الصفحة الرئيسية  | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان  | مؤلفات أبي اليقظان  ماكتب عن أبي اليقظان  |

  أصدقاء أبي اليقظانعائلة أبي اليقظان  | صور من بلادي  | مواقع تهمك  اتصل بنا|  

 

 

 

الحق و مذاهب الناس فيه[1]

للحق صولة هائلة وقوة عتيدة يتدجج بها من استمسك به واعتز بعزته ولهذا نرى كثيرا من الناس يتجاذبون اسم الحق إلى أنفسهم ويلبسون أشياء باطلة فيظهرونها إلى الناس في مظهر الحق، ليخلبوا بها ـ وهي في صورة الحق ـ عقول البسطاء و الضعفاء، فمنهم من يلبسون به أهواءهم ويسمونها باسم الحق ويذهبون في ذلك إلى أن يجعلوا شعار الحق موافقته لأهوائهم، والباطل مخالفته لها، فيندفعون وراءها اندفاعهم وراء الحق، ويذودون عنها ذودهم عن الحق بكل ما كلفهم من الوسائل  و الغرض الحقيقي من ذلك كله هو شيء خلاف هذا، و هو اقتناصهم باسم الحق شيئا من متاع الدنيا عندما فاتهم نواله بغير تلك الوسيلة الفعالة.

و لكن الأهواء زيادة عن كونها متباينة متناقضة، فهي لم تكن مؤسسة على قاعدة قارة، ولا على رأي صحيح، و إنما هي كانت تبعا لعوامل الرغبة و دوافع الرهبة، و الحق مبني على الحكمة و مراعاة المصالح العامة و قواعد ونظامات ثابتة إلى أبعد مدى } و لو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات و الأرض و من فيهن{  المؤمنون /71

و منهم من يلبسون به الشخصيات البارزة و يقمصون بقميصه شيوخهم أو رؤساءهم فيظهرون ذواتهم، في مظهر الحق ويحمونها حمايتهم للحق بل يتخذونها شعارا له فيميلون مع ظلها حيث مال، ويطبعون كلماتهم و آراءهم ومبادءهم بطابع الحق لأنها صدرت من خصمه، على عكس القاعدة المأثورة يعرف الرجال بالحق لا الحق بالرجال فيضلون و يضلون شعوبا و أمما لأجل ماذا لنقطة واحدة إلا    و هي تنزيه فلان عن الغلط، و جعله كوحدة لوزن الحق من الباطل وهو كسائر البشر غير المعصومين.

و منهم من يعرف الحق و آثاره و الباطل و أضراره، و لكن يصبغ أحدهما بصبغة الآخر بأساليب خلابة من الفصاحة و البيان، تعمية و تضليلا للناس لحاجات في نفسه.

و منهم من يعرفهما و يصر على الباطل عمدا، لا لشيء إلا لأنه قال به و صعب عليه الرجوع فيه، وظهوره أمام الناس في مظهر المخطئ أو لأنه قال بالحق فلان، ويأبى هو إلا مخالفته مكابرة و عنادا.

ومنهم من يعرف الحق حقا و الباطل باطلا ولكن لضعف نفسه و قلة يقينه بربه واستقلال أصحاب الحق و استكثار أصحاب الباطل تراه يهرول وراء الآخرين جريا مع السواد الأعظم فيخالف ضميره، و يعق وجدانه، طمعا في معيشة أو منزلة و اعتزازا بعزته و استيناسا بجموعه، و هروبا من ذلة الأقلية واستيحاشا بقلتهم.

و قد يظن هؤلاء أن انتصار الجانب الأول وانخذال الجانب الثاني إنما هو لوجود وسائل الغلب و النصر في الأول لكون أبوابها فيه مفتوحة، ولفقدانها في الثاني لكون أبوابها فيه مغلقة، وفات هؤلاء أن سلاح الباطل وإن تعددت أنواعه فهو مفلول، فسرعان ما يخذل صاحبه عندما يحمي الوطيس في معارك الكفاح ويجول الحق فيها جولته فإنه لا قائمة للباطل إلا عند نومة الحق ولئن كانت للباطل صولة فإنها لا تدوم.

إن الذئب في انخذال الحق أمام الباطل لا يرجع إلى الحق نفسه فهو لا يخذل أنصاره طبعا وإنما يرجع إلى جهل الناس بحقيقته وحملهم له على غير محمله و عدم وثوقهم بقوته وخيانته لأمانته فلو أنهم علموا حقيقته حقا وحملوه على محمله ووثقوا بقوته و أدوا أمانته فهل ينخذل بهم أمام الباطل؟ كلا !  

