الصفحة الرئيسية  | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان  | مؤلفات أبي اليقظان  ماكتب عن أبي اليقظان  |

  أصدقاء أبي اليقظانعائلة أبي اليقظان  | صور من بلادي  | مواقع تهمك  اتصل بنا|  

 

 

 

الإنسانية بين غضب الله و غضب أوروبا[1]

شرع الله سبحانه و تعالى الإسلام، و شرع منه التوحيد و الصلاة و الزكاة و الصوم  و الحج، و العمرة و الجهاد، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و أوجب الحقوق للوالدين و الأولاد و الأزواج و ذوي القرابة و الجيران و الأصحاب و أولي الأمر من  المسلمين،... الخ.

و نهى عن الشرك و قتل النفس و الزنا و الربا و الخمر و الميسر و الظلم بأنواعه و عقوق الوالدين و ترك الواجبات. و توعد بالغضب و سوء العذاب في الدنيا و الآخرة كل من يهتك حرماته بالتهاون بأوامره أو الانتهاك لنواهيه.

و شرعت أوروبا الكفر و الإلحاد و الفجور و الخمور و الميسر و الربا   و الظلم و الاستعباد و التهاون بأوامر الله من صلاة و زكاة وصيام و حج الخ. و فتحت أبواب الحرية الخليعة للمرأة و الأولاد و الأبناء و الأسافل، و استباحت كثيرا من حرم الله، و كسرت كثيرا من حدوده و معالمه، و توعدت من يخالف شرعتها و لم يومن بها بالغضب و السخط و صارم العقاب من سلب البلاد و تسخير  العباد و الحرمان من الحقوق و مضايقة الأنفاس، و إغلاق منافذ الحياة. و وعدت من يخلص لها و يؤمن بشريعتها بحسن رضائها، ووافر جزائها من الوظائف العالية و الألقاب الضخمة و المرتبات الوافرة و النياشين الفاخرة، الخ..

فالإنسان الآن بين أحد أمرين لا ثالث لهما، إما غضب الله و رضاء أوروبا، و إما غضب أوروبا و رضاء الله.

لأنه إما أن يسلك المسلك الأول، فيرضي الله و رسوله و يغضب أوروبا، و إما أن يسلك المسلك الثاني فيرضي أوروبا و يغضب الله و رسوله، و لن يمكن لإنسان أن يرضي الله و أوروبا معا،و لا أن يغضبهما معا، من هذه الناحية ضرورة أن في رضاء الله غضب أوروبا، و في رضاء أوروبا غضب الله     } و لن ترضى عنك اليهود و لا النصارى حتى تتبع ملتهم، قل إن هدى الله هو الهدى و لئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي و لا نصير{

إذا دار الأمر بين أحد أمرين إما غضب الله، و إما غضب أوروبا فأيهما يحذر الإنسان و يخاف، أغضب الله أم غضب أوروبا؟

إن غضب أوروبا مهما اشتد و بلغ في الغليان، فإنه لا يتجاوز هذه الحياة الفانية إلى الحياة الباقية، و ليس هو في هذه الحياة  الدنيا إلا شرارة ضئيلة بالنسبة لغضب الله، و هذه الشرارة لا يعود لها أثر متى أرسل الله شعاعا من رضائه على عبده، فشعاع واحد من رضائه تعالى على عبده يطفئ كامل حريق غضب أوروبا، و كل رضاء أوروبا لا يطفئ شرارة واحدة من غضب الله.

أما غضب الله و العياذ بالله- فإنه كما ينصب على العاصي في الدنيا بالخزي و الذل و العذاب، ينصب عليه في الآخرة أضعافا مضاعفة بالويل  و العذاب الأليم المخلد في النار، و ليس للمرء منه من شفيع و لا نصير كما أومأت إليه الآية الكريمة المتقدمة، و لو يكون البشر كلهم من أولهم  إلى آخرهم على قدرة أوروبا عدة و عتادا ولو اجتمعوا كلهم في صعيد واحد و حاولوا إنقاذ فرد واحد منهم قدره الله عليه من لون واحد من ألوان العذاب لما قدروا على إزاحته عنه بغير إذنه تعالى: } إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا و مثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم و لهم عذاب أليم { المائدة/36 و اعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، و إن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام و جفت الصحف.

فإذا كان الأمر كذلك فلماذا لا يحسب الإنسان حسابه لغضب الله تعالى  و سخطه و شدة بطشه و انتقامه. يتهاون بأوامره و يهتك سائر حرمه و لا يشعر في نفسه بأقل لذعة من توبيخ الضمير أو أخف همسة من صوت الوجدان؟

و هو بالعكس من ذلك إزاء غضب أوروبا، فإنه يرتعد فرقا، ويذوب خوفا من غضبها و سخطها إذا هو ارتكب أقل شيء مما يثير غضبها و سخطها، ثم هو يجتهد في كل ما بجلب رضاءها عنه و يدقق في ذلك و يقيم الدلائل و الشواهد عليه حتى لا تبخسه حقه من الجزاء، مع أن أوروبا من قدرة الله لا توازي جناح بعوضة، فما هذه النفسية المقلوبة؟ و ما هذه العقلية المثقوبة؟

يخاف المرء من حبس يوم واحد ممن لا يملك لنفسه ضرا و لا نفعا، و لا يخاف من حبسه مدة العمر ممن الأرض و السماوات في قبضته، و هذا نهاية في قصور النظر و سوء التفكير.

