الصفحة الرئيسية  | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان  | مؤلفات أبي اليقظان  ماكتب عن أبي اليقظان  |

  أصدقاء أبي اليقظانعائلة أبي اليقظان  | صور من بلادي  | مواقع تهمك  اتصل بنا|  

 

 

 

الوطنية الحقة[1]

إذا كانت الكلمة ضخمة المعنى، فخمة المبنى، رنانة النغمة، زاهرة اللون رائجة في أسواق الأوساط، ترى الناس على اختلاف طبقاتهم يتسابقون إليهاو يتجاذبونها إليهم، كالوطنية و القومية و الإنسانية و الحرية و العدالة و المساواة كما يتسابقون إلى الغادة الهيفاء لسماع نغماتها الشجية و ألفاظها الساحرة المعسولة و هم في الواقع بعيدو الوصول إليها.

          وكل يدعى وصلا بليلى         و ليلى لا تقر لهم بذاك  

و كما يتزلف ضعفاء العقول إلى الوجهاء و الأغنياء رجاء أن ينالوا بهم حظا أمام أقرانهم وهم ليسوا منهم في شيء.

لشدة رواج الوطنية بين الأمم و الشعوب على اختلاف الأجناس و الأديان و المذاهب ترى الناس يتجاذبونها و يصطبغون بلونها، و إن كانوا يعملون على نقيضها، يتغنون بنشيدها و يتمجدون بذكرها و إن كانوا منها خلوا.

يموتون كمدا إذا هم جردوا منها و إن كانوا منها متجردين، يشيدون المراقص، فيقولون لعمارة الوطن، يفتحون المقامر فيزعمون أنه لإعلاء شأن الوطن، يعلنون على الخمور فينادون أن شجعوا بضائع الوطن، يستجلبون أنواع الملاهي و المقاصف فيموهون أن ذلك لتمدين الوطن، ينظمون حفلات الرقص و الغناء فيختلط فيها الحابل بالنابل فيعلنون عنها بلا خجل أن ما يتجمع منها لفائدة المشروع الخيري الوطني ( وليتها لم تزن و لم تتصدق ).

كأنما الوطن فندق متداعي الجدران، و الوطنية، فؤوس و معاول، تقتنى لهدمه و اكتساحه، ليست هذه يا قوم من الوطنية في شيء، فإذا فتحنا لأنفسنا باب الدعاوى و لم نتقيد بعرف اللغة و حدود الشرع و آداب الاجتماع، ساغ لنا أن ندعي كل شيء و لا نقف عند حد، و إذا ذاك نعيش و نحن هائمون في أودية من الحيرة و الفوضى، لا ضابط و لا نظام و لا قانون.

ليست الوطنية الجهل بتاريخ البلاد، ومجد البلاد، و عظماء البلاد، ولسان البلاد، و دين البلاد، و آداب البلاد، ومشخصات البلاد.

ليست الوطنية التفاخر بتاريخ الغير و مجده، و عظمائه و لسانه، ودينه و آدابه، ليست الوطنية في تعديل القوام وتحسين الهندام و الجري وراء القصف و المجون، إنما الوطنية شرارة نارية يقذفها الله في النفس فيلتهب بها الدماغ و ترسل أشعة نورها إلى القلب فتحرك حرارتها الأعضاء، وتنير تلك الأشعة الساطعة أمامها سبيل العمل.

إنما الوطنية الحقة أن يسعى الإنسان قدر جهده لجلب الخير العميم لوطنه و دفع الضر عنه بمقتضى العقل و الحكمة و الشرع و القانون.

إن الوطنية الحقة أن تفنى في مصلحة العموم مصلحة الذات و يضحي هذه لأجل تلك.

إن الوطنية الحقة أن يشقى الإنسان ليسعد وطنه، ويذل ليعز، و يفقر ليستغنى، و يموت ليحيى، كما فعل مصطفى كامل، و فريد، و زغلول ، و الباروني، و الثعالبي، و شكيب و أضرابهم.

تلك هي الوطنية الحقة التي على أساسها تشيد دعائم العمران إذا نفخ روحها في الشعب و غذى  بها جسم الأمة و ما عداها فدعاوى فارغة، لاحظ لها من الوطنية إلا ما للزبد من المنفعة.

