الصفحة الرئيسية  | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان  | مؤلفات أبي اليقظان  ماكتب عن أبي اليقظان  |

  أصدقاء أبي اليقظانعائلة أبي اليقظان  | صور من بلادي  | مواقع تهمك  اتصل بنا|  

 

 

 

الانتخابات الأهلية[1]

من الحقوق التي منحتها فرنسا الأمة الجزائرية بعد الحرب الكبرى حق الانتخاب للمجلسين المالي والعمومي، وهو جزء يسير مما يستحقه الجزائريون على فرنسا من الحقوق من حرية التعليم الصحيح وإحياء اللغة العربية التي كادت تنقرض من البلاد، وحرية النشر وحرية الاجتماع ورفع القوانين الاستثنائية عليهم ومساواتهم في سائر الحقوق.

وكـأن من موجبات الكريم في منحته أن لا يرجع عنها ولا ينغص نعمتها عن الذي منحه إياها وخصوصا إذا كانت حقا واجبا عليه، بل بتركه وإياها يتمتع بها ويتصرف فيها كما شاء وشاء له استعداده بدون أن يتدخل مانحه في ذلك على شرط أن يستعملها ويستثمرها فيما يعود عليه بالخير والنفع العميم ويتحمل هو مسؤولية ماذا خرج بها عن خطة الاعتدال. وكذلك شأن الانتخابات وغيرها من الحقوق الممنوحة  لأربابها يجب أن تخلى بين الأمة وشأنها، وتعطى لها الحرية التامة في اختيار من تشاء من أبنائها الأكفاء ورفض من لا نفع فيه أو ضرره أكبر من نفعه، وإلا كان منحه إياها بمثابة ما يمنح الصبي تسكيتا لبكائه وتسكينا لنفسه، وإذا ما سكت وسكن استغفل وأخذ باليسار ما أعطي له باليمين.

و إذا تقررت هذه القاعدة فلنتساءل عن شأن الانتخابات الأهلية في القطر الجزائري؟ وما موقف أعوان الحـكومة إزاءها؟ وما هو مقياس الأكفاء في نظر الأمة؟ وما هي جهودها في ترشيـح المقتدرين منهم؟

إن لسان حال الانتخابات الماضية هو الذي يجيبنا عن هـذه الأسئلة وفي نتائجها التي بين أيدينا الأجوبة الكافية عن ذلك، فهل تستمر تلك الحال في الانتخابات المقبلة أم تتخذ من الأولى دروسا للأخرى ؟ ذلك ما يرشدنا إليه سير القطر الجزائري إلى الأمام أو تقهقره إلى الوراء.

إن للانتخابات  واجبين، واجب الحكومة و واجب الأمة،  أما واجب الحكومة فالحياد التام وإمساك أيدي الأعوان عن تشويش حركة الانتخاب وعن تحويل مجراها الأصلي على عكس إرادة الأمة، ووقوفهم إزاءها موقف النزاهة التامة فإن تضليلهم فيها ونسج الشباك لاقتناص العقول و ابتياع الضمائر واستخدام  السلطة   و استعمال القوة لترشيح الأميين وإبعاد الأكفاء وإقصاء الخبراء عن كراسي النيابة، كل ذلك لا يدل على الحنكة والسياسة الرشيدة ولا على حسن النية وشرف النفس، بل على عكس ذلك مما يجب أن تترفع عنه كرامة فرنسا ولاسيما في وقت تنشد فيه عطف الأهالي وثقتهم وصداقتهم، فإن هذه الثمار الشهية لا تجنى بمثل تلك الطرق المومأ إليها  في الانتخاب. وأصعب شيء على الإنسان تنغيصه في حقه المشروع أو سلبه إياه  بعد إعطائه له، هذا فضلا عن ضياع المصلحة المشتركة الكبرى بإقصاء الأكفاء عن معالجتها وأي فائدة تجنى من إسنادها إلى الجهلة والأميين غير نصبهم  كالهياكل على الكراسي لتحريك الرؤوس.

و أما واجب الأمة فالتحري التام في اختيار الأكفاء القادرين على حمل أمانة النيابة الممثلين الممتلئين علما ودراية، المتشبعين بروح التربية الصحيحة والأخلاق الفاضلة بصرف النظر عن قوة المال والجاه والشرف العائلي، فإن هذه لا دخل لها في النيابة إذا كان الرأس فارغا والنفس خاوية والذمة خربة.

و هذا إنما يكون بتحكيم العقل والروية في شخصية النائب المرشح، و استعراض ماضيه و اتخاذه مرآة لمستقبله بدون تأثر بعاطفة  زيد أو خاطر بكر، فإن المسألة مسألة مصلحة كبرى لا مسألة عواطف وشخصيات.

أما تحكيم العاطفة والهوى، أما تحكيم الأغراض والشخصيات، أما خدمة العواطف والخواطر فهو تسليم في البضاعة ومساومة في الحقوق وبيع لمصلحة الأمة والوطن لا يقدر عليه إلا أحد ثلاثة: إما جاهل أبله، و إما خائن لأمته ووطنه، و إما دخيل حياته من أكفان الموتى.

إن الأقوال الخلابة والكلمات المعسولة لا تصلح مقياسا للرجال القادرين فقد أرتنا التجارب أن الأقوال كالزبد سرعان ما يذهب جفاء لا يزيل ظمأ و لا يغنى من جوع وإنما المقياس الحقيقي  للرجال هو الأعمال الجليلة و الآثار الخالدة التي تبقى كالذهب على ممر الأيام والسنين  فحذار من الانخداع بالأقوال وبريق البرامج التي يقدمها المرشحون في حال ترشيحهم للنيابة، فقد أرتنا الاختبارات أن تلك البرامج  ما هي إلا حبر على ورق وضعت لاقتناص الأصوات وتكميل الأرقام المطلوبة  فهي في واد وسيرة النائب بعدها في واد.

