ( 1928 ) رجال الاصلاح في الجزائر إلى تأسيس فرع لجمعية السبان المسلمين اسوة بمصر وسوريا وفلسطين وتونس .

وهو يعتقد بأن تأسيس فرع لهذه الجمعية في الجزائر ألزم وأوكد من تأسيسه في غيرها من البلاد الاسلامية الأخرى ، لأن الجزائر هي " الهدف الأول والمرمى المصاب لسهام الزندقة والالحاد والتبشير .. " .

" .. ان مقاومة الحملات المنظمة كهذه لا تكون ولا تتم الا بالقوات المنظمة وهذه لا تمكن الا بجمع الجهود وتنظيم الأعمال ، وتوحيد القوى المتنوعة هنا وهنالك . وهذه انما تلتئم وتثمر ثمرتها المنشودة متى جمعتها جمعية وضمتها في برنامج محدود ، وقانون مسطر .. " .

 

 

إلى الأعلى

الفصل الخامس : في الاتجاه الاقتصادي

 

من المعلوم ، وأن الموارد الاقتصادية في الجزائر كانت بأيدي المستعمرين واليهود وحدهم ، فقد كانوا يضعون أيديهم على كل مجالات الاقتصاد الحيوية .. زراعة ، وصناعة ، وتجارة ، وما من شك بأن هذا يدخل في اطار المخطط الاستعماري الذي يهدف الى شل القوى الوطنية عن طريق الاستحواذ على منابع الكسب حتى يبقى المواطنون أبدا تحت رحمته .

وأمام هذه الوضعية التي خططها ونفذها المستعمر ، لم يبق من مجال يتعيش منه الأهالي سوى الفلاحة البسيطة ، والتجارة المتعبة ، وبعض الصناعات اليدوية البدائية ، والأغلب الأعم من المواطنين ، عمال أجراء يتطاوح بهم البؤس والاضطهاد تحت قبضة معمر لا يرحم .

واذا كانت الصحافة الاصلاحية قبل سنة 1930 قليلة العناية بالقضايا الاقتصادية لأسباب ذكرناها في محلها (1) فان صحافة أبي اليقظان يمكن أن تكون مستثناة من هذا الحكم ،لأنها في الواقع قد اهتمت بهذا الجانب الحيوي اهتمامها بالجوانب الأخرى ، ولو أن التفوق الكمي والكيفي يبقى دائما لصالح القضايا ذات الطابع الاجتماعي .

ويكاد يرتبط الاهتمام الفائق بالمسائل الاقتصادية في صحافة أبي اليقظان باسم " بكلي عبدالرحمن بن عمر (2) " أحد الكتاب المشهورين الذين رابطوا في هذا الجانب ، فان جل ما نشر عن الزراعة ، والتجارة ، والصناعة ، والأزمات الاقتصادية ، يعود في الأغلب الأعم الى هذا الكاتب.

غير أن الذي يعنينا هنا هو ما تناوله قلم أبي اليقظان نفسه ، ومدى استجابته وتفاعله مع واقع الأمة الجزائرية في هذا المجال الحيوي الخطير .

ومنذ البداية لم نستطيع القول بأن أبا اليقظان لم يغفل هذا الجانب كلية ، كما أنه لم يوله من الاهتمام ، ما أولاه للقضايا الأخرى .

ــــــــــــــــــ

1.       في كتابنا المقالة الصحفية الجزائرية فصل خاص بالمقالة الصحفية الجزائرية والقضايا الاقتصادية .

2.       (م) فصلنا الحديث عنه في الفصل المتعلق بتاريخ صحف أبي اليقظان من هذا الكتاب ، وأنظر ترجمته في المقالة الصحفية الجزائرية م 2 الملحق .

 

وقد يعود هذا إلى أن معالجة القضايا الاقتصادية تتطلب من صاحبها نوعا من الاطلاع الخاص ، وأبو اليقظان قد استحوذ على اهتمامه الجانب الاجتماعي أكثر ، وتتطلب ثقافة باللغة الأجنبية ، لمتابعة ما يكتب في الصحافة أو الكتب الأجنبية ، وهو لا يحسن غير اللغة العربية .

بل ان معالجة أبي اليقظان لهذه القضايا يدخل في اطار رسالته الاصلاحية ، ودعوته إلى بناء الشخصية الجزائرية في كل مجالات الحياة ، ومن ثم فانه يمكن اعتبار هذه المقالات ـ من هذا الجانب ـ مقالات ذات طابع اجتماعي أيضا ، فقد أدرك بأن الشخصية الوطنية لا تكتمل بجانبيها العقلي والروحي وحدهما ، وانما تكتمل بالعناية بجانبها المادي أيضا ، في عالم لا يؤمن بغير القوة المادية .

ثم أن الظروف التي كانت تمر بها النهضة الوطنية نفسها كانت في حاجة أكيدة وشديدة إلى نهضة اقتصادية قوية تمد المشاريع بالمال اللازم .

انطلاقا من هذا الواقع نجد أبا اليقظان معنيا ، بالتجارة الأهلية وما يلحقها من طرف التجار اليهود من مناورات ، وضغوط ، منددا بالحيف الذي يلحق العمال الأهالي من طرف المعمرين ، محذرا من الأزمات الاقتصادية ، وما يترتب عليها من المظاهر السلبية ، فاضحا الحيل الاحتكارية الاستعمارية وما ينجم عنها للأهالي من ظلم فادح .

وكانت التجارة الأهلية ضعيفة يقعد بها عن الحركة ضعف رأسمالها ، ويعرقل مسيرتها منافسان خطيران : يهودي ، ومستعمر ، كانا يقاومانها بالدسائس والحيل اللاانسانية ، ويقطعان الطريق أمامها بقوة المال وسطوة العلم .