و هنالك قسم كبير من الناس يستصغرون صولة الحق، ويستضعفون سطوته، فيلبسونه لباس القوة المادية ويجعلون شعاره تلك القوة وشعار الباطل التجرد منها، ويرون أن كل ما يفعله القوي هو الحق وما يدعه هو الباطل، فيجرون وراءه ويتقصون آثاره شبرا بشبر وذراعا بذراع، ويدخلون مداخله غارا بغار وجحرا بجحر، يلحد فيلحدون، يستهتر فيستهترون، يستحسن فيستحسنون، يستقبح فيستقبحون، يقبل فيقبلون، يدبر فيدبرون، وهكذا يقلدونه في جميع أحواله و مظاهره، كما تقلد القردة سيدها في سائر ألعابه، يذهبون في سائر مذاهبه و يجارونه في جميع مجاريه فاقدي الإحساس مملوكي المشاعر، لا يشعرون بفقدان كيان، ولا بضياع مجد، ولا بتلاش قومية، و لا بتضعضع دين، إنما يرون كيان القوى كيانهم و مجده مجدهم و قوميته قوميتهم و دينه دينهم فيتكلمون بلسانه ويفكرون بدماغه و يعملون بيده و يحسون بإحساسه، لماذا هذا كله لأنه قوي و القوي هو صاحب الحق.

و قد خفى عليهم الفرق بين الصولتين صولة القوة المادية الباقية ببقائها و الفانية بفنائها، و صولة الحق الدائمة بدوامها إلى الأبد، فألبسوا الأولى لباس الثانية و ساقوها مساقها فضلوا وأضلوا، ولو أنهم علموا أن صولة القوة وإن ظهرت في رأي العين عتيدة فإنها لا تلبث أن تزول و تذوب، و أن قوة الحق و إن ظهرت في حد ذاتها ضئيلة فإنها لا تزال حية باقية تعمل عملها حتى تصرع الأولى فتتغلب عليها.

إن الحق يا هؤلاء ما عليه الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه  و لا من خلفه، وما عليه سنة ذلك الرسول الكريم الذي لا ينطق عن الهوى، وما عليه إجماع المسلمين الذين لا يجتمعون على ضلالة، وما عليه سنة الله في كونه ولن تجد لسنة الله تحويلا ولا تبديلا، وما عدا هذا فهباء في هباء وعناء ليس يشبهه عناء.

ذلك هو الحق الذي عليه مدار السعادتين سعادة الدنيا و سعادة الآخرة، ذلك هو الحق الذي يقذف الله به على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق، ذلك هو الحق الذي لا يكشف من استتر به ولا يذل من اعتز به، ذلك هو الحق الذي ما أسست عليه قواعد العروش إلا ضخمت و تعاظمت، وما شيدت عليه الممالك إلا شمخت و تطاولت، وما وضعت عليه دساتير الأمم إلا سادت و خفقت راية العدالة على ربوعها، وما أنشئت المشاريع عل مقتضاه إلا سارت مسارها ونجحت في مسعاها.

و ما ثلت العروش، وتضعضع بناء الممالك، ونكست راية العدالة، وتدهورت المشاريع، إلا بترك ذلك العنصر الفعال ونبذه ظاهريا، فمن يريد العزة و المجد و السعادة حقا فليطلبها بين مطاوى ذلك الحق الصراح، فهل يعدمون حلالها بما فيه سعادة البشرية ورفاه الإنسانية؟ كلا وربك فإنهم والذي خلق الخلق ليتوصلون به إلى ما فيه عزهم و سعادتهم جميعا في الدنيا و الآخرة

مالي أذهب بعيدا إلى هذا المدى و أهيم بالقارئ في هذا الفضاء، فارجع معي أيها الأخ إلى المسلمين خاصة متسائلا لو أنهم حكموا ذلك الحق في مشاكلهم ومنازعهم وعالجوا به أمراضهم و آلامهم، فهل هم يعدمون منه مادة لذلك؟ كلا والله ! و لكن هي الأغراض و المنازع و الشهوات تضرب على البصائر غشاوة كثيفة فتترك أصحابها يتخبطون في الظلام يدورون حول أنفسهم ملتمسين أبواب العز و السعادة، ويضحون عليها ضحايا غالية، و يخسرون عليها النفس و النفيس أجيالا و عصورا، وهي ألصق بهم من خياشيمهم، و أقرب إليهم من حبل الوريد.

كأن قائلا يقول إنك ترسل كلامك في الفضاء، فها نحن أولاء معاشر المسلمين كما ترى فقرا و جهلا و ذلا و مسكنة وتخاذلا و سقوطا وانحطاطا في كل مكان فما هو الدواء وما هو العلاج؟ وقد هجم علينا الغرب بخيله و رجله و قبض على الشرق بيد من حديد وسلك به مسلك التطواق و الإحداق فكيف العمل و كيف النجاة؟

الجواب على هذا بسيط جداً و هو أننا لا نقل فقرا و جهلا وانحطاطا مما كان عليه العرب في الجزيرة قبل بزوغ شمس الإسلام على العالم، و الدواء الوحيد الذي داوى به رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه هو موجود بين أيدينا و محفوظ في صدورنا، ولا ينقصنا إلا أن نستعمله فحسب، فهل من رؤوس كبيرة؟ وهل من عقول راجحة؟ وهل من قلوب صافية؟ وهل من نفوس زكية طاهرة لاستعمال ذلك الدواء النافع وعلاج جراحات البشرية به؟؟؟؟.....