إن السبب الوحيد الذي جعل الإنسان يذوب فرقا من حبسه يوما واحدا من ذلك، و يخاف من لذع شرارة واحدة لظاهر جلده، ولا يحسب لحبسه مدة حياته من الله أو حرق جسمه جميعا و تصييره رمادا لا قيمة له و لا شأنا السبب في ذلك أنه يؤمن من وقوع ذلك الحبس المؤقت و لذع تلك الشرارة الخفيفة من العاجز بما لا يؤمن بذلك الحبس المؤبد و الحريق المهول من القادر، و يوقن بذلك بما لا يوقن بهذا، و لو أنه كان يؤمن بهذا إيمانه بذلك لما اكترث بذلك المؤقت الخفيف و لا شعر به إزاء ذلك المؤبد العظيم المهول.

فالفرق بين الحالين من الإنسان ناشئ من قوة إيمانه بالشاهد المحسوس و ضعف إيمانه بالغالب المعنوي و لا يدرك هذا و يوقن به إلا العقلاء و الموفقون، و هؤلاء قليل ما هم، و من المحال أن يؤمن الإنسان إيمانا صادقا بعظمة الله تعالى و قدرته و هول غضبه و سخطه و شدة بطشه و انتقامه و ضارم عقابه و أليم عذابه، و يؤمن بعجز الإنسان و ضعفه و افتقاره إلى الله  في كل شيء،  ثم يعد كل هذا يسخر من غضب الله تعالى و سخطه، و يهلع من غضب الإنسان و يرتجف من سخطه، كلا و حاشا فإن الإيمان بالشيء يستلزم طبعا العمل بمقتضاه، و السخرية منه تستلزم تكذيبه و الكفر به،  و أن يجتمع في قلب واحد شيئان متناقضان في آن واحد، الإيمان بالشيء و الكفر به، تصديقه و تكذيبه، تعظيمه و تحقيره، فإما إيمان و تصديق و تعظيم، و إما كفر و تكذيب و تحقير.

و على هذا القياس تكون حال الناس اليوم، فالذين يسخرون من الله تعالى و مما شرعه للبشر، و مما أعده الله للطائعين من النعيم المقيم، و مما أعده للعاصين من العذاب الأليم و يفرقون و يرتجفون من القوة الفانية الزائلة،  و يهرولون وراءها، و يتسابقون إليها، و يتباهون بها، و يتفاخرون بالحصول  على مركز لديها إنما هم صبيان و مجانين لا عقول لهم و لا تمييز إلا ما للصبيان و المجانين من العقل و التمييز. و يجب على هؤلاء قبل أن يتولوا قيادة الأمم و زعامتها و قبل أن يجلسوا على عروشها، أن يدرسوا سفر الكون بإمعان، و يتبسطوا في شرائع الله و نظمه و سننه لكي يعلموا علم اليقين لمن له الملك و القدرة و القوة و الجبروت، و من هو أحق بالخوف من غضبه  و سخطه و شديد عذابه، و من هو الجدير بالسخرية من غضبه و عدم الاكتراث من سخطه.

هنالك يدركون أن القوة لله جميعا و أن الله شديد العذاب، و أن كل ما عداه لا قيمة و لا شأن له إذ هو الخيال و السراب الزائل، هنالك يعرفون كيف يقودون الأمم، و كيف يسوسون العقول، هنالك يسيرون بالشعوب على نظم الله و شريعته، على مبادئ أنبيائه و تعاليم رسله، هنالك العز و السعادة، هنالك المجد و السيادة.

إن الأعمال ثمرة، و الإيمان بذرة شجرتها، فعلى ما تكون البذرة تكون الشجرة، و على ما تكون الشجرة تكون الثمرة، إن خيرا فخير، و إن شرا فشر. و السعادة كل السعادة في الإيمان  الصحيح و الشقاوة كل الشقاوة في الإيمان الزائف. فمن أراد  السعادة لنفسه و الخير لأمته و بلاده فليطهر قبل كل شيء إيمانه من الأوساخ و الأدران، و يصفه من أوضار الشكوك و الخزعبلات.

أما من يشتغل بفرع من فروع الإصلاح و إيمانه ملوث بأدران الشكوك و الإلحاد و خرافات الدجاجلة و المشعوذين، فهو كمن يطلب سكرا من بزر الحنظل أو وردا من زرع الثوم، و لئن نجح بعض النجاح فإنه لا تكون له ثمرته المرجوة، و لئن كانت فإنها لا تدوم.