وكاد يكون ميدان التجارة لليهود وحدهم ، يتحكمون في مواردها ، ويقبضون على أزمتها بيد من حديد ، فقد كانت المصارف الأجنبية تغدق عليهم المال وتمد لهم يد المساعدة بسخاء ، بينما كانت توصد الأبواب أمام التجار الأهالي وهم أحوج خلق الله إلى تلك المساعدات ، مما كانوا يضطرون معه إلى التعامل مع المرابين بنسب مائوية فاحشة ، تجاوزت في بعض الظروف العشرين في المائة وقد دل على عناية أبي اليقظان بهذا الجانب الحيوي من حياة الأمة اهتمامه بمعالجة وضعية التجارة الأهلية كموضوع رئيسي في صحافته منذ أول عدد صدر منها ، اذ كتب مقالا مطولا بلغ من طوله ست حلقات كاملة كرس فيه جهدا ملحوظا للبحث عو واقع التجارة في تلك الفترة .

فانه راح يوضح ـ بناء على المعطيات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في الجزائر ـ الدور الهام الذي تلعبه التجارة في تطوير حياة المسلمين الجزائريين ، ولكنه عندما التفت إلى واقعها هاله ما تتخبط فيه من مشاكل ، وما يعرقلها من ضروب الضغط والارهاق .

ولكي يبين تلك المشاكل التي كانت ترهق تجارة الأهالي المسلمين وحدهم ، راح يقارن بين تجارتهم ، وتجارة اليهود ، مبينا في الوقت نفسه الأسباب التي جعلت تجارة اليهود متفوقة ، وتجارة الأهالي متخلفة ، مستعملا في ذلك أسلوبا يعتمد على الوصف والاثارة بقصد التأثير في القراء حتى يتفطنوا إلى ما يهدد تجارتهم من أعداء ملتهم ووطنهم ودينهم ، اليهود .

فهو يقول في وصف بؤس التاجر الأهلي وشقائه ، ووضعيته القاسية بين يهودي لا يبيعه الا اذا أذله بأفانين الصلف والكبرياء ، وزبون لا يشتري منه الا اذا عذبه بألوان المماطلة ، وهضم الحق.

" .. توجه الى بعض المستودعات الكبرى ليستورد ما يسد به فراغ دكانه فهنالك المقت الأزرق ، والموت الأحمر ، يلاقي من السيد صاحب المستودع الشموخ بالأنف الى عنان السماء .. الاعراض بالجانب .. المصاعرة بالخد .. عبارات التحقير والاستخفاف بالمسلم وما تصرف من الاسلام .

والمسكين يتذلل وهو عظيم ، ويتبلد وهو ذكي ، ويتصامم وهو سميع ، كل ذلك منه تلطيف من نزق السيد ، عله يجد المجاملة والملاينة في المعاملة .

من الواضح هنا بأن أبا اليقظان يصف الحالة المعنوية والنفسية التي كان عليها التاجر الأهلي ، وكيف أدى به ضعفه المادي ، من جانب ، وقوة منافسة اليهودي من جانب آخر ، الى قبول هذه الوضعية الأليمة ، وليتها وقفت عند هذا الحد ولكنها تجاوزته الى التأثير على السير المادي لتجارة الأهالي من جراء الضغوط المادية الرهيبة التي يستعملها اليهود ضدها .

.. اذا جاء دور المساومة ، جاءت المغالاة في الأثمان ، والمضايقات في الآجال ، والمقلقات ، المضحكات ، المبكيات ، فإذا وصل دكانه سابقته كشوف الأسعار وضايقته رؤوس الشهور ، وتوالت عليه الرسوم كأشراط الساعة ، وتساقطت عليه الأوراق كأوراق الخريف .

لا شك وان تأثر أبي اليقظان بواقع التجارة الأهلية كان مؤلما ، يفصح عنه هذا الوصف البليغ الذي صدر عن عاطفة فياضة ، واحساس مرهف ، على أن تأثره البليغ هذا لم يفوت عليه فرصة التفكير في البحث عن الأسباب التجارية الحديثة ، والتغلب على مسببات التخلف والتبعية لليهود ، ففي تقديره " انتصروا ، بالعلم والاتحاد والمال ، وانهزمنا بالجهل والافتراق والفقر " .

 

 

إلى الأعلى

الفصل السادس : أسلوبه الصحفي

 

لعل الصورة الحقيقية لصحافة أبي اليقظان ، لا تتضح أمام أعيننا ما لم تتعرف على خصائص أسلوبه الصحفي النفسية منها والفنية ، وأعني بالخصائص النفسية هنا ما يعطي لكل كتابة ميزتها الخاصة بها فتغدو علامة تميز هذا الكاتب أو ذاك تنم عنه ، وتعبر عن شخصيته ، وتلتصق به دون غيره ، بل أن هذه الخصيصة عند فطاحل الكتاب لا تقبل المماثلة أو التكرار .

وفاقا لهذه النظرية التي عبر عنها الناقد الفرنسي تين ( TAINE ) بقوله : ( الأسلوب هو الرجل ) نحاول أن ندرس أسلوب أبي اليقظان بميزته النفسية والفنية ، وقد يكون الفصل بين الميزتين نوعا من التعسف لا يرتضيه الكثيرون ولعلي أنا الآخر لا أرتضيه ، ولكن الدراسة المنهجية ترتضيه وتفرضه .

أولا ـ الخصائص النفسية :

1. الصراحة :

          أول ما يلفت نظر الدارس وهو يتابع مقالات أبي اليقظان الصحفية من بداية ظهورها في العشرينيات إلى نهايتها في الأربعينيات ـ هو هذا الشعور الذي يصحب ـ القارئ دوما بأنه أمام كاتب يتفجر الصدق والاخلاص من بين كل كلمة يتفوه بها ، وهذه القناعة التي تملأ جوانحنا بأننا ازاء قلم داعية اسلامي أخلص لله رسالته الصحفية وصدر عن هذا الايمان في كل أقواله ، ومن ثم يجيء احساسنا بأن أسلوب هذا الكاتب لا يختلف في شيء عن هذه الأساليب القوية الواضحة التي يعرف مثيلا لها عند الدعاة من أمثال الكواكبي ، والأفغاني ، ومحمد عبده ، ورشيد رضا ، ومحب الدين الخطيب ، وابن باديس ، وغيرهم من دعاة الاصلاح الاسلاميين الصادقين .