هيا بنا نعالج به أمراضنا، نعالج أمراض الزندقة والإلحاد ببث روح الإيمان الصحيح في قلوب الناشئة و تخليص العقيدة الصحيحة من الزيغ و الضلال،

نعالج الثورات الفائرة على الدين ببث حكمة تشريعه وإقناع الأمة بوجوب امتثال أوامره واجتناب نواهيه،  نعالج الجهل و الأخلاق الفاسدة ببث التعليم الصحيح و التربية الصحيحة بأساليب صحيحة،

نعالج أمراض التخاذل و التنابذ ببث الأخوة الإسلامية الصافية بين المسلمين و جمعهم تحت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، وعلى قاعدة الاحترام المتبادل و عدم قطع العذر ما لم يكن هنالك خرق لتلك الراية العامة.

نعالج الدعارة و الفجور و الإباحة بتسهيل أسباب الزواج ووضع حد للبدع  و الإسراف وإلزام المرأة ببيتها وحجابها.

نعالج سائر الفواحش و الخمور و القمار بتنفيذ الحدود التي رسمت لها ونستعين على ذلك بالصبر والصلاة.

نعالج البؤس و الفقر و الشقاء بالجد و الكد و النشاط و الاعتماد على النفس ونبذ الفشل و الكسل والتواكل و بناء معاملتنا على القواعد الشرعية، و النظامات الحديثة التي لا تخرج عن حدودها.

نعالج مشكلة البلشفية و الرأسمالية بأداء واجبات الزكاة و الحقوق اللازمة لتعديل الأجور بما يلائم العمل و البيئة و الزمان.

نعالج مضار الربا بتأسيس مصارف على القواعد الإسلامية المقررة.

هذه هي الأدوية الناجعة فيما نرى لحالة المسلمين البائسة، وهل يعسر على مفكري الإسلام و زعمائه أن يعالجوها بها إذا أرادوا وتوكلوا على الله، وإذا ما فعلوا فهل يعدمون العدة اللازمة لمواجهة سائر الطوارئ؟ وإذا ما حصلوا عليها فهل يجد الطامع فيهم ـ بعد ذلك كله ـ منفذا إلى حصنهم الحصين؟ ولئن بدت للناظر في ذلك صعوبة فالإرادة تذللها و العزيمة الصادقة تسهلها، والإخلاص الناصع يستحضرها.

فإلى الأمام أيها العاملون المخلصون فلا إياس حيث الرجاء، ولا قنوط حيث الأمل، فارجعوا إلى حضيرة الحق و الرجوع إلى الحق فريضة.


[1]  وادي ميزاب، ع : 27 (15/4/1927)

 
المسلسل

عنوان المقال

المسلسل

عنوان المقال

1   أيها الجزائري 26   رأينا في التجنيس
2   العلم و العمل 27   التمدن الممسوخ
3   الإصلاح 28   يتقمصون في تبشيرهم بوادي ميزاب
4   الإسلام يحتضر والمسلمون يهزلون 29   الإسلام بين شقي المقراض
5   الاعتماد على النفس 30   وصايا كذاب لابنه
6   الثبات على المبادئ 31   وباء الفجور (1)
7   الثقة بالنفس 32   وباء الفجور (2)
8   أين المفر؟ 33   وباء الفجور (3)
9   نحن و أنتم 34   وباء الفجور (4)
10   الحق و مذاهب الناس فيه 35   وباء الفجور (5)
11   آخر سهم في كنانة المعمرين نحو الإسلام 36   حادث تمزيق الجواز
12   يجب الاعتماد على المؤسسات لا على الأشخاص 37   الصراحة خير علاج للأمة
13   الغيرة 38   مقياس الأمة برجالها
14   شعور الأمة نائم فماذا  ينبهه؟ 39   الانتخابات الأهلية
15   مستقبل جزيرة العرب 40   الدين و الإلحاد
16   سياج جزيرة العرب 41   الأمية في الأمم شلل
17   علي أن أعمل وليس علي أن أنجح 42   النفوس الرخوة
18   الوطنية الحقة 43   الإنسانية بين غضب الله و غضب أوروبا
19   اللغة العربية غريبة في دارها 44   افتحوا عيونكم أيها الغافلون
20   أخلاق الدجاجلة 45   العدالة تحتضر (1)
21   الألم يحرك العزائم 46   العدالة تحتضر (2)
22   الإعجاب بالنفس 47   كيف يكون الإحسان ؟
23   ضعيف النفس 48   إنما المؤمنون إخوة
24   جمعية الشبان المسلمين بمصر 49   وظيفة العقل في الإنسان
25   ماذا يراد بسكة حديد الحجاز؟ 50   أمات الرجال أم رفع القرآن؟
       
 

 

الصفحة الرئيسية  | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان  | مؤلفات أبي اليقظان  ماكتب عن أبي اليقظان  |

  أصدقاء أبي اليقظانعائلة أبي اليقظان  | صور من بلادي  | مواقع تهمك  اتصل بنا|  

 
 

أعلى الصفحة