الصفحة الرئيسية  | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان  | مؤلفات أبي اليقظان  |  ماكتب عن أبي اليقظان  | محاضرات المهرجان

مؤسسات باسم أبي اليقظان |  أصدقاء أبي اليقظانعائلة أبي اليقظان  | صور من بلادي  | مواقع تهمك  اتصل بنا

 

 

 

آخر سهم من كنانة المعمرين نحو الإسلام[1]

تبذل كتلة المعمرين جهدها و تسعى بكل ما لديها من السلطة و النفوذ لمحو آثار الإسلام و طمس معالمه من بلاد إسلامية كانت مصدر ثروتهم ومرعاهم الخصيب، ولم يكفهم ما نالوا من المسلمين المساكين، مما يعجز القلم عن ذكره، حتى عمدوا إلى آخر أثر بقي لديهم بالسحق و المحق، لو تمت لهم أمنيتهم.

فقد اقترح نوابهم في المجلس العالي في جلسته المنعقدة في 26 مــاي 1926 من هيئة المجلس، نزع الأحكام للقضاة المسلمين وتجريدهم من هذا الثوب الباقي الشفاف وتركهم موثِّقين لا غير، مع تعويضهم بقضاة الصلح، وتبديل أحكامهم الإسلامية بالقوانين الفرنسية، بدعوى الاقتصاد في مالية الحكومة التي تُجبى من جيوب المسلمين، و الترضية التامة للأمة الإسلامية على معنى الكلام المأثور أنعمت عليك المحكمة بالإعدام وقد كاد يمر عام كامل على هذا الاقتراح وهم يطبخونه و يمزجونه بمواد مسهلة لكي يسهلوا للمسلمين مساغه فتهضمه معدتهم ولكنهم نسـوا أن معدة المسلمين أصبحت لطيفة لا تقدر أن تهضم أمثال هذه النيازك التي تسحق الأمم سحقا.

فعلوا كل ذلك بلا حشمة ولا خجل من الأمم و التاريخ، ولم يشفقوا على سمعة فرنسا وشرفها، بل حاولوا دوس كرامتها وخرق التزاماتها، ونسخ عهودها ومسخ إمضاءاتها ووعودها للمسلمين باحترام ديانتهم و تقاليدهم عند كل مناسبة.

و لقد أدرك جناب الوالي مغبة هذا الاقتراح المخجل، فأمر بإمعان النظر، وتدقيق البحث، علهم يقفون معه على ما فيه من الضرر و الخطر، ولكنهم لم يفقهوا غير محق آخر أثر بقي للإسلام، فحاربوا به مشيئة الله في وجوده على وجه الأرض إلى الأبد، و طعنوا عاطفة المسلمين بخنجر مسموم جزاء إخلاصهم و صنيعهم الجميل نحو فرنسا، عوض مكافأتهم و البر بوعدها لهم.

و لقد أثار هذا السلوك الأسيف ثائرة المسلمين، فوالوا على ألسنة صحفهم ونوابهم الاعتراضات والاحتجاجات الحارة استنكارا لذلك الاقتراح المجحف واستهجانا لهذا المسلك المهين، كما اتفقت كلمة القضاة على ذلك فيما بلغنا.

و أي فرد ينبض في جسمه عرق الإسلام يرضى بنبذ أحكامه الإسلامية السامية التي تضمنها الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وسنة من لا ينطق عن الهوى، وتعويضها بأحكام وضعية معرضة للتبديل و التغيير، غير مختومة بخاتم الرسالة..

و ليس لهذا معنى غير التجنيس المقنع، و التنصير المصنع، في عصر تتبرأ فيه الأمم من التعصب الديني، و توسع فيه الحكومات نطاق الحرية الدينية إلى أبعد مدى.

و نحن نضم صوتنا إلى صوت إخواننا الجزائريين صارخين بملء أفواهنا لدى المراجع العليا ضد ذلك الاقتراح الجارح ولا سيما أن الميزابي شديد الغيرة على عوائده الدينية قوي التمسك بما سنته له شريعته على الأحكام المتعلقة بشؤونه الذاتية فهو لن يرضى مادام في نفسه رمق من الحياة أن يحيد طرفة عين عما قرره له سلفه الصالح من العوائد و الأخلاق التي تغمره فوائده دينا و دنيا.