          وقد أوضح أبو اليقظان في كلمات عن هذا الاحساس القوي الذي يدفعه الى الكتابة وهو بمثابة الطاقة التي يتزود منها ويستمد من حراراتها ، حيث قال : " ان رسالتي انسانية ، لا يقظانية ، ولا مذهبية ، اذا كتبت أو وعظت ، أوجه نصائحي ووعظي وارشادي الى كل المسلمين ، فانه يعلم الله كم يكون فرحي شديدا برجوع المسلمين الى جادة الحق والاسلام .. وكل فرد كنت أنا السبب في انقاذه من النار كم يلحقني من فرح وسرور وبهجة بذلك .

          واذا كان الانسان صادقا في ايمانه ثابتا في مبدأه ، مخلصا في نواياه ، لا تحدو به رغبة أو رهبة دنيوية ، أصبحت الصراحة من أبرز صفاته ، وبات الوضوح والصدق ، والقوة ، من أبرز ما يطالعك من خلال كتاباته .

          ولا يلتقي القارئ بأبي اليقظان في جل مقالاته الا واضحا في أفكاره ، قاصدا في فقراته ، مباشرا في طعناته فهو لا يحسن المداورة والمناورة ، ولا يطمئن للكتابات والاشارات الا فيما قل وندر ، وأن هذه الصراحة لتدفع به حينا الى نوع من التهور والجرأة ، ويعدها بعض أولئك الذين يتخذون من الصحافة سياسة من معائب الأسلوب الصحفي ، ولكن قد يغفر لأبي اليقظان هذا السلوك أنه داعية قبل أن يكون صحفيا ، ومصلحا قبل أن يكون دبلوماسيا .

          ولعل الواقع الجزائري في تلك الظروف كان الى هؤلاء الصادقين في حاجة أشد وأوكد من الصحافيين المتملقين ، ويبدو أن اختياره لهذا الأسلوب قد أثار ضده بعض المنتقدين الذين يرون في هذا الأسلوب القاء بالنفس الى التهلكة ، وأن الهمس ومعالجة المواضيع بالحسنى هو أليق بالصحفي الناجح ، وقد راح أبو اليقظان يهاجم هذه النظريات ويبين ما فيها من تخاذل وجبن ، وأن المرحلة التي تمر بها الأمة تستدعي من المصلحين الصراحة لا الهمس ، والمباشرة والقصد " لا التملق والنفاق والتدجيل والمداهنة " .

          " ان للدواء الناجع لا يكون ، ولن يكون بالدعن على الوبر ، وامراره على ظاهر الجرح فان هذا لا يزيد للمرض الا خطورة واستفحالا فهلاكا وموتا ، وانما يكون بسبر غور الجرح وتطهيره بأنواع المطهرات وازالة ما فسد منه ، ثم وضع الدواء له وتضميده " .

          بل انه ليرى اذا كان الدافع لايثار الهمس هو الخوف من الخصم ، فان ذلك لا يزيد للمتهامس عند الخصم الا سخرية واستخفافا " فإن الخصم مهما سفلت قيمته وانحطت ليرى في نفسه للصدق قيمته ، وللصراحة شأنها وللحق روعته وجلالته وان تظاهر بخلاف ذلك " .

          على أننا اذا استحضرنا الظروف العصيبة التي كان رجالات الاصلاح يعيشونها ومواقف الضغط والارهاب التي كانوا يتعرضون لها .

2. التحمس :

          ومن خصائصه النفسية ما يطبع مقالاته من تحمس شديد ، يكاد يكون في بعض الأحيان اندفاعا ، فهو يشعرك وأنت تتابع كلماته بأنك ازاء كاتب متوثب الروح ، متقد الأنفاس تجدك وأنت تبدأ أول المقال مسوقا برغبة عارمة على متابعته ، مأخوذا بهذه الشخصية القوية التي تملأ كل جارحة فيك ، وتكاد تلمس بأصابع يديك ملامح وجه الكاتب وهو يحدثك بانفعال عاطفي حاد ، مؤمن بما يقول من قمة رأسه الى أخمص قدميه ، مما يجعلنا نجد أنفسنا أحيانا مبهوري الأنفاس وكاننا أمام خطيب لا امام كاتب صحفي .

          فأبو اليقظان لا يكتب شأن بعض صحفيي اليوم ليملأ فراغا تتطلبه منه أعمدة الجريدة أو تفرضه المهنة ، ولا تشعر معه بهذا الفتور واللامبالاة التي تعترينا ونحن نتابع بعض هذا الكلام المفتعل الذي تمجه الجرائد المأجورة . وهذا التحمس الشديد يعود فيما نحسب الى سببين رئيسيين ، عام ، وخاص ، أما العام : فمرجعه الى أن أغلب الصحف الاصلاحية في العشرينيات والثلاثينيات كانت صحف رأي ومبدأ قبل أن تكون صحف اعلام وخبر ، وأنها كانت تتخذ من نفسها وسيلة تربية وتثقيف وتوعية ، لا وسيلة تصفيق ، وتطبيل ، وهنا يكمن السر بين الصدق والنفاق .

          أما الخاص : فيعود الى طبيعة نفسية ركب بها أبو اليقظان فغدت خلقا من أخلاقه وميزة من ميزاته ، وهو هذه الحساسية التي تغلب على طبعه والعاطفية التي تغلب على بعض مواقفه ، ولا سيما اذا كان الموضوع يمس المشاعر والأحاسيس أو يتعلق بالمقومات الروحية وهنا تتحول العبارات الى شحنات من الثورة والغضب ، تدل على انفعال حاد وتأثر بليغ .

          من ذلك هذه الفقرات التي جاءت مقدمة لمقال نشره بعد أن اعتدت السلطات الفرنسية على مجلس من مجالس القرآن في غرداية بدعوى حرمة الاجتماعات .