ليس الوطني الحقيقي من يظهر رأسه عند الرخاء، وإذا جد الجد اختفى و توارى عن الأعين فإن هذا النوع من الوطنية تشاركه حتى الأرانب، و لكن الوطني الحقيقي كالأخ الصديق إنما تظهر صداقته ومودته عند البلاء و المحن و المضائق هذا نحو أخيه العزيز وذلك نحو وطنه المحبوب.

لا يبالي إذا خدم وطنه إن أصيب في ماله أو نفسه أو عرضه لأجله، بل لا يزيده ذلك إلا تنشيطا و تشجيعا و إقداما و ثباتا و تجلدا لما يعلم من أنه ما أصيب بما أصيب به إلا لإصابته شاكلة الرأي وكبد الحقيقة، فما دام لم يمس بشيء لأجله فما زال لم يعترف بوجوده و لا بشيء من الأثر في عمله و أي شيء ألذ من نجاحه في عمله، هذه نفسية الوطني الحقيقي، و أنى لنا نحن من مثل هذا الصدق   و الوفاء !.

يبرز أحدنا في الميدان بداعي الوطنية فإذا مس بمساك[2] في نفسه أو عرضه أو ماله تخيل أن القيامة قد قامت، فتوارى عن الأعين و انزوى في كسر بيته كأنه يحسب الوطنية تمرا يأكله أو رغيفا يقتات به، و إذا برز إلى الميدان و لم يعتقد و أنه لا بد في مبارزته من مصائب ومحن فلماذا برز؟

و قد كان الأحرى به أن يقاسم أهله أشغال البيت من الكنس و الطبخ و تربية أولاده إلخ. وهذا أولى من أن يكون فارا من الميدان ذا وطنية فرارة فيفشل و يفشل به غيره فيكون السبب فيما يحل بالشعب من الفشل و الانهزام، إن لنا قرآنا و سنة و آثارا و تاريخا و عبرا ترينا كيف يجب الثبات و الصبر على المكاره و الذود عن الحوض و الحمى بكل صدق و إخلاص و بهذا نحرز على لقب الوطنية الحقة.


[1]  وادي ميزاب، ع : ( 07/10/1927 )

[2]  مساك = شوكة.

 

المسلسل

عنوان المقال

المسلسل

عنوان المقال

1   أيها الجزائري 26   رأينا في التجنيس
2   العلم و العمل 27   التمدن الممسوخ
3   الإصلاح 28   يتقمصون في تبشيرهم بوادي ميزاب
4   الإسلام يحتضر والمسلمون يهزلون 29   الإسلام بين شقي المقراض
5   الاعتماد على النفس 30   وصايا كذاب لابنه
6   الثبات على المبادئ 31   وباء الفجور (1)
7   الثقة بالنفس 32   وباء الفجور (2)
8   أين المفر؟ 33   وباء الفجور (3)
9   نحن و أنتم 34   وباء الفجور (4)
10   الحق و مذاهب الناس فيه 35   وباء الفجور (5)
11   آخر سهم في كنانة المعمرين نحو الإسلام 36   حادث تمزيق الجواز
12   يجب الاعتماد على المؤسسات لا على الأشخاص 37   الصراحة خير علاج للأمة
13   الغيرة 38   مقياس الأمة برجالها
14   شعور الأمة نائم فماذا  ينبهه؟ 39   الانتخابات الأهلية
15   مستقبل جزيرة العرب 40   الدين و الإلحاد
16   سياج جزيرة العرب 41   الأمية في الأمم شلل
17   علي أن أعمل وليس علي أن أنجح 42   النفوس الرخوة
18   الوطنية الحقة 43   الإنسانية بين غضب الله و غضب أوروبا
19   اللغة العربية غريبة في دارها 44   افتحوا عيونكم أيها الغافلون
20   أخلاق الدجاجلة 45   العدالة تحتضر (1)
21   الألم يحرك العزائم 46   العدالة تحتضر (2)
22   الإعجاب بالنفس 47   كيف يكون الإحسان ؟
23   ضعيف النفس 48   إنما المؤمنون إخوة
24   جمعية الشبان المسلمين بمصر 49   وظيفة العقل في الإنسان
25   ماذا يراد بسكة حديد الحجاز؟ 50   أمات الرجال أم رفع القرآن؟
       
 

 

الصفحة الرئيسية  | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان  | مؤلفات أبي اليقظان  ماكتب عن أبي اليقظان  |

  أصدقاء أبي اليقظانعائلة أبي اليقظان  | صور من بلادي  | مواقع تهمك  اتصل بنا|  

 
 

أعلى الصفحة