الصفحة الرئيسية  | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان  | مؤلفات أبي اليقظان  ماكتب عن أبي اليقظان  |

  أصدقاء أبي اليقظانعائلة أبي اليقظان  | صور من بلادي  | مواقع تهمك  اتصل بنا|  

 

 

 

الألم يحرك العزائم[1] 

الألم نار حامية تصهر إرادة المرء فإن كانت ذهبية ازدادت جلاء  وصفاء وقوة ومتانة وإن كانت خشبية رجعت رمادا فهباء والحوادث تزيد قوي الإرادة قوة ومضاء، و ضعيف الإرادة خورا ووهنا وفتورا.

فالذي  يكيد للمصلحين ويضع العراقيل أمامهم ويدس لهم الدسائس لا يزيدهم  في الحقيقة إلا تشجيعا وتنشيطا ولا لأذهانهم إلا تشحيذا،  و لا لقرائحهم إلا انقادا، ولا لعزائمهم إلا صرامة وليس منا وأتهم  الا مهماز يوخزا المكان الحساس من نفوسهم فتثب ملتمسة وجه الخلاص خواضة كل ما يعترضها من الغمرات والأهوال وإن كلفها ذلك ما كلفها.

تغوص في البحث عن مسالك النجاة مما أوذيت منه فتأتي بأنواع من الابتكار والإبداع في إنشاء المؤسسات وتأسيس المشاريع وتنسيق أساليب الحياة المادية والمعنوية مما تعجز عن أقل شيء منه لو لم توخز بمهماز من الإذاية فالأعداء كثيرا ما يؤدون خدمات جليلة للعاملين المخلصين قد لا يؤديها كثير من أصدقائهم وبطانتهم فوجود أولئك ضروري لاستفزاز نفوس المصلحين و استثارة مواهبهم الفياضة من مكمنها لو هذا قال جلالة  ابن السعود: ( إن من سعادة البشر أن يكون أعداء ألداء للأخيار) فإن وجود  الأعداء  الألداء للأخيار، يحملهم على التفنن وبذل الجهود لاتخاذ الوسائل للتوقى من أذايتهم ويجهدون لأجله قواهم للبلوغ بأعمالهم  أقصى درجات الكمال وفي ذلك سعادة عظيمة للبشر.

وإذا لم يكن هنالك أعداء لهم فإنهم لعدم دافع تدفعهم وتحرك منهم موات العزائم يبقون على الدوام في خمول وخمود لا يبدون حراكا و لا يحركون ساكنا قانعين من الحياة ، بالكسل والبطالة وقتل الوقت في تكرار ما حكوه قبل عشرات المرات مما مجته الأسماع من السفاسف والخرافات وبين هؤلاء من لو وخزه أحد أضداد  لهب مسرعا لابتكار الأسباب وابتداع، الوسائل الفعالة  لإشادة حصون من القوة والمناعة.

أليس في قعود من هذه صفته تعاسة للبشرية ؟ أليس في عدم وجود الأعداء الألداء لهؤلاء تعاسة وشقاء للبشرية من حيث أنه لم يوجد ما يثير مواهبهم التي منها السعادة ومنها الكمال ؟ ويدل على ما قلنا ما نراه من أنه كلما نجحت مساعي المرء كثرت حساده وكلما كثرت حساده عظمت أعماله فهم يتقدون حسدا وهو يلتهب نشاطا وجرأة وإقداما هم يحسون بخطورة نجاحه،عليهم فيحسدونه  ويضعون في طريقه أنواع العراقيل ليفسدوا عنه خططه  وهو يحس من حسدهم بتحقق نجاحه  فيطير قوة ونشاطا ساخرا بكل ما في طريقه وأي شيء أشد تحريكا وتنشيطا  للعامل على العمل من شعوره بنجاحه وإصابته منه كبد الحقيقة ؟

وبالعكس نرى أنه كلما صغرت أعمال المرء قلت أخصامه وكلما قلت أخصامه ضعفت إرادته فركن إلى الراحة  والدعة والسكوت وهنالك الموت الأدبي الزؤام.

فإذا بقدر ما يمعن الأخصام في اللدد واللجاج  تتكون للعامل قوة رهيبة فإذا أرادوا أن يُسدوا له خيرا فليمعنوا فيها وليحكموا حلقاتها حتى يستكشفوا للأمة عن كنوز نفيسة  ما كانت يستكشف عنها لولا هاتيك الأدوات للحفر والتنقيب.

وأي اختراع برز للوجود أو مشروع إصلاحي ظهر للعيان ماديا أو أدبيا قديما أو حديثا إلا ونجد غالبا أن السبب في  إيجاده والباعث على إبرازه من حيز القوة إلى حيز الفصل هو شدة حرارة التألم من ضغط المضرة أو فقدان المنفعة . تلك الحرارة التي تتكون منها قوة ضاغطة عظيمة من، بخار التأثر و الانفعال تدفع النفس إلى أقصى ما يمكنها من الغيات والكمالات.

فتتبع أيها القارئ الكريم جميع ما بذهنك  من المخترعات والمشاريع تجد أن السبب في إيجادها  غالبا هو ما قلنا.

فإذا فلا تفزع من وجود المعارضة في وجود الإصلاح وإن بلغت من الحدة ما بلغت فما هي في الحقيقة إلا غذاء لبذور الإصلاح منعش لروحها يجب أن نستبشرها ونتلقاها بثغر باسم ووجه ضحوك وإن كنا من جهة أخرى نعزي أصحابها في عقولهم إذا كانت وقودا لصهر قوة الحق وتصفيتها بل سمادا لتقوية مزرعة الإصلاح وتنمية نباتاته.