          " .. حكاية حقيقية لا خيالية عن أبناء القرن العشرين عصر العلم والنور .. وحادثا فظيعا وقع لا في جزائر " الواق واق " لكن  في وادي ميزاب .. حادثا لا كالأحداث ، ونائبة لا كالنواب ، ونكبة لا كالنكبات ، ومصيبة لا كالمصائب ، ألا وهو الأعتداء على كرامة الدين الاسلامي وتهجم السلطة بقوتها على حرمة الدين والقرآن الكريم واعتقالها اثنين من بين فضلاء مجلس القرآن في السجن وتغريم ستة من أعضاء جماعة الضمان " .

          وأبو اليقظان نفسه شاعر بطبعه رقيق الحاشية ذو حساسية مرهفة تجاه ما يمس الوجدان ، وهو يدرك هذه المميزات في طبعه عندما كتب متكلما عن ميوله قائلا : " ان صناعتي الأصلية الفلاحة ، ففيها رياضتي ، وفيها أنسي ووحشتي .. وأنا طبعي شاعر يميل بفطرته إلى المناظر الجميلة من مزارع وأشجار ، ونخيل وظلال في سائر فصول السنة ، وخصوصا الربيع الذي هو ريحانة فصول السنة " .

          " وله ولوع فطري بكل ما يرقص النفوس وينعش الروح ويحرك الأعصاب ، ويهز أوتار القلوب ، ويثير مكامن الشعور والاحساس .

          فهذه الحساسية التي ركبت بها نفسه يمكن أن تكون من أهم العوامل الكامنة وراء ما يلاحظ في كتابته أحيانا من تحمس شديد يتحول أحيانا الى مبالغة وتهويل ، وكان يعمد الى هذه المبالغات المثيرة في العناوين بصفة خاصة ، ولعله كان يختارها عمدا كذلك الفاتا للنظر ، واستحوذا على الاهتمام .

          وقد تدفعه الحماسة الشديدة أحيانا الى الثورة والغضب ، ولا سيما اذا كان الموضوع على حد تعبيره يمس الدين ، أو الوطن ، أو العرض .

          ولعل أوضح مثال على ذلك هو موقفه الشهير من المبشرين ، وما كتبه في ملاحقتهم من مقالات نارية عديدة ، فقد كان في حملاته العنيفة ضدهم يتدفق في حماس عارم ، كالسيل الجارف ، أو ينقض عليهم انقضاضا جارحا كالعقاب الكاسر مستعملا في ذلك أسلوبا لا هوادة فيه ولا لين ، لا لطف ولا تسامح ، والحق أن حدة الانفعال قد تبلغ به أحيانا منتهاها فتجيء عباراته أقرب ما تكون الى الخطب الثائرة منها الى المقالات الصحفية الرصينة .

          ولعل ما يتميز به قلبه من غيظ ، وما يعتمل في صدره من حنق ضد الانحراف الديني ، تبشيرا أو تعصبا يدفعانه أحيانا الى استعمال بعض الألفاظ النابية فيغلظ القول اغلاظا ، ويصف المعني بالأمر بصفات قد تجرح الكرامة ، كما حدث ذلك مع المبشرين فقد وصفهم بالجنون ، والحمق ، والغباوة ، والبله ، ونعتهم بأنهم لصوص عقول .. ووسطاء شقاء ودعاة ظلام .. " .

          وله مواقف متشابهة مع خصوم الاصلاح ، وكان طبيعيا أن تكون عباراته مشحونة بالغضب فهو في موقف يدافع فيه عن الفكرة والمبدأ لا سيما وأن اذاية هؤلاء وأولئك أصابته في الصميم اذا وقفوا أمام جرائده بالدعاية المضادة ، والتهم الباطلة بل والتواصل الى حد الحجز والمصادرة .

3. التفصيل والتحليل :

          من مميزات الكتابة عند أبي اليقظان أنه طويل النفس في الكتابة ، وأبرز مقالاته ولا سيما الافتتاحيات منها تتسم بالطول ، وقد يكون طولا مفرطا أحيانا .. وأحسب بأن هذا التطويل جاء نتيجة طبيعية لمفهوم الكتابة الصحفية عند كتاب عهد الاصلاح بصفة عامة فان رغبتهم الشديدة في ايصال ما يريدون قوله الى قرائهم واقناعهم بأفكارهم ، كان يدفعهم الى التفصيل والتحليل والتعليل بل والى التكرار في بعض الأحيان .

          فان القارئ يشعر وكأن الكاتب لا يرتضيه أن تنفلت منه جزئية واحدة من الموضوع الذي يعالجه ، فهو لا يزال يجهد نفسه في ملاحقتها بدون كلل أو عياء وهكذا يضع للموضوع مقدمة ، وصلبا ، وخاتمة ، وقد يقسم الموضوع الواحد الى عناوين فرعية كثيرة .

          وحرصا منه على تقريب المعنى الى ذهن القارئ واقناعه به ، نراه يسوق الأمثلة المحسوسة من واقع الحياة المعاشة ويسند أقواله بالآيات القرآنية ، والأحاديث النبوية ، أو يشفعها بالأبيات الشعرية والأمثال العربية ، وهكذا يطول به نفس الكتابة حتى يضع بين يديك للموضوع الواحد ، سلسلة مقالات متتابعة قد تصل إلى سبع حلقات أحيانا ، مما يضفي في واقع الأمر على المقال طابع المحاضرة أو البحث ، وهو أمر يجعل المقال خليطا من الخطبة والمحاضرة ، والبحث .

          ولعل طغيان الشخصية التعليمية على أبي اليقظان أو غيره ممن يشبهه في هذه الميزة ، من الأسباب التي تدفعهم الى هذا النوع من التفصيل ، وأن جل كتاب عهد الاصلاح معلمون في الكتاتيب أو وعائظ في المساجد أو خطباء في المحافل ن وقد يتصف الواحد منهم بهذه الصفات كلها ، ويقوم المهام جميعها .

          ولعل شعورهم بمسؤولية التوجيه والتربية ، كانت تخلق في نفوسهم ما يشبه الوسواس فيلحون على الموضوع تدقيقا وتمحيصا ولا يرفعون أقلامهم عنه حتى يهدا هذا الهاجس في داخلهم . وكمثال على ما نزعم نحيل القارئ الى المواضيع التالية : تجارتنا وتجارتهم ، وباء الفجور ، التعاون الاجتماعي وآثاره في الأمم والجماعات .