و لهذا يوجد على الدوام حريصا بكل قواه على أن تكون جميع أحكامه الشخصية من نكاح و طلاق وإرث مطابقة تمام الانطباق للأصول التي أسمتها الشريعة الإسلامية.

فالمسلم الإباضي يقطع و يجزم بأن شريعته التي ترشده لمنهاج السداد كلما انحرف عنه، وتدله بأشعة هديها إلى ما فيه سعادته وتظلله بسحابة رعايتها مادام عابر سبيل أوامرها  ما هي إلا عبارة عن مشيئة خالقة ومبدعه الحكيم قد اصطفى لأجل تبليغها لعباده  رسوله الكريم وهو لا تطمئن نفسه في القيام بأحكام شريعته الغراء التي تنزل في القلوب السكينة و الخضوع الواجبين للأوامر المقدسة إلا للقضاة المسلمين العدول، ونزعها من قضاتهم وإسنادها لقضاة الصلح مما لا تطيق نفسه المسلمة تحمله بحال، ولم يخلق الله إلى الآن مسلما على وجه الأرض يطمئن خاطره وتطيب نفسه بفضل الجوج[2] لنوازله المتعلقة بشئونه الذاتية الصرفة  و نحـن على ذكر من التأثير السيئ الذي أحدثه القرار المؤرخ في 17 أفريــل 1889 القاضي بإسناد أحكام المسلمين الإباضيين في غير بلادهم لقضاة الصلح،  و جعلهم هم الذين يتولون فصل نوازلهم الخاصة بهم، المتعلقة بشؤونهم الذاتية، كما يتولون أحكام الأجانب الخاصة[3]  فتحيرت العقول لإسناد أحكامهم الخاصة بهم إلى غيرهم، وقدمت في ذلك شكايات عديدة من سائر أنحاء القطر الجزائري.  ولتسكين خواطرهم وترضية نفوسهم، أمضى رئيس الجمهورية الفرنسية القرار المؤرخ في 29 ديسمبر 1889 القاضي بإحداث المحاكم الإسلامية الإباضية في العمالات الثلاث[4].

يحتج غلاة التعصب و غواة تجريد المسلمين من أحكامهم الشرعية -لتأييد زعمهم- بأن الأهالي يختارون و يفضلون في كثير من الأوقات نزع نوازلهم من أيدي القضاة المسلمين إلى قضاة فرنسيين، لاشتهار الأولين بالتحامل و الأغراض، و الآخرين بالعفة و العدل، -و هذا وان كان ناتجا بطبيعة الحال من عدم الاعتناء بإعداد الأكفاء منهم، و عدم التدقيق في حسن الاختيار لهم لأسرار لا نعلمها- فهو نادر، ولو كان ما يدعونه حقا، لما بقي الأهالي يترددون على أبواب محاكمهم يلتمسون منهم فصل نوازلهم الخاصة بشؤونهم الذاتية ولقد أجاب أيضا عن هذه التهمة الساقطة م. ميرانت مدير الأمور الأهلية بالولاية العامة أثناء جلسة من جلسات قسم المعمرين من المجلس المالي قائلا :

إذا كان بعض قضاة الأهالي غير تام شروط النزاهة و العدالة، فلا يسوغ إسناد هذه التهمة للجمهور منهم الذي اعترف له رؤساؤه بكمال الدراية و التمسك بالحق و الإنصاف.

و بالجملة فإن نزع الأحكام من أيدي القضاة الأهليين، يؤثر لا محالة تأثيرا سيئا لدى سائر طبقات الأمة الإسلامية الجزائرية، لأن الدولة الفرنسية بتعهدها على إبقاء الشريعة الإسلامية على ما هي عليه، قد برهنت على حسن نيتها باحترام شريعة المسلمين و أحكامهم و قواعدهم، و نزع الأحكام من قضاتهم وجعلهم موثِّقين صرفا مما يدعو لتكدير حياة المسلمين، و نزع ثقتهم منها، و هي حالة لا ترضاها، و لا سيما و هي تباهي الأمم بأنها دولة فرنــــسية إسلاميــة.


