الصفحة الرئيسية  | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان  | مؤلفات أبي اليقظان  |  ماكتب عن أبي اليقظان  | محاضرات المهرجان

مؤسسات باسم أبي اليقظان |  أصدقاء أبي اليقظانعائلة أبي اليقظان  | صور من بلادي  | مواقع تهمك  اتصل بنا

 

 

قراءة اقتصادية في صحف الشيخ أبي اليقظان

 

إن الصحافة مرآة للأوضاع الدينية والاجتماعية والاقتصادية للأمم والشعوب ، فهي تعكس الحياة الواقعية في مختلف المجالات .

كما أنها أداة لإصلاح هذه الأوضاع نحو الأحسن والأمثل إن قامت عليها أقلام أمينة ملتزمة واعية لرسالتها وذلك بإبراز المحاسن وتنميتها والتنبيه إلى المثالب وبيان عِللِها والسعي نحو تلافيهما والحد منها .

وصحافة الشيخ أبي اليقظان منذ نشأتها سنة 1925 وهي تسعى جاهدة نحو إصلاح المجتمع والنهوض بالأمة ، وقد ركزت على جانبين مهمين :

( أ ) : مقاومة المستعمر الفرنسي الذي جثم على أرض الجزائر ببيان خطره وضرورة الانعتاق والتحرر والصد لمحاولاته اليائسة للمسخ والذوبان والتقصير للشعب الجزائري ، فكانت غصة في حلقة مما جعل الشيخ يتعرض للاستنطاق وصحفه للتوقيف الواحدة بعد الأخرى .

( ب ) : النهوض بالأمة واتخاذ أسباب القوة المادية والمعنوية ، ونفض غبار الجهل والجمود والمحافظة على المقومات الدينية والوطنية .

إن أبا اليقظان لم يكن يفرق بين قضية ذات اتجاه اقتصادي وأخرى ذات اتجاه اجتماعي أو ديني ، فقد كان ينظر إليهما جميعاً من زاوية واحدة هي الزاوية الوطنية .

لهذا لا نجده يخصص صفحة خاصة بالاقتصاد أو السياسة كما هو شأن صحف اليوم ، وإنما ينطلق في طرحه لجميع القضايا من حقيقة واحدة وهي صراع بين مستعمر صليبي دخيل وأمة عربية مسلمة .

وإذا كان هدف الشيخ هو نهضة الأمة الجزائرية عامة حيث عالج مشاكلها بكل أبعادها ، وأظهر واقعها المعيشي المسيرّ بالحسرة والأسى واقترح الحلول ، وحث رجال الإصلاح والمفكرين بالنهوض بها ، إلا أنه خصص حيزا هاماً من صحافته لمشاكل وهموم موطنه الأصلي ميزاب ، كما أنه لم ينس واقع الأمة العربية والإسلامية التي ترزح تحت نير الاستعمار الذي يستنزف خيراتها ويتخذها سوقاً لتصريف فائض إنتاجه ، مستعيناً بما تكتبه الصحافة العربية المشرقية ، وحتى الأقليات الإسلامية كان لها نصيب من اهتمام الشيخ أبي اليقظان .

هكذا فإن صحافته لها أبعاد ثلاثة : ميزابي ـ جزائري ـ إسلامي .

وقد ساعد الشيخ في الكتابة في الجانب الاقتصادي قـلم له باع طويل في التجارة والاقتصاد حيث مارس التجارة في شبابه ويتقن اللغة الفرنسية مما سمح الإطلاع على ما يكتب في الصحف والنشرات العالمية ، وهو الشيخ : بكلي عبد الرحمن بن عمر ، ويلقب بالبكري . وساهم بدرجة أقل كل من :ـ لقمان ـ الشيخ : حمو بن عمر سليمان بو عصبانه والشيخ : ابن يوسف سليمان بن داود الذي يحمل لقب ،  ـ عباس ـ .

عايشت صحف أبي اليقظان الأزمة الاقتصادية العالمية سنة 1929 ، فخصصت أعمدة ومقالات لتحليل هذه الأزمة وتأثيرها على الاقتصاد الجزائري فقد عَمَّ الركود والكساد مما أدى إلى إفلاس الكثير من المؤسسات التجارية والصناعية ، وسببت مشاكل اقتصادية واجتماعية عميقة .

