الصفحة الرئيسية  | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان  | مؤلفات أبي اليقظان  ماكتب عن أبي اليقظان  |

  أصدقاء أبي اليقظانعائلة أبي اليقظان  | صور من بلادي  | مواقع تهمك  اتصل بنا|  

 

 

 

أخلاق الدجاجلة[1]

الزهد كمال قال بعض المحققين هو ترك الحرام، وهو بهذا المعنى واجب شرعا وكما يشمل ترك ما في أيدي الناس إلا بحق، فكذلك يشمل ترك الغيبة والنميمة والكذب والخيانة والكبر والحسد والحمية الجاهلية والعجب وعقوق الوالدين والمشايخ إلخ، وقد يتوهم بعض المغفلين أن الزهد هو الانزواء و الانكماش والجمود والخمول والقعود عن الأمر بالمعروف وعن النهي  عن المنكر و الابتعاد التام عن أمور المسلمين وعدم تحمل شيء من تبعتها وقلة الاهتمام بها وإخلاء السبيل للسفهاء الأشرار وتحمل الضيم وغض العيون عن القذى وإرخاء الثوب عليها وتركه يقطر وسخا على آخر طبائع العجز و نتائج الكسل.

وقد يصعب على بعض الدجاجلة أن يتحلوا بحيلة الزهد الحقيقي فيتركوا الحرام بجميع ما فيه إذ لا تنعش أرواحهم الخبيثة إلا في الغيبة والنميمة والعجب والكبر والحسد والحمية الجاهلية وغيرها.

ولأجل أن يتخذوا لهم مركزا في قلوب الغفل و البسطاء يتظاهرون بالزهد بالمعنى الذي يراه هؤلاء  فيمجدون الانزواء و الانكماش ويقدسون الخمول ويبثون الدعاية للابتعاد التام عن أمور المسلمين، ثم من جهة أخرى يشهرون بكل من يبرز في الميدان للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويظهرونه للغفل والبله في مظهر المبتدع المفسد. ولأنه يصادف بذلك هوى في أنفسهم فسرعان ما يتأثرون به وينخدعون  إليه فيرونه أكبر ولي صالح زاهد في الدنيا، ومن يعانده إلا المبتدع  المضل، فإذا بنى لنفسه هذا الحصن من الغوغاء ووثق من خطر المبتدعين في نظره  أطلق من وراء ذلك لنفسه العنان في الكبائر والموبقات تحت اسم الزهد بدون خشية حسيب ولا رقيب.

وإذا أحس بشيء من تفطن بعض الغفل بدخائله غمر ذلك بأغشية أخرى من أنواع الزهد عندهم كالإعراض عن الأكل مع الجماعة وكترك شرب القهوة والتاي وربما أكثر من الحوقلة والتكبير والتهليل والوعد والوعيد والركون والسجود ثم إذا عرضت موبقة من الموبقات المخربات كالحمية الجاهلية غمس رجله في مرجلها وخاض فيها كما يخوض الجمل الهائج. فأين تلك المظاهر الخلاقة؟ و أين أثرها؟ ذهب كل ذلك إذ لم تكن إلا لاجتذاب النفوس الضعيفة أليها وقد وقع.

ومثل هذا كمثل ما يحكى أن أرنبا وبعض الطيور ذهبا ليختصما في قضية لهما على السنور القاضي ولما رآهما  مقبلين إليه قام وهو تحت شجرة التين على ساحل البحر يصلي فترقباه حتى فرغ من الصلاة ثم شكا إليه الأرنب مظلمته  فتصامم، فقال له إن في أذني ثقلا فأدنوا مني، فاقتربا منه، ثم أعاد الأرنب شكايته ثم قال لهما إني لم أسمع كلامكما فازدادا قربا، ثم زادا فاقتربا إلى أن كانا منه مأخذ  مخلبه، ثم طفق يعظهما  بأن الدنيا دار ممر لا دار مقر، وأن كل ما فيها سراب في سراب وأن الخير منكما من كان الحق له وإن قضيت عليه، والشرير من كان الحق عليه وإن قضيت له إلى آخر أمثال هذه الكلمات المعسولة، ولما رأى انخداعهما به وثب عليهما فسد بهما نهمه وقضى بهما حق بطنه.

وهكذا شأن المتزهد مع البسطاء المغفلين وقد يجر التزهد المعكوس على البعض خسائر فادحة لم تكن في الحسبان، كما يحكى أن بعضا من المتزهدين حمل كيسا فيه مبلغ ستة آلاف فرنك فلما حضرته الصلاة وضعه تحرجا من أن يصلي وهو حامل ما فيه رسوم ذي روح، فلما فرغ من الصلاة لحق القافلة أثناء الطريق فنسي كيسه، فلما تذكره رجع إليه فلم يجده، فخسر ستة آلاف فرنك لأجل التزهد الذي له مندوحة عنه.

