الصفحة الرئيسية  | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان  | مؤلفات أبي اليقظان  |  ماكتب عن أبي اليقظان  | محاضرات المهرجان

مؤسسات باسم أبي اليقظان |  أصدقاء أبي اليقظانعائلة أبي اليقظان  | صور من بلادي  | مواقع تهمك  اتصل بنا

 

 

 

الدين و الإلحاد[1]

الناس في هذا المعترك الحيوي بين عاملين متعاكسين، عامل  الواجب الديني والملي والوطني وعامل التيار الجارف الذي تدفق من أوربا فغمر أفريقيا وآسيا.

فالأول يقضي بإتباع أوامر الإسلام من توحيد وصلاة وصيام وزكاة وحج  إلخ و اجتناب نواهيه من شرك وقتل نفس وفجور وخمور إلخ يقضي بالذب عن بيضة الإسلام وعن بلاد الإسلام وبحماية المسلمين ودفع الأذى عنهم بكل قوة وإعداد العدة لذلك. يقضي بالتعليم  الصحيح والتربية الصحيحة من تزكية النفوس وتطهيرها من أوضار الأخلاق الفاسدة  إلخ.

والعامل الثاني يقضي بهدم الإسلام من أساسه ببث دعاية الزندقة والإلحاد وفتح أبواب الفساد على مصاريعها وإذكاء ثورة عامة على مبادئ الإسلام وتعاليم لإسلام و اقتلاع نظم الإسلام بمعاول القوة والترهيب أو بوسائل التدجيل والترغيب يقضي ببيع الشرف وخيانة الملة والوطن والدين.

أما سلاح العامل الأول فهو أمر معنوي وهو الحجة القاطعة والبرهان الصحيح والدليل القوى ومنبع هذه القرآن  الكريم والسنة القويمة وآثار السلف الصالح ومتن الكون وقواعد العمران.

وأما سلاح العامل الثاني فهو شيء مادي محسوس وهو القوة المادية العتيدة والمظاهر الخلابة الساحرة التي منبعها المال وقوة السلطان التي بيدها في الظاهر قوة القبض والمنع والخفض والرفع والإعزاز والإذلال.

وبما أن جماهير الناس لا يؤمنون بالمعنويات كما يؤمنون بالماديات، ويقتنعون بالحجة المادية أضعاف ما يقتنعون بالحجة المعنوية،  ويرهبون السلاح المادي أكثر ما يرهبون السلاح المعنوي، تراهم في كل زمان ومكان وخصوصا في هذا  العصر يهرولون إلى حيث القوة المادية وينجذبون الزخرف المادي، وهم في هرولتهم وراء هذا التيار على نسبة ضعف عقولهم وسقوط مداركهم  فمنهم من يرتطم فيها وينبطح في حماتها بكامل جسده إلى أن ينغمس في قعرها، ولا يفهم شيئا غير المادة ولا يدرك شيئا إلا المادة ولا يعقل شيئا سوى المادة. ومنهم من يرتمي فيها ليأخذ جانبا عظيما منها ولا يشعر بنفسه حتى يغرق فيها. ومنهم من يقصدها ليتذوق شيئا من عسيلتها ولا يلبث أن ينجذب إليهــا فيمتزج حبها بلحمه و دمه،  فيصبح في جانب أخويه وهم كلهم ضحايا القوة المادية.

إذا حدثتهم عن الإسلام وأوامره سخروا منك وقالوا إنك جامد، وإذا خاطبتهم بالقرآن أو السنة لووا أعناقهم وقالوا إنك رجعي، وإذا كـلمتهم بالتاريخ وسنن الله في الأمم العانية الفاسقة أعرضوا عنك وقالوا إنك نحس الطلعة شديد التشاؤم و انفضوا من حولك ..