أهم القضايا الاقتصادية التي تناولتها صحافة أبي اليقظان :

1)    القضايا العالمية والعربية :

خصص البكري عدة حلقات في صحيفة وادي ميزاب للتعريف بعلم الاقتصاد وعلاقته بالعلوم الأخرى ، كما حلل عوامل الإنتاج من أرض ورأس المال وعمل ، فيقول في تعريف علم الاقتصاد : علم يضم بين دفتيه جميع السنن العامة التي تجري عليها إنتاج الأرزاق وتوزيعها و استهلاكها .

وهذا التعريف من أشمل التعاريف لعلم الاقتصاد ، فيضم أبعاده الثلاثة : الإنتاج والتوزيع والاستهلاك .

ويـبين أهمية الاقتصاد في حياة الأمم والأفراد فيقول " لا يستغرب إذا قلنا أن حياة كل أمة منوطة بحياة حركتها الاقتصادية ومماتها بمماتها ، فالمال قوام الأعمال " ويصل إلى نتيجة هامة وحتمية بأن الاستعمار هو نتيجة من نتائج الاقتصاد ، أي أنه لا يمكن لأية دولة أن تستعمر إلاّ إذا انهار اقتصادها ووهنت قوتها ، وتاريخ الاستعمار الحديث خير دليل على ذلك .

ثم راح يشرح في حلقة أخرى عوامل الإنتاج الذي حصرها في ثلاث هي : الطبيعة ورأس المال والعمل ، ولم  يورد العنصر الرابع وهو التنظيم ، وهو العنصر المكمل للعناصر الأخرى خاصة بعد اتساع المؤسسات والمقاولات فغذى التنظيم مهم في تسيير هذه الشركات ، ويستحق جزءاً من عوائد الإنتاج المتمثل في الربح ، وقد أورد تعريفاً لكل عنصر فيقول :

(1)            الطبيعة : " هي القوة غير العاقلة والمادة العامة التي يسقيها الإنسان بعرق جبينه ويشغلها بالآلات من اختراع فكره"

(2)            رأس المال " هو عبارة عن مصنوعات يحدثها الإنسان ، وإن كانت لا تفي بحاجاته ، إلا أنها تسهل له اقتناء أشياء أخرى تحصل له بها الكفاية ، وذلك من أبسطها كالقوس والمحراث إلى أعجبها صنعاً وأدقها تركيباً " .

(3) العمل " هي قوة الإنسان التي يسخرها لاستغلال الطبيعة باكتشاف سننها وقوانينها مستعيناً بالأدوات والآلات .

ويبين أهمية تكامل هذه العناصر للقيام بالعملية الإنتاجية ، فالطبيعة تفتقر في أداء وظيفتها إلى شيئين لازمين هما العمل ورأس المال .

 

ومن خلال هذه المقتطفات من المقالات الاقتصادية يتجلى لنا مدى اهتمام الكاتب بهذا العلم الذي هو حديث النشأة ، جديد على وطن كالجزائر ما يزال في تخلف شامل وجهل مطابق ، فهو يحاول أن يقرب مفاهيمه ومصطلحاته إلى قراءة ، كما تظهر لنا سعة اطلاعه ودقة تحليلاته .

وعن اهتمام صحف أبي اليقظان بالشأن الاقتصادي العربي يورد مقالاً بصحيفة النور عدد 41 سنة 1935 تحت عنوان " كنز تحت رمال الصحراء " يتحدث فيه عن تكالب الشركات النفطية البريطانية والأمريكية على الحصول على الامتيازات للتنقيب عن البترول في الخليج العربي ، ويعلق على ذلك بقوله : وقبل أن تنشأ قصة المصالح النفطية والتنافس على هذه البقعة من رمال الصحراء لم يكن أحد يفكر فيها ، وقد أضحت الآن موضوع نزاع دولي خطير ، ثم يعرض لموقف حكام الخليج إزاء هذا الوضع ، واستسلامهم لنفوذ الغرب ، فلا طاقة لهم في الوقوف في وجه الدول العظمى .