ثانيا : الخصائص الفنية :

          من خلال تتبعنا لمقالات أبي اليقظان نقف على خصائص أسلوبه الفنية . فإذا كانت الكتابة الصحفية في زماننا هذا تجئ خلوا من البهرج والزينة ، وعطلا من التعبيرات الرائعة ـ بحكم التطور السريع الذي عرفته الكتابة الصحفية ـ فان الأمر كان يختلف تماما بالنسبة للكتابة الصحفية في العشرينيات والثلاثينيات ، عندما كانت هذه الكتابة فنا من الفنون الأدبية ، لا تختلف في شيء عن النشر الفني يعتني بها أصحابها العناية كلها ويولون للشكل من الجهد قدر ما يستحقه المضمون تماما . من هنا نفهم هذه العناية الشديدة التي كان يوليها لمقالاته ولا سيما الافتتاحيات منها ، مما أضفى عليها مسحة أدبية واضحة .

          هذه المسحة لا تتجلى في الأفكار المنظمة المتسلسلة في انسجام وتنسيق فحسب ، وانما تتجلى أيضا في لغتها العربية السليمة ، وتراكيبها المنتقاة بعناية ، وقربها الشديد من مصادر الأدب العربي واستقائها منها .

          وأبو اليقظان كان يفعل ذلك عمدا واختيارا ، ويتخذه مذهبا في الكتابة ، يراه من مكملات الفن الصحفي لذا فهو يحتفل بمقالاته الاحتفال البليغ حيث يقول :

" .. اذا أعددنا موضوع المقال الافتتاحي للعدد ، وكنا مشبعين بفكرته ولم يبق لنا الا نسجه في ديباجة يستحقها ، اخترنا له وقتا كافيا جامعا للفراغ والنشاط الذهني ، خاليا من الهموم والغموم ، ومكانا خاليا من الجلبة والضوضاء ، واذا توفرت مع هذه الشروط مناظر جميلة مثل حديقة " بارك دوقان " (1) ومثل حديقة الحيوانات في الحامة العاصمة ، أو مثل حديقة " البلفدير " بتونس فحبذا حبذا ، والا راعيت في مكان التحرير شرطين أساسيين ، الضوء الكافيء ، وخلوه من الجلبة والضوضاء وقد التزم مكان الحدائق الغناء اذا كان الموضوع صعبا وعسيرا وشديدا " .

          اذا كانت عناية أبي اليقظان بالظرف الزماني والمكاني بمثل هذا الاحتفال العظيم ، فان عنايته بأسلوب الكتابة ـ وهو الأهم ـ لا تقل عنده أهمية عن الاعداد للكتابة .

          " .. اني كثير السخاء بتشطيب ما يجب تشطيبه ، وتبديل ما يجب تبديله ولا يهمني ذلك ، وانما يهمني الاجادة ومطابقة الموضوع ، وجمال الأسلوب ، وكمال التنسيق ، وانسجام المقال ، وقد اتخذ مسودة ثم أبيض اذا كان الموضوع شائكا أو ذا مسؤولية ".

          إلى هنا ندرك إلى أي حد كان شكل الكتابة وأسلوبها ذا مكانة مرموقة عند أبي اليقظان ، ونتبين من خلال النصين السابقين بأن الشكل عنده لا يقل قيمة عن المضمون .

          ان هذه الحفاوة بالأسلوب طبعت كتابته ببعض المميزات التي نرى الوقوف عندها وتبيانها من مكملات هذه الدراسة ، ولعل أبرز سمات الكتابة عنده تتلخص فيما يلي :

ـــــــــــــــــــ

(1)              حديقة بارك دوقالون : تقع في مكان مشرف يطل على الجزائر العاصمة ويطلق عليها اسم : حديقة الحرية حاليا .

 

1. الأسلوب الخطابي :

          ونعني بالأسلوب الخطابي ما يغلب على طريقة التعبير عنده من توجيه الكلام مباشرة الى القارئ واستعمال لأدوات الخطاب كحروف النداء ، والاستفهام ، والتعجب ، والانكار ، وصب كل ذلك في صيغ بلاغية مثيرة يقصد بها غالبا الى اثارة انتباه القراء والاستحواذ على عواطفهم ، ومن ثم فان أبرز الصيغ التي يقدم بها جمله تكون صيغا استفهامية تعتمد طريقة التساؤل يستدرج بها القارئ غالبا الى متابعته ومسايرته وضمان استيعاب ما يريد ايصاله اليه من أفكار .

          والحق أن هذه الطريقة غالبا ما تجذب القارئ اذا كان منصفا ، أو تربكه اذا كان عنيدا .

          ونقدر بأنه من أهم العوامل التي تدفع أبا اليقظان الى ايثار هذه الصيغ عن غيرها ـ وهي طريقة تهدف إلى اثارة العواطف وتنبيهها ـ الرغبة التي تكون لدى رجال الاصلاح ، والدعاة ، والقادة ، والزعماء عادة في التأثير على أتباعهم ومريديهم ، وليس ثمة أكثر تأثيرا على وجدان المتلقي من الصيغ المباشرة الخطابية فان ما يعتمده مثل هذا الأسلوب من صيغ استفهامية ، بلاغية ، وتكرار ، تجعله أداة صالحة لتوضيح الفكرة في ذهن القارئ واقتناعه بها ، فاذا بها آخر الأمر باقية في ذهنه وحدها بارزة ، لا تتعلق بها شائبة من هاجسة أو شك .

          وإذا كانت الأمثلة على هذا المنحى الأسلوبي عند أبي اليقظان أوضح من أن نسوق لها نموذجا ، فإنه لا بأس من أن نستشهد هنا بهذه الفقرات التي اقتبسناها من مقال يستحث فيه همم العاملين من الأمة الجزائرية في بداية نهضتها .