ولو ذهبنا  نستورد حكايات المتزهدين المقعرين لخرجنا بالقارئ الكريم عن الموضوع. لو يقف المتزهد عند تزهده لهان الأمر ولسهل الخطب، ولكنه يبذل قصارى جهده  في إقناع العامة بأن سيرته العوجاء هي نسخة من سيرة السلف الصالح، و يوهمهم أنه ما هو إلا فرد من أولئك السلف الذين يتبرك بهم، فيجهدون أنفسهم في اقتفاء أثره وتشخيص حركاته وسكناته، ويقلدونه حتى في زيه وهيئته ولهجته ويميلون حيث مالت أمياله ويتوجهون حيث توجهت أهواؤه.

ولا يخفى أنهم كما يقلدونه في مظاهر تزهده ليجتلبوا عقول الضعفاء مثله،  كذلك يقلدونه في مباطنه و مخازيه من كبر وعجب وحسد وغيبة ونميمة وتسفيه أحلام المصلحين  و إفساد خططهم وتقبيح محاسنهم إلخ.

ذلك هو التزهد وتلك هي نتيجة المتزهدين، وهي لا تزهو و لا تترعرع إلا في الأوساط التي خيم فيها الجهل والبله والغفلة والبلادة والجمود.

أما الأوساط التي تشرق فيها شموس العلم وأشعة التربية والتهذيب فلا تجد فيها مقرا و لا مقاما ولهذا ترى حربا قائمة على الدوام و الاستمرار بين المتزهدين الجامدين وبين منابع العلم والعرفان، لأن أولئك المتلصصين يرون أن لا حياة لهم إلا في ظلام الجهل، فمقاومتهم للعمل ناتجة عن ميل غريزي منهم للحياة والبقاء.

ومسالك الإنسان إنما تتكيف بتكيف ميوله وغرائزه فهي مستقيمة إذا  استقامت الميول والغرائز، ومعوجة إذا اعوجت.

ولن يستقيم مسلك الإنسان ودماغه مملوء هوسا وجنونا ( متى يستقيم الظل والعود أعوج ؟ )


[1]  وادي ميزاب، ع : 60 (09/12/1927).

المسلسل

عنوان المقال

المسلسل

عنوان المقال

1   أيها الجزائري 26   رأينا في التجنيس
2   العلم و العمل 27   التمدن الممسوخ
3   الإصلاح 28   يتقمصون في تبشيرهم بوادي ميزاب
4   الإسلام يحتضر والمسلمون يهزلون 29   الإسلام بين شقي المقراض
5   الاعتماد على النفس 30   وصايا كذاب لابنه
6   الثبات على المبادئ 31   وباء الفجور (1)
7   الثقة بالنفس 32   وباء الفجور (2)
8   أين المفر؟ 33   وباء الفجور (3)
9   نحن و أنتم 34   وباء الفجور (4)
10   الحق و مذاهب الناس فيه 35   وباء الفجور (5)
11   آخر سهم في كنانة المعمرين نحو الإسلام 36   حادث تمزيق الجواز
12   يجب الاعتماد على المؤسسات لا على الأشخاص 37   الصراحة خير علاج للأمة
13   الغيرة 38   مقياس الأمة برجالها
14   شعور الأمة نائم فماذا  ينبهه؟ 39   الانتخابات الأهلية
15   مستقبل جزيرة العرب 40   الدين و الإلحاد
16   سياج جزيرة العرب 41   الأمية في الأمم شلل
17   علي أن أعمل وليس علي أن أنجح 42   النفوس الرخوة
18   الوطنية الحقة 43   الإنسانية بين غضب الله و غضب أوروبا
19   اللغة العربية غريبة في دارها 44   افتحوا عيونكم أيها الغافلون
20   أخلاق الدجاجلة 45   العدالة تحتضر (1)
21   الألم يحرك العزائم 46   العدالة تحتضر (2)
22   الإعجاب بالنفس 47   كيف يكون الإحسان ؟
23   ضعيف النفس 48   إنما المؤمنون إخوة
24   جمعية الشبان المسلمين بمصر 49   وظيفة العقل في الإنسان
25   ماذا يراد بسكة حديد الحجاز؟ 50   أمات الرجال أم رفع القرآن؟
       
 

 

الصفحة الرئيسية  | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان  | مؤلفات أبي اليقظان  ماكتب عن أبي اليقظان  |

  أصدقاء أبي اليقظانعائلة أبي اليقظان  | صور من بلادي  | مواقع تهمك  اتصل بنا|  

 
 

أعلى الصفحة