            وعن الأزمة الاقتصادية العالمية وتداعياتها وانعكاسها على اقتصاديات الدول الكبرى قبل الدول الصغرى والمستعمرة تناولها البكري في عدة حلقات من صحيفة النور مبيناً حالة الكساد التي أصابت التجارة ، وتسريح العمال من المصانع ، وإفلاس المؤسسات ، واثر ذلك على الوضعية الاجتماعية والأخلاقية .

كما يورد ـ لقمان ـ سليمان بو عصبانه حمو ، في نفس السياق مقالاً بصحيفة النور ، عدد 18 ، سنة 1932 يصف فيه الحالة التجارية أثر الأزمة العالمية التي تسببت في إغلاق المعامل والمتاجر وتسريح آلاف العمال ، فحل البؤس والانتحار ، وارتفعت درجة الإفلاس إلى حد أننا نعد السالمين ولا نعد المفلسين .

ثم يتعرض إلى أسباب ذلك ، ويرى أن السبب الرئيسي هو الأزمة العالمية التي أدت إلى الكساد التجاري وبالتالي إلى انخفاض الأسعار ، ثم يورد بقية الأسباب : منها البيع المؤجل وارتفاع الفوائد الربوية على الديون .

 

2)   القضايا الوطنية :

تناولت صحافة الشيخ لعقدة قضايا اقتصادية وطنية ، فقد كان همه المقيم المقعد نهضة بلده ورقيه ، فهو لا يكتفي بعرض الأوضاع المزرية التي يعيشها المواطن الجزائري ، بل يحاول وضع الحلول ، ويضرب أسئلة من الأمم المتقدمة التي قامت بأسباب الرقي والحضارة ، ويحث على تعلم مختلف العلوم والفنون ، فهي مفتاح كل تقدم ونهوض

            

ومن أهم القضايا ، وهذه عناوينها كما وردت في صحف الشيخ :

(1)            الحياة الصناعية والزراعية في القطر الجزائري ، بقلم البكري ، صحيفة : وادي ميزاب ، عدد : 74 سنة 1928.

(2)            حاجة الجزائري إلى مصرف أهلي ، بقلم الشيخ صحيفة : وادي ميزاب ، عدد 89 ، سنة : 1928 .

(3)            إحصائيات سكان الجزائر ، عن جريدة : " إيكود الجي " صحيفة وادي ميزاب ، عدد 95 سنة : 1928 .

(4)            في بلاد المجاعة ، صحيفة النور ، عدد : 64 ، سنة : 1933 .

(5)            نظرة عامة على الحياة الاقتصادية وموقف الأمة منها ، بقلم البكري عدد حلقات من صحيفة النور من عدد 55 إلى 59 سنة 1932 .

ولا يمكننا أن نتناول كل هذه القضايا وإنما نكتفي بنموذجين أو ثلاث كمثال للجانب الاقتصادي لصحافة الشيخ أبي اليقظان .

 

( أ ) حاجة الجزائر إلى مصرف أهلي :

يستهل المقال بعرض التحولات الاقتصادية التي يعيشها العالم ، واتساع نطاق الحياة والتطور المذهل للمدينة الأوروبية ، وتدفق الإنتاج وغزارته ، وتطور أساليب الحياة ونمط المعيشة ، والتقدم العلمي والتكنولوجي ، بينما نحن في الجزائر نعيش في تخلف وجهل وخلافات هامشية .

ثم يبين أهمية تكامل العلم والمال وتسخيرهما للقيام بنهضة حقيقية ، وبناء المؤسسات العلمية الاقتصادية .

وإذا كانت أوروبا قد قدمت لنا هذه المدينة وهذا التطور المتنوع في مختلف المجالات ، إلا أن كثيراً من نظمها وأساليب إنتاجها تتصادم مع النصوص الشرعية وتتنافى مع روح التشريع الإسلامي ، وأهمها التعامل الربوي الذي يعد محور النظام المصرفي الغربي .