          وقد آثر أن يوجه الخطاب إلى الأمة الجزائرية أولا ، ثم إلى رجال الاصلاح ثانيا ، وذلك حيث يقول :

          " مسكينة أيتها الأمة الجزائرية !؟ ..

          إذا أنت لم تبك لآلامك فمن الذي يبكي لك ؟ إذا أنت لم ترثي لحالك فمن الذي يرثي للك ؟ إذا أنت لم تقومي بمشاريعك فمن ذا الذي يقوم بها ؟ إذا أنت لم تخدمي نفسك فمن ذا الذي يخدمك ؟ إذا أنت لم تستوردي منك رجالك لاجيائك واعزازك فمن الذي يستوردهم لك ؟ ومن أين ؟

          .. مالي أراكم أيها السادة في نزاع وشقاق ، وتطاحن على القشور والسفاسف ؟ وأمامكم أعمال كثيرة وأشغال خطيرة أفواهها فاغرة ، ومجالاتها شاغرة !

          .. ان الأمر ليس بالهزل ، والوقت قصير ليس له من طول .. " .

          وهكذا نلاحظ كيف تتغلب النزعة العاطفية على ابي اليقظان ، وتستحوذ على لبه الأحاسيس والمشاعر فيصدر عنها قاصدا من وراء ذلك لايصال هذا الذي يشعر به إلى قرائه ، محاولا أن ينقل إليهم هذه الحرارة الوجدانية التي تثب بها جوانحه ، وكأنه لا يجد ضمانا لهذه الحرارة إلا في الصيغ الخطابية المباشرة .

2. الأسلوب التهكمي :

          قد نعجب أن يلجأ كاتب مثل أبي اليقظان إلى استعمال أسلوب ساخر وهو غير ما عرف به من قصد في الكلام ، وصرامة في المواقف ، وجدية في معالجة الأمور ، ولكن قد يلجأ المرء أحيانا لأن يعبر عن احساسه بأسلوب فيه غير قليل من السخرية ، وهو أسلوب لا ينبئ عن نفس مرحة ، ولا يعبر عن قلب رضي ، بقدر ما هو تعبير غير مباشر عن الحزن والأسى أحيانا ، وعن السخط والغضب أحيانا أخرى .

          وفي واقع المجتمع ما يدعو الكتاب إلى معالجته أحيانا بمثل هذا الأسلوب وكأني بهم يقابلون سخرية الناس بالقيم والمبادئ ، بأسلوب ساخر مثلها ، أو كأنهم يضطرون إلى مثل هذه الوقفة بعض الوقت إذا أعياهم القول الجاد ، والنظرة الصارمة . وفي تاريخ الصحافة الجزائرية والمصرية والتونسية كثير من الجرائد التي كانت متخصصة كلها لأساليب التهكم والسخرية .

          وقد طالعنا أبو اليقظان ببعض المقالات التي آثر أن يعالجها بمثل هذا الأسلوب وأظهرها تلك التي نشرها بجريدة " البستان " التي تكاد تكون في اتجاهها ومواضيعها فكاهية نقدية كما أرادها .

          والذي يبدو أنه كان لا يقصد إلى هذه الطريقة إلا إذا أراد النيل من خصم ، أو التعريض بموقف ..

          فهو إذا أراد هذا النوع من السخر راح يسمي الأشياء تسمية زائفة أو معكوسة قصدا . تعبيرا عما يجده في نفسه من أحاسيس المقت ، والكره ، والازدراء .

          من ذلك هذه الفقرات التي نقتبسها من مقال له كتبه اثر تعرض مطبعته " مطبعة العربية " لحملة تفتيش من طرف البوليس الاستعماري ، واستفزته تلك الطريق الهمجية التي سلكها البوليس .

          وعوض اللجوء الى أسلوب غاضب ثائر ، لجأ إلى أسلوب السخرية مستغلا بذكاء مناسبة تدشين المطبعة العربية ، فراح يعرض بذلك العمل المتعسف بأسلوب يقطر أسى وسخرية ومرارة بعدالة القرن العشرين حيث يقول :

          " جرت عادة الحكومات النظامية أن تقيم حفلات ومهرجانات بعنوان ( التدشين ) للمشاريع الكبرى التي تنشئها أو تنشأ تحت اشرافها .. وحيث أتممنا مشروع " مطبعتنا العربية " ولم نقم بهذا الواجب رأت الحكومة من اللائق بعظمة المشروع أن تقوم بتدشينه هي فأرسلت لجنة تتركب من حضرة " كوميسار " البوليس وأعوانه لينوبوها في ذلك .

          وبعد أن يصف بمثل هذا الأسلوب الطريقة التي اتبعها البوليس في التفتيش يستطرد قائلا :

          ثم أن هذه اللجنة المحترمة لم تكتف بهذا بل جاوزت حدود الأذن الرسمي فوهمت أن لا يزال شبح " وادي ميزاب " بمدفنه فقصدته بكل شجاعة ، ففتحت قبره بدون حضور وليه فدارت في زواياه ، وبكل أسف لم تجد الا غبارا متراكما على مكتبته . ومن العجب أن لا يزال بعبع " وادي ميزاب " ماثلا في المخيلات رغما عن مضي عامين عن مصرعه ، وقد ذكرتنا هذه القصة بقصة جحا ورفات الحمار " .

          وهو يستعمل هذا الأسلوب في معالجة بعض الأمراض الاجتماعية المتفشية وكأنه يعبر عن تواطيء الناس في السخرية بالمبادئ السامية ، بسخرية مثلها ولكنها سخرية فيها أسى واشفاق .

          فقد خيل إليه أن أبا كذابا منافقا ، أوصى ابنه بوصايا تلائم الواقع المريض الذي يعيشه الناس ، وساير نظرتهم المعكوسة إلى الأشياء مجاراة لظروف الزمان والمكان كما يقول : وهذه هي وصايا الأب الكذاب لابنه : " كن منافقا مرائيا ملاقا .. ففي كنف هذه الصفة تعيش مملوء الجيب طويل العمر ، واياك والصراحة ، والجهر بالحق فان هذا مما يقصم ظهرك ..

