الصفحة الرئيسية  | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان  | مؤلفات أبي اليقظان  ماكتب عن أبي اليقظان  |

  أصدقاء أبي اليقظانعائلة أبي اليقظان  | صور من بلادي  | مواقع تهمك  اتصل بنا|  

 

 

 

النفوس الرخوة[1]

في كل شعب وفي كل أمة يوجد أصحاب المبادئ  الصماء الذين تتزحزح الجبال ولا يتزحزحون هم عن مبادئهم، وسواء أكانت هي في الخير أم في الشر، في الإصلاح أم في الإفساد. وعلى هؤلاء دون غيرهم تدور قطب رحى الحروب والمعارك السياسية والدينية و في أنحاء العالم، وهم قلب الأمم ودماغها فـمتى كان القلب صحيحا والدماغ  سالما سيقت الأمة إلى حيث العز والمجد  والــشرف، و متى كان القلب مريضا والدماغ مسوسا سيقت إلى هوة الهلكة   و الخسار.

وبين هؤلاء يوجد جمهور كبير ذوي قلوب ضعيفة كقلوب الطير ونفوس رخوة كالعجين، فلا ثبات لهم ولا مبدأ كالمـاء لا لون له ولكنه يتلون بلون الإناء، فمتى جعل في إناء أخضر رئي أخضر، ومتى جعل في إناء أزرق رئي أزرق وهكذا.  وكذلك أولئك لا خطـة لهـم يترسمونها ولا مطمح لهم عاما يسيرون إليه، ولكنهم أبناء وقتهم مرة مع زيد وأخرى مـع عمرو وتارة مع بكر وطورا مع خالد إلخ. يصبحون مع زيد ولمجرد ما تحيق حوله بعض الأخطار ينحازون في الزوال لجانب عمرو، وإن لاحت لهم سحابة مـن الخطر تحوم فوقه عشـية انفضوا من حوله وتجمهروا في المساء بجانب بكر وهكذا، لا يسكن لهم بال ولا يقر لهم قرار، فرائصهم ترتعد وأعصابهم تضطرب وقلوبهم ترتجف ونفوسهم تذوب شعاعا لمجرد ما يلوح لهم شبح من الخطر، يحلفون لك بكل محرجة من الإيمان أنهم لا يزالون معك في السراء والضراء فيبرون يمينهم مادامت السراء ممدودة الرواق، فإذا جد الجد  ورفع الستار عن الدور الأول من رواية الخطر، افرنقعوا عنك وواجهوك من بعيد وضحكوا من قلة عقـلك ومخاطرتك و مجالدتك، و إذا ما رأوك حزت النصر وظفرت بالمطلوب رجعوا إليك واحدا بعد واحد على قدر هروبهم منك، وهم معك مادامت راية النصر تخفق فوق رأسك، وإذا تقلص ظلها ونكست تراجعوا عنك وأصـبحوا في جانب خصمك، وهكذا دأبهم و ديدنهم ما داموا في قيد الحياة.

والغالب على هؤلاء  كشف الأسرار ونقل الأخبار من هنا وهناك استرضاء للجميع وخوفا من الجميع، وشدة الشغف بالسكون والركون إلى السلم ولو مع إقرار الباطل وخذلان الحق، ولا يهمهم انتصر الباطل أم خذل الحق، ولكن يهمهم السكون والسلم فقط على أي حال كان. ومتى رأوا الحق والباطل يتصارعان ألبسوا صراعهما بلباس الفتنة والفساد والتشويش و كالوه بكيل واحد ووجهوا  سهام اللوم والتعنيف إليهما معا، لأنهم يرون الواجب هو السكون والركون، ومتى ثارت زوبعة الخصام بينهما فلا خير في الجميع ولا يميزون بين الحق والباطل، فينصروا الأول ويجهزوا على الثاني ضرورة أنهم يرون السكون والركود قبل كل شيء، ويرون وجوب الولاء والصفاء بينهما. و نحن لم ندر ولم نسمع في تاريخ العالم قديمه  وحديثه متى اجتمع الحق والباطل في غمد واحد، ومتى انعقد الصلح بينهما في الدنيا وإنما تلك أمنية منهم سداها ضعف القلب ولحمتها رخاوة النفس.

إن هؤلاء غالبا ما يكونون في مؤخرة الجيوش عند الإقدام، وفي مقدمتهم عند الإحجام وفي صفوفهم تتفتح الثغرات للعدو المهاجم، وعلى رؤوسهم ينهار بنيان الحصون، وهم عيون كل قائد وأذن كل جيش، ومن المستحيل أن ينعقد بهؤلاء  أمر وأن يؤسس بهم مشروع، إذ الأمور تنعقد بالكتل الصلبة المتماسكة  الأجزاء لا بالذرات الرخوة المتناثرة، والمشاريع الكبرى إنما تؤسس على الصخور العظيمة الثابتة لا على الأحجار الهشة القلقة و الحجر المتقلب لا يثبت عليه البنيان.