فهنا يقف المسلم حائراً في أمره ، بين الارتماء في حمأة الربا ، والانسلاخ من دينه وعقيدته ، أو البقاء في خيل القافلة على مستوى الفردي ومستوى الأمة والمجتمع ويقول الشيخ مقدماً حلاً للخروج من هذا المأزق : إن وجه الحل لهذه المشكلة هو ان يقوم بعض متنوري الأمة بفتح مصرف أهلي يؤسس على القواعد الإسلامية المقررة في الفقه الإسلامي ويُسير بأساليب البنوك العصرية . فالشيخ بإيمانه الراسخ بعقيدته ودينه لم ينصح بالإقدام على تعاطي الربا الذي هو في نظره حريق إذا شبَّ في ثروة تركها رماداً ، كما فعل ويفعل كثير من الفقهاء التبريريين ، وإذا نادي إلى إقامة مصرف إسلامي نظيف خال من شوائب الربا ، كما أنه من ناحية أخرى لم يدع إلى الانزواء والانكفاء على الذات ما دامت المؤسسات الاقتصادية تقوم على الربا المحرم شرعياً .

وكلمة مصرف أهلي لها جانب سياسي أيضاً فهو يدعو المجتمع الجزائري على الاعتماد على النفس وتدبير شؤونه بنفسه والاستقلال في تصرفاته وقضاياه الاقتصادية .

وقد سبب هذا المقال احرجاً للشيخ ، إذ استدعاه محافظ شرطة الجزائر لاستنطاقه في فحوى أفكاره وأراءه الخطيرة على السياسة الفرنسية في الجزائر .

ويقدر الشيخ صعوبة هذا الأمر فهو يتطلب عزيمة ، وإدارة قوية ، فيحث أرباب المال على تخطيط وتنفيذ هذا الأمر فيقول : " وهذا الأمر وإن كان يتراءى بادئ الأمر شاقاً فهو يسير على من يسره الله تعالى من آهل العزم والصدق والإخلاص وقوة الإرادة " . كما أن إقامة مصرف أهلي إسلامي هو مقدمة وتمهيد لتأسيس الشركات وإنشاء المعامل وإقامة المشاريع الكبرى التي تحتاج إلى تمويل من هذه المؤسسة المصرفية .

 

( ب ) : في بلاد المجاعة :

هذا عنوان مقال لكاتب فرنسي يدعى : م ج جير نشره في جريدة " لا بريس ليبر " الصحافة الحرة ، وقام بترجمته إلى العربية الكاتب : الفرقد : بوجناح سليمان ، ونصف ويصف فيه الحالة المعيشية المأساوية للأهالي الجزائريين ويهيب بالحكام الفرنسيين بالاعتناء والرفع من مستوى معيشتهم بدلاً من الإسراف في حفلات الذكرى المئوية للاحتلال فيقول : " السواد الأعظم منهم يقاسون ـ بكل جلد ـ من مرارة العيش والبؤس والشقاء ، بما لا يرضاه حتى الكلاب ، ثم يعقد مقارنة بين ما يستهلكه الأوروبيون والأهالي ، فيقول : فالأوروبيون والأهالي ، فيقول : فالأوروبيون الذين يبلغ عددهم المليون يستهلكون 73٪ والأهالي الذين يبلغ عددهم ستة ملايين لا يستهلكون سوى 27٪ ، ثم وصف حالتهم وثيابهم الرثة ومساكنهم الخشبية التي تفقد أدنى مقومات الحياة ، كما أن الحالة الصحية متدنية لسوء التغذية ، ففي سنة 1927 أحضر لخدمة الجندية 125 ألف شاب ، وعند الفحص الطبي أسقط منهم النصف بسبب إصابتهم بالأمراض المختلفة ، وهم في زهرة شبابهم .

ثم يعقب صاحب المترجم : هذا موقف رجل فرنسي حر منصف أمام قضية الجزائريين ، فما يجب أن يكون موقف الأهلي الجزائري إزاء قضية وطنه يا ترى ؟؟؟

 

( جـ ) الحياة الصناعية والزراعية في القطر الجزائري :

يبين صاحب المقال وضعية الشباب الجزائري وهو يرزح في البطالة والجهل ، ويحثه على العمل واقتحام مدارس التكوين المهني لضمان حرفة شريفة تؤمن له مستقبله ، ويعيب عليه استساغة الربح السريع بالسطو والسرقة ، وقارن بين نسبة الجزائريين والمستعمرين في اليد العاملة الفنية فهناك واحد وثمانون ألف عامل فني من الأهالي مقابل خمسة وسبعون ألف من الأوروبيين ، في حين ان نسبة المستعمرين لا تتجاوز واحد إلى سبعة .