[1]  وادي ميزاب، ع : 30 (06/05/1927)

[2]  القاضي = Juge

[3] وهذا القرار من جهة أخرى صريح باستمرار حالة الحماية على وادي ميزاب وبقائها على بلاده بعد سنة 1882 رغما عما ذهب إليه الكثير من أنها زال أثرها في تلك السنة استنادا على حجج ترتكز على القوة لا على الحق و القانون، وإلا فما معنى تخصيص الإباضيين بإسناد أحكامهم الخاصة بهم إلى قضاة الصلح واعتبارهم أمامهم كأجانب؟ وهل من المعقول أن يعتبر أحد و هو في بيته أجنبيا و تجرى عليه الأحكام الأجنبية؟ اللهم إلا إذا اعتبر أجنبيا حقيقة، و احتجاجهم على هذا القرار لا ينصرف إلى هذه الحيثية، و إنما ينصرف إلى نزع أحكامهم من أيديهم، و ليس معناه خروجهم من ظل الحماية بل إمعانا فيه و استمساكا بما تقتضيه نصوصها، فلتراجع في مظانها.

[4]  المقصود بها : عمالة الجزائر، و عمالة وهران، وعمالة قسنطينة كما كان التقسيم الإداري آنئذ.(م.ن)

 

 
المسلسل

عنوان المقال

المسلسل

عنوان المقال

1   أيها الجزائري 26   رأينا في التجنيس
2   العلم و العمل 27   التمدن الممسوخ
3   الإصلاح 28   يتقمصون في تبشيرهم بوادي ميزاب
4   الإسلام يحتضر والمسلمون يهزلون 29   الإسلام بين شقي المقراض
5   الاعتماد على النفس 30   وصايا كذاب لابنه
6   الثبات على المبادئ 31   وباء الفجور (1)
7   الثقة بالنفس 32   وباء الفجور (2)
8   أين المفر؟ 33   وباء الفجور (3)
9   نحن و أنتم 34   وباء الفجور (4)
10   الحق و مذاهب الناس فيه 35   وباء الفجور (5)
11   آخر سهم في كنانة المعمرين نحو الإسلام 36   حادث تمزيق الجواز
12   يجب الاعتماد على المؤسسات لا على الأشخاص 37   الصراحة خير علاج للأمة
13   الغيرة 38   مقياس الأمة برجالها
14   شعور الأمة نائم فماذا  ينبهه؟ 39   الانتخابات الأهلية
15   مستقبل جزيرة العرب 40   الدين و الإلحاد
16   سياج جزيرة العرب 41   الأمية في الأمم شلل
17   علي أن أعمل وليس علي أن أنجح 42   النفوس الرخوة
18   الوطنية الحقة 43   الإنسانية بين غضب الله و غضب أوروبا
19   اللغة العربية غريبة في دارها 44   افتحوا عيونكم أيها الغافلون
20   أخلاق الدجاجلة 45   العدالة تحتضر (1)
21   الألم يحرك العزائم 46   العدالة تحتضر (2)
22   الإعجاب بالنفس 47   كيف يكون الإحسان ؟
23   ضعيف النفس 48   إنما المؤمنون إخوة
24   جمعية الشبان المسلمين بمصر 49   وظيفة العقل في الإنسان
25   ماذا يراد بسكة حديد الحجاز؟ 50   أمات الرجال أم رفع القرآن؟
       
 

 

الصفحة الرئيسية  | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان  | مؤلفات أبي اليقظان  |  ماكتب عن أبي اليقظان  | محاضرات المهرجان

مؤسسات باسم أبي اليقظان |  أصدقاء أبي اليقظانعائلة أبي اليقظان  | صور من بلادي  | مواقع تهمك  اتصل بنا

 
 

أعلى الصفحة