و مما يقضي بالدهشة و الاستغراب أن كثيرا ممن يسمونهم عظماء من المخترعين و المكتشفين يبلغون بعقولهم و مداركهم أمدا بعيدا، يحلقون بها في أجواء عالية من الأبحاث و الدقائق، و يغوصون بها إلى أعماق منها بعيدة الأغوار، فيستخلصون للبشرية من ثمرات أبحاثهم ما يطوون به المسافات برا  و يقطعون به مراحل جوا و يجوبون به أميالا بحرا و غير ذلك مما تحير به العقول و تكل دونه صوارم العزائم، ثم بعد كل هذا لم يقدروا على اكتشاف شيء واحد لهم ألا و هو وجوب توحيد الله تعالى، و الإيمان به إيمانا صحيحا يبعث على العمل بشريعته، فكانوا بهذا فتنة لقصار النظر و ضعفاء العقول، و لكن العقول شيء و هداية الله و توفيقه شيء آخر. فالعقول وحدها مهما بلغت من الرجحان إذا لم يقدر الله لها سببا من الهداية و شعاعا من التوفيق، فهي عاطلة قصيرة لا تدرك سعادتها الحقيقية، و لا تفهم معنى شقاوتها الأصلية، فالقول في الإنسان كمصباح في المشكاة و لكن بدون وقيدة من نور الله تشعل به، و لا منفعة للمصباح و لو كان مجهزا تجهيزا تاما إذا عدم وقيدة تشعله. و من هنا يتبين لنا أن الإنسان مهما بلغ من كمال العقل و سمو المدارك فهو فقير إلى الله، فقير إلى ما يفضيه عليه من نور التوفيق و الهداية، فقير إلى ما يبينه له من  النظم و الشرائع على سنة رسوله، و لن يبلغ الإنسان بعقله ما يوصله إلى السعادة الحقيقية } و لو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات و الأرض و من فيهن{ المؤمنون/71 ، }و ما كنا معذبين حتى نبعث رسولا{ الإسراء/15

و الويل كل الويل لمن قطع الله عنه سلك التوفيق و أطفأ عليه شعاع الهداية، و تركه و شأنه، فهو بمثابة من } خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق { الحج/31

فمن تركه الله و شأنه فإلى أين يذهب؟ أيخرج من فوق أرضه و من تحت سمائه } من كان يظن أن لن ينصره الله  في الدنيا و الآخرة فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ { الحج/15

فمن أراد الخير الحقيقي لنفسه و لبني الإنسان فلينزع من نفسه روح التمرد و العصيان لله و لدينه، و ليبدل خوف العبد العاجز و المركون إليه بخوف الله وإجلاله..


[1] وادي ميزاب، ع:109 (22/11/1928م)

المسلسل

عنوان المقال

المسلسل

عنوان المقال

1   أيها الجزائري 26   رأينا في التجنيس
2   العلم و العمل 27   التمدن الممسوخ
3   الإصلاح 28   يتقمصون في تبشيرهم بوادي ميزاب
4   الإسلام يحتضر والمسلمون يهزلون 29   الإسلام بين شقي المقراض
5   الاعتماد على النفس 30   وصايا كذاب لابنه
6   الثبات على المبادئ 31   وباء الفجور (1)
7   الثقة بالنفس 32   وباء الفجور (2)
8   أين المفر؟ 33   وباء الفجور (3)
9   نحن و أنتم 34   وباء الفجور (4)
10   الحق و مذاهب الناس فيه 35   وباء الفجور (5)
11   آخر سهم في كنانة المعمرين نحو الإسلام 36   حادث تمزيق الجواز
12   يجب الاعتماد على المؤسسات لا على الأشخاص 37   الصراحة خير علاج للأمة
13   الغيرة 38   مقياس الأمة برجالها
14   شعور الأمة نائم فماذا  ينبهه؟ 39   الانتخابات الأهلية
15   مستقبل جزيرة العرب 40   الدين و الإلحاد
16   سياج جزيرة العرب 41   الأمية في الأمم شلل
17   علي أن أعمل وليس علي أن أنجح 42   النفوس الرخوة
18   الوطنية الحقة 43   الإنسانية بين غضب الله و غضب أوروبا
19   اللغة العربية غريبة في دارها 44   افتحوا عيونكم أيها الغافلون
20   أخلاق الدجاجلة 45   العدالة تحتضر (1)
21   الألم يحرك العزائم 46   العدالة تحتضر (2)
22   الإعجاب بالنفس 47   كيف يكون الإحسان ؟
23   ضعيف النفس 48   إنما المؤمنون إخوة
24   جمعية الشبان المسلمين بمصر 49   وظيفة العقل في الإنسان
25   ماذا يراد بسكة حديد الحجاز؟ 50   أمات الرجال أم رفع القرآن؟
       
 

 

الصفحة الرئيسية  | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان  | مؤلفات أبي اليقظان  ماكتب عن أبي اليقظان  |

  أصدقاء أبي اليقظانعائلة أبي اليقظان  | صور من بلادي  | مواقع تهمك  اتصل بنا|  

 
 

أعلى الصفحة