ثم تساءل لِمَ ترى غالب الذين يزاولون المهن أجراء ولا نراهم أرباب مستودعات كبرى في مختلف الصنائع والمهن ، مع توفر إمكانيات الالتحاق بمدارس التكوين .

وما يقال عن الصناعة ينسحب على الزراعة أيضاً ، فيدعو إلى الاعتناء بعمل الأرض ، فهي الكنز الذي لا يفنى ، أعطوها القليل من جهدكم تعطيكم الكثير من خيرتها .

وفي النهاية يورد مقالاً مقتبساً من جريدة " لاد بيش الجيريان " يتحدث عن تاريخ التعليم التقني بالجزائر ومدارسه المنتشرة عبر العمالات الثلاثة : الجزائر وقسنطينه و وهران ، ويحث الشبان على الالتحاق بها ، والتزود بالعلوم والتقنيات الحديثة ، حتى يتمكن أبناء الجزائر من نشر دواليب اقتصادهم بأيديهم .

ولا ينسى في مقاله الجانب النسوي ، فهو يدعو إلى تكوين العاملات المدربات في مختلف فروع الحركة النسائية .

من : طرز وفصاله وخياطة على النمط العصري .

       

           3 ) القضايا المحلية ـ الميزابية :

قلنا أن صحافة الشيخ أبي اليقظان تجمع بين الأبعاد الثلاثة المحلية والوطنية والإسلامية ، فقد أولى الاهتمام البالغ بالقضايا المحلية لأنه ابن المنطقة ويحتل ميزاب مكانة خاصة في قلبه ، ويتطلع إلى مستقبل أفضل لهذا الجزء من وطنه العزيز ، كما أن قراءه يشكلون جزءاً كبيراً من أبناء الوادي المنتشرين عبر التراب الوطني .

وأهم القضايا الاقتصادية المحلية التي عالجتها صحفه وأسهب بقلمه في شرحها وبيانها هي :

1)    مشروع توليد الكهرباء لمنطقة ميزاب ، صحيفة وادي ميزاب ، العدد : 852 سنة 1928 .

2)    زراعة النخيل ونتائجها العجيبة ، تجربة من أميركا نقلاً عن مجلة : مصر الحديثة المصورة وادي ميزاب ، العدد : 102 ن سنة 1928 .

3)    التجارة الميزابية مهددة بالإعدام ، تعلم لقمان ، صحيفة النور : العدد : 18 ، سنة 1932 .

4)    خطورة الهجرة على مستقبل ميزاب في حلقتين ، صحيفة النور ، العدد : 74 ـ 77 ، سنة 1935 .

5)    هل لتجارتنا من نهوض بقلم : م . م . ب : صحيفة الأمة ، العدد : 7 ، سنة 1934 .

وسنعرض نماذج من هذه القضايا :

1)    مشروع توليد الكهربائي

إن مشروع عظيم الفائدة جزيل النفع لما يمتد منه إلى الشعب من أشعة المياه ، فإن الروح الكهربائية إلى الشعب بمثابة الروح إلى الجسد ، فبامتداد أسلاك الكهرباء تمتد الحركة في كافة فروع الحياة من الأضواء وإدارة المعامل والمصانع وضخ المياه وطحن الزرع وجرّ الأثقال وتلطيف الحرارة والبرودة وإجراء العمليات الجراحية إلى غير ذلك من الفوائد العظيمة .