وإذا جاءهم فاسق فجاهرهم بفجوره وفسوقه هتفوا له، وإذا أقبل إليهم أحد الوجهاء المثريين فقاموا له ابتغاء مرضاته، وإذ  لاح لهم شبح موظف رفعوا أيديهم رغبا ورهبا وزلفى، وإذا تكلم صفقوا له ولو لم يفهموا لكلامه مغزى. وهكذا  تظهر عوارض الانخداع  بالقوة المادية في جميع حركاتهم وسكناتهم بدون أن يحسبوا لمستقبلهم حسابه، إذ أداة النظر والتفكير في العواقب هي البصيرة، وبصائرهم مطموسة  بحب المادة وعشق المادي  والغرام بالمادة. وهذه  لها وقت معدود وأجل محدود لا يتجاوز عالم الشهادة ولا رأي ولا شعور في عالم الغيب الذي يحمل بين جوانحه أهوالا وأي أهوال.

لأجل ما تقدم ترى أن المتأثرين بعامل  الواجب و المؤمنين به والمقتنعين بحجته هم قليلون جدا، وهم  في كل عصر ومصر غرباء يطاردون من مكان لمكان كأنهم لاستقامتهم جناة مجرمون لا يستحقون العيش مع غيرهم في الوجود ولا حظ لهم في الحياة. وأي إنسان يصبر على هذه المضايقات من جميع الشعب و النواحي إذا لم يكن راجح العقل عظيم النفس كبير الهمة لا يحسب للمادة إزاء القوة المعنوية قيمة، ولا يرى لها تجاه هذه شأنا، بل ينفذ شعاع بصيرته إلى ما وراء المادة من الشرف الرفيع والنعيم الخالد ؟ أولئك هم الرجال العظماء الكاملون. وبكل أسف نرى أنه بقدر ضغط الـقوة المادية و ازدخار جماهيرها وطغيانهم يقل أولئك القليلون ويضأل عددهم وتـهن قواهم، حتى كاد لا يحــس لهم أثر ولا يشعر لهم  بوجود  مع أنهم روح الأمم وملح الشعوب. وكلما ألقـيت نظرة تحليلية لدعوة زعيم أو خطة سياسي إلا وتجـد سداها ولحمتها المادة ومثلها الأعلى هي المادة اللهم إلا القليل النادر.

...وكيف يمكن إقناع  جماهير الأمم بالاستهانة  من قيمة المادة وتحويل وجهتهم إلى العامل المعنوي وهم لا يرون مقنعا إلا في القوة المادية، وكلهم في صمم عن صيحة القرآن  الكريم إذ يقول:

} زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفـضة والخيل المسومة والأنعام  والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المئاب {. ويقـول: } فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون   { التوبة/55  

ويقول: } ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فـضة و معارج عليها يظهرون ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكئون  وزخرفا وأن كل ذلـك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين { الزخرف/33-34

ليست الدعوة إلى ذلك معناها الدعوة إلى الكسل والفشل والبطالة، لكن معناها عدم الاغترار بالقوة المادية و الاقتصار عليها وجعلها هي الغاية، بل جعلها وسيلة ومطية إلى غاية  أخرى و مقصد آخر أشرف وأعلى.

لما تأثرت الصحابة رضوان الله عليهم بتلك الآيات البينات و استضاءوا بضوئها و اهتدوا بهديها حكموا السلطان المعنوي للإسلام و اتخذوا القوة المادية وسيلة لنشره وإعلاء  شأنه وصبرا على جسرها إلى إعزازه فبلغوا ما بلغوا ووصلوا إلى ما وصلوا.

و لما أخذ ذلك الأثر الهائل يضعف من الـنفوس، ويحل محله عشق المادة وجعلها هي الغاية والأساس  باتساع الفتوح وتـضخم الغنائم تطايرت بين جمع المسلمين شرارة فتنة المادة وانجذب إليها جماهيـرهم، فأصبحت القوة المادية هي المحكمة في شؤون المسلمين فآل أمر الإسلام على ما  آل إليه  مما هو مدون بين دفات التاريخ. ولو سار المسلمون من بعد على منهج الخلفاء الراشدين من جعل القوة المادية تابعة لا متبوعة وذنبا لا رأسا فهل يقع في الإســـلام ما وقع ؟ كلا و ألف كلا ..