وإذا ما رأى الأخصام أن يخفتوا من صوت الحق فما عليهم إلا أن يخفتوا صوت المعارضة من نفوسهم فهناك يعدم الحق  قوة عتيدة كان يستند عليها أما إن ظنوا أنهم بمعارضتهم يميتون بذور الحق في منابتها فإنهم يغلطون في الحساب كثيرا إذ مثلهم كمثل من يظن أنه يميت مزرعة عطشا بموالاة سقيها.

وما ذكرناه لا ينافي الإخلاص والعمل لله فإن البواعث على العمل والدوافع المحركة للهمم الفاترة والعزائم الكليلة غير المرامي والغايات من ذلك العمل فقد يدفع النفس على العمل وخز زيد لها بسموم الهز واللمز ولكن  ترى أن الغاية من ذلك العمل هو إحقاق في الحق وإبطال الباطل وإعلاء كلمة الله.

إن وخزات الهمز واللمز لا تؤثر في كل النفوس من كل أحد فهنالك نفوس كبيرة شديدة البرودة كأنما عجنت طينتها من ثلج سيبريا لا تتأثر بأي وخز كان مهما كان مسموعا لذاعا ونفوس كهذه لا تليق لإلهاب الإحساس وتنمية الشعور بالشعوب الميتة إذ الميت البراد لا ينفخ في الميت حرارة الحياة وإنما هي تليق لأن تنفذ خطط  المهندسين  لعدم إحساسها بتحمل الأثقال الكبيرة.

وهنالك أشخاص لا أثر لهمزهم ولمزهم في النفوس إذ لا قيمة لهم في الوجود بل يمر صوتهم على الأسماع كما يمر صوت الببغاء  التي تحكى أصوات السبابين و الصخابين.

نعم هنالك نفوس تلتهب نارا وتتقد إحساسا وشعورا وأشخاص آخرون لهم في المجتمعات قيمتهم ولكن لهم نزوات في نفوسهم و شطحات في رؤوسهم فبين أولئك وهؤلاء تشب نيران المعارك الأدبية ويحمى وطيس الخصام فيحس الأولون  من وخزات الآخرين ما يلهب إحساسهم وشعورهم فهنالك تبرز مواهبهم من مكامنها وهنالك يأتون بالعجائب والبدائع وهنالك يسوسون شعوبهم ويقودون الهمم إلى ما فـيه عزتهـا وسيادتها وليس خصومهم إلا جسورا مروا عليها إلى غاياتهم، المنشودة وهي لعمري وظيفة من أولئك الخصوم جليلة لهم من الفضل فيها ما للجسور الحديدية من المزايا للعمران.

فحيا الله الألم وحيا الله الحوادث فإنها تجعل من الأطفال رجالا ومن الضعفاء أقوياء ومن الخاملين نبهاء وما أشد حاجة الأمم والشعوب للرجال والأقوياء والنبهاء!.

فالـذي يـريد بها خيرا يسعى في تكويـن تلك الطبقة الحية لها  فإنه حقيقة يقدم لها خـدمة جلى يشكر عليها وإن أراد الإيقاع بها و الإذاية لها فإنما الأعمال بخواتمها


[1] وادي ميزاب، ع :62 (23/12/1927).

المسلسل

عنوان المقال

المسلسل

عنوان المقال

1   أيها الجزائري 26   رأينا في التجنيس
2   العلم و العمل 27   التمدن الممسوخ
3   الإصلاح 28   يتقمصون في تبشيرهم بوادي ميزاب
4   الإسلام يحتضر والمسلمون يهزلون 29   الإسلام بين شقي المقراض
5   الاعتماد على النفس 30   وصايا كذاب لابنه
6   الثبات على المبادئ 31   وباء الفجور (1)
7   الثقة بالنفس 32   وباء الفجور (2)
8   أين المفر؟ 33   وباء الفجور (3)
9   نحن و أنتم 34   وباء الفجور (4)
10   الحق و مذاهب الناس فيه 35   وباء الفجور (5)
11   آخر سهم في كنانة المعمرين نحو الإسلام 36   حادث تمزيق الجواز
12   يجب الاعتماد على المؤسسات لا على الأشخاص 37   الصراحة خير علاج للأمة
13   الغيرة 38   مقياس الأمة برجالها
14   شعور الأمة نائم فماذا  ينبهه؟ 39   الانتخابات الأهلية
15   مستقبل جزيرة العرب 40   الدين و الإلحاد
16   سياج جزيرة العرب 41   الأمية في الأمم شلل
17   علي أن أعمل وليس علي أن أنجح 42   النفوس الرخوة
18   الوطنية الحقة 43   الإنسانية بين غضب الله و غضب أوروبا
19   اللغة العربية غريبة في دارها 44   افتحوا عيونكم أيها الغافلون
20   أخلاق الدجاجلة 45   العدالة تحتضر (1)
21   الألم يحرك العزائم 46   العدالة تحتضر (2)
22   الإعجاب بالنفس 47   كيف يكون الإحسان ؟
23   ضعيف النفس 48   إنما المؤمنون إخوة
24   جمعية الشبان المسلمين بمصر 49   وظيفة العقل في الإنسان
25   ماذا يراد بسكة حديد الحجاز؟ 50   أمات الرجال أم رفع القرآن؟
       
 

 

الصفحة الرئيسية  | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان  | مؤلفات أبي اليقظان  ماكتب عن أبي اليقظان  |

  أصدقاء أبي اليقظانعائلة أبي اليقظان  | صور من بلادي  | مواقع تهمك  اتصل بنا|  

 
 

أعلى الصفحة