هكذا الكاتب يبين أهمية المشروع الاقتصادية ، و واثره في الحياة الكريمة للمواطن ، وعن كيفية تمويله تعرض لمختلف الآراء ، فهناك من يرى أن تكاليف التجهيز يدفعها المواطنون بزيادة رسم الضريبة ـ البزرة ـ وهناك من يرى أن تتحمل الدولة ثلث التكاليف والثلثان يدلهما المواطنون . ويتقدم الكاتب باقتراح تأسيس شركة محلية للقيام بالمشروع ورفض أسياده إلى شركة أجنبية لما فيه من أضرار ، ثم أورد تفاصيل عن هذه الشركة وكيفية تمويلها وتسيرها كما تسير سائر الشركات التجارية وأن يستعين بالخبراء في الميدان .

وعن ثمار هذا المشروع ونتائجه يقول الكاتب :

وبمثل هذا ينفتح أمام الشعب باب من الحياة جديد يقضي إلى ميدان من العمل يستثمر فيه الممول رأس ماله والذكي ذكاءه ونبوغه والعامل جده وكده والوطن يستثمر مجموع هذه الفوائد الجمة فتبقى الثروة المادية في جيوب أبناء البلاد ، بخلاف ما إذا أسند إلى غيرهم ، فإن ثروة الشعب تتسرب إلى جيوب الأجانب .

ثم يحمل الكاتب على المثبطين الذين يقولون : لا قبل لنا بمثل هذه المشاريع فهي فوق طاقتنا وقدرتنا ، فالمشروع يستحق نواة من الإرادة وذرة من الحزم وصدق العزيمة والثبات ولا يتطلب من المال أكثر مما يستحق أحدكم دكانه ، فكفانا عاراً وشناراً ما سلف مهنا من الانزواء والانكماش والتأخر والانحطاط ، ويأمل الكاتب في نهاية المقال أن تؤسس في مدة قريبة شركة منظمة ذات رأس مال كبير وتسير المشروع على الطراز الحديث ، وعلى رأسها بعض أدمغة ميزاب الكبيرة ، يسرجون للبلاد سبل الحياة .

 

2)    زراعة النخيل ونتائجها العجيبة في أميركا :

بما أن ميزاب خاصة والجنوب الجزائري عامة يقوم اقتصاده على زراعة النخيل عبر الواحات ، وتشكل التمر الغذاء الرئيسي لمعظم سكان المنطقة آنذاك ، فقد ارتأى الكاتب أن يورد مقالاً نشر في مجلة " مصر الحديثة المصورة " يتحدث فيه عن التجربة الأميريكية في زراعة النخيل في صحراء كاليفورنيا ، لكي يستفيد الفلاحون من هذه التجربة ، ومن التقنيات الجديدة التي ترفع من إنتاجية هذا النوع من الأشجار ,

ويستهل مقاله لدواعي الكتابة هذا الموضوع وإلى تاريخ زراعة النخيل الذي يعود إلى ستة الآف سنة ، وأن مهدها وأدى الفرات ثم انتقلت إلى بقية العالم ، ثم يتعرض لإحصائيات النخيل عبر العالم ، حيث يتصدر العراق القائمة بثلاثين مليون نخلة ، ثم الدول المصدرة لهذا المنتوج وهي : العراق والجزائر وتونس ، أما عن تجربة أميركا فيقول أن أول من أهتم بهذه الشجرة وقام بالبحث والدراسة الدكتور " سونجل " فقام بجولة إلى الجزائر ودرس تربتها ومناخها ، ومن ثَمَّ قارنها ببعض مناطق بلاده ، فنجح في اختياره واختار منطقتين إحداهما في كاليفورنيا وأوجد حلقين للتجارب ، وشرع في اختيار الأنواع التي تتلاءم مع المناخ الأميركي، فقام بزرع البذور في جهة ، وجلب الشتول من جهة أخرى ، لكنه أقلع في النهاية عن طريقة البذور واعتمد على الشتول لأنها الطريقة الوحيدة للحصول على أنواع ثابتة .

وأهم العقبات التي كانت تعترض هذا الخبير مع فريقه التقني هي مسألة الشتول واستجلابها من الخارج ، لأن القسم الأعظم كان يموت لسبب جهلهم بأصول العناية بالفسائل أثناء فصلها عن الأمم ، وبعد التجارب عرفوا كيف يعالجون هذه العلة .