إذا كان الإنسان حريصا في تحري أمهر المحامين وأحذق الوكلاء لإنابته عنه في نازلة شخصية له فلأن يكون أحرص في تحري النائب عن مصلحة الأمة أولى وأحرى، لما في هذه من المصالح الشخصية العديدة ولما في ضياع مصلحة الأمة العمومية من مصالح  خصوصية عديدة.

وزيادة على ذلك فإن ما في مصلحة الأمة من التعقد والتشعب و الاشتباك وخصوصا إزاء المهرة والحذاق والشطار ما يستدعي عقولا كبيرة وأدمغة  ضخمة وصدورا رحبة وأخلاقا واسعة الأكناف أضعاف ما تستدعيه مصلحة الفرد.

ومن الخور تجاه هذه الحال أن ندقق النظر في اختيار نائب الفرد في نازلة فردية ونتساهل في اختيار نائب الأمة في مصلحة عمومية وأي مصلحة فردية تبقى إذا أضعنا جانب المصلحة العمومية ؟ وهل تبقى الحديقة سالمة من الطوارق  إذا أهملناها وأغفلنا  تسويرها وتحصينها.

إن مقياس عقلية الأمة ونفسيتها هو فيما تقدمه عنها وتنيبه عن نفسها باختيارها ضرورة أنه يمثلها ويتكلم عن لسانها فهو هي، إلا أنه في صورة مصغرة، ومن العار أن ترضى بتقديم حثالتها لتمثيلها وأن تعطى للعالم من صورها صورة لا تزيدها هيبة وجلالا ولا تكسبها شرفا و احتراما، وإنما تزيدها صغارا و احتقارا و استخفافا و ازدراء.

و ليس من تشريف العظيم أن تقدم إليه الأمة وفدا من رعاع الناس وجهلتهم ولكن من دواعي التكريم والتعظيم أن تدقق النظر في اختيار خيارها بقدر ما له في نظرها من الإجلال و الاعتبار فتوفدهم إليه يحملون مظاهر تجلتها و احترامها له. هذا إذا كنا ننشد حقيقة ثمرة العزة، ونخوة السيادة أما إذا كـان القصد الرئاسات الجوفاء والألقاب الضخمة والكراسي الوثيرة ، فلذلك أساليب وطرق شتى يستوي فيها الوضيع والرفيع والحقير والجليل لا شائبة فيها للعزة، والكرامة وإنما هي تراكض وتسابق وجلبة وضوضاء ونزاع وشقاق وشتم وسبـاب وفوضى لا حد ولانهاية لها.

هذه كلمتنا أبديناها إجمالا لإنارة السبيل أمام الأمة والحكومة في الانتخابات المقبلة خدمة للمصلحة العامة لا خدمة حزب من الأحزاب وشخص ضد آخر  ضرورة أننا في حياد تام إزاء معركة الانتخابات لا نتمنى في أثنائه إلا الفوز والنجاح لكل عامل مخلص على نفع العباد وإحياء البلاد.


[1]  وادي ميزاب، ع : 103 (5/10/1928).

المسلسل

عنوان المقال

المسلسل

عنوان المقال

1   أيها الجزائري 26   رأينا في التجنيس
2   العلم و العمل 27   التمدن الممسوخ
3   الإصلاح 28   يتقمصون في تبشيرهم بوادي ميزاب
4   الإسلام يحتضر والمسلمون يهزلون 29   الإسلام بين شقي المقراض
5   الاعتماد على النفس 30   وصايا كذاب لابنه
6   الثبات على المبادئ 31   وباء الفجور (1)
7   الثقة بالنفس 32   وباء الفجور (2)
8   أين المفر؟ 33   وباء الفجور (3)
9   نحن و أنتم 34   وباء الفجور (4)
10   الحق و مذاهب الناس فيه 35   وباء الفجور (5)
11   آخر سهم في كنانة المعمرين نحو الإسلام 36   حادث تمزيق الجواز
12   يجب الاعتماد على المؤسسات لا على الأشخاص 37   الصراحة خير علاج للأمة
13   الغيرة 38   مقياس الأمة برجالها
14   شعور الأمة نائم فماذا  ينبهه؟ 39   الانتخابات الأهلية
15   مستقبل جزيرة العرب 40   الدين و الإلحاد
16   سياج جزيرة العرب 41   الأمية في الأمم شلل
17   علي أن أعمل وليس علي أن أنجح 42   النفوس الرخوة
18   الوطنية الحقة 43   الإنسانية بين غضب الله و غضب أوروبا
19   اللغة العربية غريبة في دارها 44   افتحوا عيونكم أيها الغافلون
20   أخلاق الدجاجلة 45   العدالة تحتضر (1)
21   الألم يحرك العزائم 46   العدالة تحتضر (2)
22   الإعجاب بالنفس 47   كيف يكون الإحسان ؟
23   ضعيف النفس 48   إنما المؤمنون إخوة
24   جمعية الشبان المسلمين بمصر 49   وظيفة العقل في الإنسان
25   ماذا يراد بسكة حديد الحجاز؟ 50   أمات الرجال أم رفع القرآن؟
       
 

 

الصفحة الرئيسية  | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان  | مؤلفات أبي اليقظان  ماكتب عن أبي اليقظان  |

  أصدقاء أبي اليقظانعائلة أبي اليقظان  | صور من بلادي  | مواقع تهمك  اتصل بنا|  

 
 

أعلى الصفحة