إن أمثال هؤلاء لا يعول عليهم في تأسيس النهضات، ولا يعتمد عليهم في شيء يستوجب الجلد والمثابرة والثبات، ولا ينبغي للعاقل أن يفرح لإقبالهم أو يحزن لإدبارهم أو أن يطرب لهتافهم أو يتـذمر من صفيرهم، فهم فـي جميع الأحوال سواء ماداموا في حال الضعف القلبي والوهن النفسي لا يمكن التعويل عليهم في شيء معها.

نعم يمكن للماهر الحاذق أن يستخدمهم ويستفيد منهم في مصالح عدة، ولكن لا يمكن أن يبني عليهم قصور آماله أو يشيد بهم حصون قوته، وإنما يمكنه أن يبلغ ذلك بالرجال الصابرين الثابتين أصحاب المبادئ القارة و الكلمة الواحدة. فإن انتشر دين فبهؤلاء وإن نبت مذهب فبهؤلاء وإن اعتزت أمة فبهؤلاء وإن حرر شعب فبهؤلاء. فمن أراد تكوين أمة أو إحياء شعب  فليبدأ بإعداد العدة وهي هؤلاء. أما إذا غفل عن هذا وأسس عمله على كواهل أولئك الضعفاء فقد بناه على أساس من الرماد أو كتلة من الزبد، فلمجرد ما تهـب ريح عاصفة أو ترسل الشمس أشعتها المحرقة تتناثر ذرات الرماد في الفضاء وتذوب كتلة الزبد في الأرض، فينهار بنيانه ويصير عاليه سافله.

فمن كان يؤلمه أن يحشر بين هؤلاء الواهنين الضعفاء وتؤلمه لذعة الامتهان و الازدراء فما عليه إلا أن يتجلد ويصبر قليلا على لذعات الأهوال والخطوب كغيره، و يتزين بزي الصابرين الثابتين فلا يلبث قليلا حتى يطرز صدره بنيشان الجلد والثبات ويصبح في الصفوف الأمامية بين الرجال الكاملين.


[1]  وادي ميزاب، ع: 108 (9/11/1928).

المسلسل

عنوان المقال

المسلسل

عنوان المقال

1   أيها الجزائري 26   رأينا في التجنيس
2   العلم و العمل 27   التمدن الممسوخ
3   الإصلاح 28   يتقمصون في تبشيرهم بوادي ميزاب
4   الإسلام يحتضر والمسلمون يهزلون 29   الإسلام بين شقي المقراض
5   الاعتماد على النفس 30   وصايا كذاب لابنه
6   الثبات على المبادئ 31   وباء الفجور (1)
7   الثقة بالنفس 32   وباء الفجور (2)
8   أين المفر؟ 33   وباء الفجور (3)
9   نحن و أنتم 34   وباء الفجور (4)
10   الحق و مذاهب الناس فيه 35   وباء الفجور (5)
11   آخر سهم في كنانة المعمرين نحو الإسلام 36   حادث تمزيق الجواز
12   يجب الاعتماد على المؤسسات لا على الأشخاص 37   الصراحة خير علاج للأمة
13   الغيرة 38   مقياس الأمة برجالها
14   شعور الأمة نائم فماذا  ينبهه؟ 39   الانتخابات الأهلية
15   مستقبل جزيرة العرب 40   الدين و الإلحاد
16   سياج جزيرة العرب 41   الأمية في الأمم شلل
17   علي أن أعمل وليس علي أن أنجح 42   النفوس الرخوة
18   الوطنية الحقة 43   الإنسانية بين غضب الله و غضب أوروبا
19   اللغة العربية غريبة في دارها 44   افتحوا عيونكم أيها الغافلون
20   أخلاق الدجاجلة 45   العدالة تحتضر (1)
21   الألم يحرك العزائم 46   العدالة تحتضر (2)
22   الإعجاب بالنفس 47   كيف يكون الإحسان ؟
23   ضعيف النفس 48   إنما المؤمنون إخوة
24   جمعية الشبان المسلمين بمصر 49   وظيفة العقل في الإنسان
25   ماذا يراد بسكة حديد الحجاز؟ 50   أمات الرجال أم رفع القرآن؟
       
 

 

الصفحة الرئيسية  | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان  | مؤلفات أبي اليقظان  ماكتب عن أبي اليقظان  |

  أصدقاء أبي اليقظانعائلة أبي اليقظان  | صور من بلادي  | مواقع تهمك  اتصل بنا|  

 
 

أعلى الصفحة