أما عملية تلقيح النخلة فتجرى هناك على الطريقة التي اقتبسوها من بلادنا بدون أقل تغيير غير أنهم يعنون جداً في أمرها فلا يجهلون البستان في زمن الأزهار ، وقد أجروا تجارب بهذا الصدد لمعرفة تأثير لقاح الذكر على الأثمار فاستنتجوا منها إمكان تصغير النوى أو تكبيرها وإمكان تقديم موسم النضج أسبوعين أو تأخيره .

ومما يفاخرون به أن بستان النخيل عندهم يثمر بعد خمس أو ست سنوات من زرعه على حين أن المعروف في بلادنا أنه لا يمكن الحصول على التمر إلاَ بعد مضي عشر أو أثنا عشر سنة .

ثم تحدث عن أهمية ترك سعف النخل وعدم قطعه حتى يجف ، فالنخلة تخزن النسغ الذي تمتصه من التراب في الأوراق ( السعف ) ، كما أنهم لا يسمحون بكل العناقيد التي تظهر وتنمو بل يقطعون منها ما هو زائد عن العدد للحصول على ثمرة ذات حجم كبير .

وهو ما يفعله الفلاحون عندنا في عملية تسمى باللهجة الميزابية ( أَفـْرَاق ) .

كما أن جميع العناقيد تغطى لحفظها من الطيور أو عوارض المطر ، وأثناء عملية الجني توضع التمر في صناديق وترسل إلى بيوت التعبئة حيث تبخر لالقاءها من بويضات الحشرات التي قد تفرخ داخل الثمرة فتتلف المحصول ، وبعد عملية التبخير توضع في غرف حيث تمسح إذا كانت من النوع الجاف أو تغسل إذا كانت من النوع الرطب ، ومن ثم ترسل للتصنيف حسب جودتها ، وإذا كانت نسبة الماء فيها كبيرة توضع في صوان في غرف يتخللها الهواء الجاف تزول نسبة الماء الزائد ، ثم ترسل أخيراً إلى الأسواق .

ثم تحدث عملية التسويق وأسعار التمر في العالم مبيناً ومؤكداً على أهمية التمر كمورد اقتصادي هام .

 

3)    خطورة الهجرة على مستقبل ميزاب :

إن ما يتميز به الميزابي إرتباطه بموطنه الأصلي ، فمهما سافر وتنقل واغترب فهو دائماً متعلق بموطنه ويفكر في العودة إليه والاستقرار النهائي فيه ، فمنه يستلهم تاريخه وأصالته وأصوله ومميزاته ، ويأخذ منه تقاليده وعاداته ، ورغم أن الطبيعة شحيحة بمواردها ، إلا ّ أن إرادة الميزابيين أو بإيمانهم بحب الوطن استطاعوا أن يحولوا قراهم إلى واحات غناء تتوفر على أنواع مختلفة من الأشجار والأثمار .

كما أن مفهوم الارتباط بالأرض له مدلول سياسي هام إذ يساعد الدول والحكومات على إقامة التوازن الجهوي ويحد من الهجرة من الأرياف نحو المدن ، هذه الهجرة التي تسبب مشاكل اقتصادية واجتماعية تستعصى على الحل .

ومن هذا المنطلق يحاول الكاتب دراسة هذه الظاهرة وتاريخها ومستقبلها وأثرها على ميزاب ، فهو لا يدعو إلى ايقافها لأن ميزاب جزء من الوطن الجزائري ن وإنما يدعو إلى تنظيمها بحيث لا تؤدي إلى الاختلال العمراني والانسلاخ من الصالة ، ومن رقابة المجتمع لسلوك الفرد وتصرفاته .

 

بعد استعراض تاريخها واطوارها وغاياتها يقدم جملة من الاقتراحات والحلول :

1)   دراسة الظاهرة من جميع نواحيها ، ومن مختلف هيئات المجتمع .

2)   الإعتناء الخاص بتثقيف الصبيان والشبان الثقافة الدينية وتزويدهم بالعدة الكاملة منها حتى يتخذوا منها حصانه ومناعة من الطوارئ .