          كن خاملا كذابا تعيش خفيف الظل ، عذب اللسان ، واياك والنصح والصدق فإن هذا يجعلك مرموقا بعين الحنق والاستثقال " .

          ولكي يصور مبلغ ما يعانيه من هضم للحقوق المادية لجرائده ـ ولطالما اشتكى من هذه الظاهرة ـ لجأ هذه المرة إلى هذه الطريقة التي جمع فيها بين التعريض والسخرية بكيفية ذكية بارعة . وذلك حيث يقول :" رأيت بعض الناس يقولون بأعلى أصواتهم " الحمد لله أدينا ما علينا نحو جريدتنا " فقلت في نفسي أن غرضهم هذا ليس هو الناحية المادية ، وانما الناحية المعنوية فسألت أحدا عن ذلك فقال " ألم أقل لكم في كل مناسبة أحسنتم " وهنا بقيت حائرا وقلت " لعل هذه الكلمة تصرف بمقدار عند أحد التجار الكبار أو البنوك ، وهنا ذهبت إلى ( البنكة ) ودفعت ورقة في ( الفيشي ) مكتوبا عليها " أحسنتم " فغضب ( الكيسي ) غضبا شديدا . ودهشت قائلا : أعوذ بالله من الأزمة حتى صارت كلمة " أحسنتم " تصرف عندكم بثمن الاشتراك " .

          فالسخرية عند أبي اليقظان كما ترى ليست ذات مسحة مرحة أو مضحكة وإنما هي لون من التعبير عن السخط وعدم الرضا بالواقع كما أشرنا إلى ذلك سابقا .

3. الأسلوب الرمزي :

          عرف الأدب العالمي والعربي منذ القديم فنونا من القول يلجأ إليها المضطهدون عندما يريدون التنفيس قليلا عن مشاعرهم المضطرمة ، فاشتهر في الأدب الفرنسي " فولتير " بقصصه ، " ولافونتين " بخرافاته ، واشتهر في الأدب العربي " ابن المقفع " بكتابه كليلة ودمنة ، أما الصحافة العربية ولا سيما المصرية والتونسية منها فانها عرفت ضروبا من التعبير ، وأفانين من القول تلجأ إليها لتفلت بها من قلم المراقبة ، وقد عرفت الصحافة العربية الجزائرية هي أيضا هذا الأسلوب بحكم ظروفها القاسية .

          وكان من بين من استعمل الأسلوب الرمزي في كتاباته ، أبو اليقظان ، وقد يبدو في قولنا هذا اذا قورن مع سابقه بعض التناقض ، إذ قلنا سابقا بأنه يمتاز في أسلوبه بالصراحة والقصد بينما نقرر هنا بانه يستعمل الرمز أيضا ..

          .. والواقع أنه لا تناقض بين القولين ، فقد كان هذا الكاتب يلجأ إلى الأسلوبين ويستعمل الطريقتين ، ولو أنه كان إلى الصراحة أميل وإلى القصد والمباشرة أكثر ايثارا .

          ولم يعد غريبا أن يلجأ الكتاب الصحفيون إلى أساليب الرمز والتعريض في تلك الظروف القاسية الرهيبة التي كانت الصحافة العربية تعيشها تحت حكم مستعمر يحاسب على الخاطرة ويعاقب على الهمس ، بل لعا الغرابة أن لا يكون أسلوب الصحافة آنئذ رمزا كله .

          على أنه حتى هذا اللون من التعير لم يسلم من سيف الرقابة المسلط ولم ينج أصحابه من الاستجوابات المضيقة .

          وللرمز طرق من التعبير متنوعة ، وأفانين من القول عديدة ، يستعملها الكاتب تحايلا ، أو تلميحا ، أو تعريضا ، وقد وجدنا أبا اليقظان يستعملها جميعا على النحو الذي سنبينه .

1. طريقة الرؤى والأحلام :

          كثيرا ما يلجأ الكتاب إلى التحايل متسترين بالرؤى والأحلام ، مدعين بأن ما يقولونه أو ما يرونه انما رأوه في المنام ، وكأنهم يريدون القول بأنهم كتبوا ما كتبوه باملاء من اللاشعور ، فليس عليهم فيما ينقلونه من نقد أو تجريح من ملام ، لأن المسؤولية لا يتحملها اللاوعي ، وأن ليس على الانسان من حرج فيما يراه أو يقوله في أحلامه ، وبهذه الحيلة البارعة يتسنى لهم الافصاح بكثير من الأشياء التي كانوا يتحرجون من ذكرها وهم في حالاتهم العادية ، وفي كامل قواهم العقلية ، ومن أشهر من استعمل هذه الطريقة في أدبنا العربي أبو العلاء المعري في كتابه الشهير " رسالة الغفران " وابن شهيد الأندلسي في رسالته " التوابع والزوابع " والمويلحي في " حديث عيسى بن هشام " . أما أبواليقظان فنلتقي معه في هذا النوذج الذي نسوقه كمثال على هذا الأسلوب الذي كان يستعمله أحيانا .

          " عندما أخذت مضجعي ، وأخذ الكرى بمعاقد أجفاني ، رأيت كأن رجلا جميل الطلعة شديد بياض الثياب ، أخذ بيدي فقال : هيا بنا نأخذ حظنا من النزهة في حديقة ( الحامة ) وعندما استوى بنا الجلوس في كرسي تحت ظلال الأشجار الباسقة قال : اني أبشرك ببشائر تهمك ، وتفعم نفسك سرورا ، فقلت هات يرحمك الله ما عندك فقد كادت النفس تحترق بؤسا وابتئاسا فقال : نحن نعلم والله والملائكة والناس أجمعون أنكم تحملتم كثيرا من الارهاق والعذاب ، فابشر أن السعادة قد بدأت تلاحظكم بعينها ، فيعود العسر يسرا ، والشدة رخاء ، والعبودية حرية ، ستتلاشى قريبا هذه الأزمة (1) ، وترجع الحركة الى مجراها ، وتحرر الصحافة العربية من أغلالها وتطلق حرية ما أقفل منها ، وتفتح أبواب المساجد في وجوه الدعاة ، والمرشدين وأبواب المدارس القرآنية في وجوه أبنائها .. وتخفف الضرائب عن الأهالي ويرفع كابوس الجندية ، وتبنى الملاجي والمستشفيات ، للأهالي ، وتجرف مستنقعات المواخير والحانات الى قاع البحر ، وتكسح أعشاش الجهل وأوكار الشيوعية والفوضوية والبؤس والشقاء من البلاد ..