إن المشاكل والخصومات والنزاعات لا تتأجج غالبا إلا بوقيد من المادة، فإذا طرحنا هذا السبب من بين أسباب المشاكل انحلت الخصومات و ارتفع النزاع وحل محله الألفة والوئام، هذا ما دلت عليه التجربة وحوادث التاريخ.

و متى يستهين المسلمون قليلا بالقوة المادية التي ملكت عليهم مشاعرهم  فيرجحوا جانب الواجب الذي يدعوهم إلى الشرف الحقيقي والعز الخالد، ذلك  الواجب الذي تضمنه القرآن الكريم والسنة القويمة وآثار السلف الصالح.

إن الصدود عن هذا العامل والتأثر بالعامل المادي والجري وراء تياره بدون تدبر ولا قراءة حساب للعواقب يجعل الإنسان سكرانا لا يحس بخير ولا يشعر بفضيلة و لا يفهم معنى الإحساس يقوده الجبن ويسوقه الجزع والإياس ويملأ نفسه الهوس والخور يفر من مواقف البذل فرار الأرنب من الأسد، ويهرب من مواقع الدفاع هروب الجبان من ميادين الحروب.

و لو أنه نظر إلى المادة بمنظار مصغر لما كان منه شيء من ذلك فالاستهانة بالمادة رأس كل فضيلة، وحبها رأس كل خطيئة.


[1]  وادي ميزاب، ع : 104 (17/10/1928).

المسلسل

عنوان المقال

المسلسل

عنوان المقال

1   أيها الجزائري 26   رأينا في التجنيس
2   العلم و العمل 27   التمدن الممسوخ
3   الإصلاح 28   يتقمصون في تبشيرهم بوادي ميزاب
4   الإسلام يحتضر والمسلمون يهزلون 29   الإسلام بين شقي المقراض
5   الاعتماد على النفس 30   وصايا كذاب لابنه
6   الثبات على المبادئ 31   وباء الفجور (1)
7   الثقة بالنفس 32   وباء الفجور (2)
8   أين المفر؟ 33   وباء الفجور (3)
9   نحن و أنتم 34   وباء الفجور (4)
10   الحق و مذاهب الناس فيه 35   وباء الفجور (5)
11   آخر سهم في كنانة المعمرين نحو الإسلام 36   حادث تمزيق الجواز
12   يجب الاعتماد على المؤسسات لا على الأشخاص 37   الصراحة خير علاج للأمة
13   الغيرة 38   مقياس الأمة برجالها
14   شعور الأمة نائم فماذا  ينبهه؟ 39   الانتخابات الأهلية
15   مستقبل جزيرة العرب 40   الدين و الإلحاد
16   سياج جزيرة العرب 41   الأمية في الأمم شلل
17   علي أن أعمل وليس علي أن أنجح 42   النفوس الرخوة
18   الوطنية الحقة 43   الإنسانية بين غضب الله و غضب أوروبا
19   اللغة العربية غريبة في دارها 44   افتحوا عيونكم أيها الغافلون
20   أخلاق الدجاجلة 45   العدالة تحتضر (1)
21   الألم يحرك العزائم 46   العدالة تحتضر (2)
22   الإعجاب بالنفس 47   كيف يكون الإحسان ؟
23   ضعيف النفس 48   إنما المؤمنون إخوة
24   جمعية الشبان المسلمين بمصر 49   وظيفة العقل في الإنسان
25   ماذا يراد بسكة حديد الحجاز؟ 50   أمات الرجال أم رفع القرآن؟
       
 

 

الصفحة الرئيسية  | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان  | مؤلفات أبي اليقظان  |  ماكتب عن أبي اليقظان  | محاضرات المهرجان

مؤسسات باسم أبي اليقظان |  أصدقاء أبي اليقظانعائلة أبي اليقظان  | صور من بلادي  | مواقع تهمك  اتصل بنا

 
 

أعلى الصفحة