3)   إلفات نظر المفكرين والمصلين نحو أبناءهم الموجودين في الشمال والاعتناء بهم ودراسة أحوالهم وحل مشاكلهم .

4)   التقصير قدر الامكان من مدة الاغتراب ، وهذا قد كان فيما سلف متعذراً لبعد الشقة وصعوبة المواصلات ، أما الآن فقد وسائل النقل والمواصلات في السرعة والراحة .

5)   إمعان النظر من جديد في دراسة الفلاحة ووسائلها بميزاب وازاحة أكثر ما يمكن من عقباتها وإدخال أكبر ما يمكن من التسهيلات والتحسينات ، فقد أضحت الفلاحة الآن أكثر أهمية ، والفلاح أسعد حظاً من التاجر أضعاف المرات ، وكذلك دراسة حالة الصنائع الأهلية بميزاب وانعاشها بما يكفل حياتها ودوامها .

6)   اقناع أبناءنا بعدم الانخراط في سلك العمالة في المعامل التي يملكها الأوروبيون ، لأن في ذلك خطراً على دينهم وسلوكهم .

وملازمة مهنة الفلاحة وترغيبهم فيها بتحسين أجورهم وترقية معاشهم .

7)   التقليل من رغبات النفس وشهواتها ، فإن النفس لا حد لمطامعها ولذاتها ، فما دامت لم تجد وازعاً من العقل ورادعاً من الدين فهي لا تزال تطمح وتثب  وتقول : هل من مزيد .

هذه الاقتراحات والحلول قدمها الشيخ أبو اليقظان لتنظيم هجرة الميزابيين نحو الشمال منذ ما يربو عن سبعين عاماً حيث كانت الجزائر تحت وطأة الاستعمار .

والحركات الإسلامية لا تزال في طور نشأتها ، أما الآن فإننا ننعم بالاستقلال الوطني ـ والحمد لله ـ كما أن الميزابيين المتواجدين في الشمال تأثروا بالحركة الإصلاحية فقاموا بفتح المدارس الخاصة للتربية الدينية والخلقية وأنشئوا نظام الجماعات للتكفل بأبنائهم والاعتناء بالجانب الاجتماعي والثقافي والديني ، ومن ناحية أخرى فإن ميزاب شهد نهضة عمرانية واقتصادية وثقافية متنوعة ، لهذه المعطيات كلها ، فإن تنقل الميزابيين واستقرارهم في مدن الشمال تنظر إليه الآن بنظرة جديدة واستراتيجية أخرى .

 

خاتمة :

             هذه إطلالة سريعة عن بعض ما كتبته صحافة الشيخ أبي اليقظان في الجانب الاقتصادي ، هذه الصحافة التي تشكل جزءاً من تاريخ الأمة في حقبة مهمة من تاريخ الجزائر المعاصر .

ورجائي من الباحثين دراستها من مختلف جوانبها .

وأنوه ببعد نظر الشيخ في تعاطيه للأحداث وتحليلاته ونظراته المستقبلية ، كما أن الشيخ يتميز بروح التفاؤل والتطلع نحو مستقبل وغد أفضل حتى في ظل الظروف الصعبة والحالكة .

وأمنيتي الغالية أن يحقق الجيل الحاضر حلم الشيخ واقتراحه بإنشاء مصرف إسلامي وفق قواعد الفقه ويسير بأسلوب البنوك العصرية ، خاصة وأن الظروف القانونية والاقتصادية الآن متاحة ، وتبقى فقط همه وإرادة وعزيمة الرجال .

 

المصادر والمراجع :

1 : صحف الشيخ أبي اليقظان : وادي ميزاب ـ النور ـ الأمة .

2 : أبو اليقظان وجهاد الكلمة      د : محمد صالح ناصر .

 

الأستاذ : محمد بن صالح حمدي

                                                                جامعة باتنه

 

أعلى الصفحة

الصفحة الرئيسية  | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان  | مؤلفات أبي اليقظان  |  ماكتب عن أبي اليقظان  | محاضرات المهرجان

مؤسسات باسم أبي اليقظان |  أصدقاء أبي اليقظانعائلة أبي اليقظان  | صور من بلادي  | مواقع تهمك  اتصل بنا