          ويعيش الكل في دائرة الدين ومنطقة العلم ، ومحور النظام .. وبينما أنا غارق في بحر هذه الأحلام ، إذا بآذان الصباح يرن .. " .

          من الواضح الجلي هنا بأن ما يريد الكاتب قوله من وراء هذه الرؤيا هو التعبير عما يقض مضاجع الجزائريين من ألوان العسف ، والاضطهاد العسكري وهو أمر قد يتعذر على المرء البوح به أو انتقاده في أسلوب صريح مباشر .

        ــــــــــــــــ

(1)              يريد بذلك الأزمة الاقتصادية التي شهدها العلم كله في هذه السنين .

وجود القوانين الاستثنائية التي كان الاستعمار يطبقها على الجزائريين ، ومن أسوأها ذلك القرار الذي صدر عن الولاية باغلاق المساجد أمام " جمعية العلماء " .

وهو يريد أن يقول للجزائريين أيضا ، وبطريقة ايحائية بأن طمعكم في أن ترد الحكومة الفرنسية لكم حقوقكم المشروعة ، هو بمثابة الحصول على الوهم وقبض للريح ، وهي أشياء مستحيلة لا يحصل عليها الانسان الا في المنام ، وتأكيدا لايصال هذه المعاني لقرائه ختم فصله ذاك بقوله " وبينما أنا غارق في بحر هذه الاحلام اذا بآذان الصباح يرن ، فاستيقظت على صوته ، فوجدت نفسي في فراشي .

ولابراز هذه المعاني في ذهن القارئ أمضى مقاله باسم مستعار هكذا ( نائم ) . وهذه التسمية في حد ذاتها لها دلالتها التي لا تخفى .

2. الحــــوار :

          اجراء الحوار بين شخصين متخيلين أو بين عدد من الأشخاص أو الأشياء أو المعاني المجردة بأن ينفخ الكاتب فيها الحركة والحيوية ، فمن آخر من فنون الرمز وأساليبه التي طالما عبر الكتاب بواسطتها وعلى لسانها ، عن أفكارهم الجرئية أو انتقاداتهم الجارحة لا سيما اذا كان دون ملل أو تأفف ، وهي طريقة لها من ناحيتها الأدبية الجمالية متعة أكبر وفائدة أكثر من الطرق المباشرة الأخرى .

          ولا يخفى ما في هذه الطريقة من حيوية وايحاء تجعل القارئ يتتبع الحوار بلذة ، وينساق وراء ما يجري من كلام على لسان المتحاورين المعني بالأمر من أصحاب النفوذ أو السلطة الاجتماعية أو السياسية لا يرغب في ذكر أسمائهم لاعتبار أو لآخر .

          وكان يستعمل أبو اليقظان هذه الطريقة من حين لآخر ، ومن أبرزها تلك السلسلة من المقالات التي كان يعرض فيها بخصوم الحركة الاصلاحية بميزاب ، تحت عنوان " حديث المفلسين " وهي محاورة شبه مسرحية أجراها على لسان زعماء المحافظين الذين يطلق عليهم أسماء فكاهية مضحكة ، ويعبر على ألسنتهم بما يشعرون به من مشاعر الخيبة والفشل من عدم نجاح مخططاتهم في القضاء على الحركة الاصلاحية .

          ويدخل في هذا النطاق تلك السلاسل التي ينشرها من حين لآخر منتقدا المواقف الانهزامية من القضايا الوطنية . من ذلك هذه الفقرات التي أجرى الحوار فيها على لسان عصفورة معرضا بالسياسة الاستعمارية المجحفة ومواعيد فرنسا الكاذبة التي وعدت بها الجزائريين بعد الحرب العالمية الأولى فأخلفت ما وعدت رغم ما قدموه في سبيلها من تضحيات غالية .

          " سألت عصفوري ذات يوم عن أمر جاش في صدري ، وكان العصفور ذكيا شيطانا ، فأجابني عنه بما أقنعني وتركني باهتا لاصابة نظرته وهو :

ـ لماذا تكره النياشين اذا رأيتها معلقة على صدور ذوي اللحي والبرانيس بأنواعها .. ؟

ـ عصفوري : نعم أكره هذا أكثر من رؤيتي الصياد وعلى كتفه بندقية ليقتنصني .

ـ ولماذا ؟

عصفوري : لأن هذه النياشين بلونها الأحمر تذكرني بجريان الدم في رقاب وحواصل اخوتي العصافير المذبوحة بيد الصياد ، ولهذا أتشاءم منها كلما رأيتها أو سمعت عنها .

فقلت : صدقت والله أيها العصفور الحر ، فلتعش حرا طليقا رغما عن الانسانية المعذبة ( فلاح البستان ) .

          ولعل أبا اليقظان اتبع في هذا الأسلوب طريقة " بيدبا " الفيلسوف في محاوراته مع الحيوانات في كتاب " كليلة ودمنة " فقد كان يعتبر هذا المؤلف من الكتب القيمة التي تأثر بها وأعجب بها أيما اعجاب ، وكان كثير القراءة له ، طويل التفكير والتأمل في محتوياته ، مأخوذا بخفة روحه وبديع جماله .  

 

 

إلى الأعلى

الصفحة الرئيسية  | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان  | مؤلفات أبي اليقظان  |  ماكتب عن أبي اليقظان  | محاضرات المهرجان

مؤسسات باسم أبي اليقظان |  أصدقاء أبي اليقظانعائلة أبي اليقظان  | صور من بلادي  | مواقع تهمك  اتصل بنا