الصفحة الرئيسية  | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان  | مؤلفات أبي اليقظان  ماكتب عن أبي اليقظان  |

  أصدقاء أبي اليقظانعائلة أبي اليقظان  | صور من بلادي  | مواقع تهمك  اتصل بنا|  

 

 

 

الصراحة خير علاج للأمة[1]

من العقبات التي تعترض الكتاب في سبيل الإصداع بالحق ما يراه بعض الناس من وجوب الإغضاء عن الباطل والصمت عن كشف حقيقته، لكي يحذره الناس وذلك من مراعاة لعواطف أصدقائهم وخوفا من أن يغضبوا من لهم معهم مصالح و فوائد خاصة، فيضحون لأجلها بمصالح الأمة العامة يرون المفسد ممعنا في إفساده والمبطل مدمنا على باطله والإصلاح منحنى الرأس والحق منكس الراية، وهم في هذه الحالة لا يبدون حراكا ولا يحركون ساكنا. ولكنهم إذا أحسوا ببطشة الإصلاح في غلصم الإفساد أو وثبة الحق في وجه الباطل قاموا وقعدوا وأبرقوا وأرعدوا في وجه الإصلاح والحق مظهرين له كل خطر وكل هول، وتظاهروا أمام الباطل مرائين له بأنهم في جانبه وفي نصرته، ولكن لا حبا فيه ولا خوفا على الحق فيما يزعمون وإنما محافظة على مصالحهم الخاصة فقط.

ومن الغرابة أنهم يظنون أن مصالحهم إنما تحفظ وتصان بغض الطرف عن المفسد والصمت على إفساده وإقراره على انتهاك المحرمات و التبصبص أمامه على ذلك والتظاهر له بتوهين شوكة الحق وخذلانه والعمل على إذلاله،  و يحسبون كل صيحة في وجه الباطل عليهم وعلى مصالحهم، وهم في الـوقت نفسه يعتقدون أنهم في جانب الحق وذوو غيرة متناهية على الحق، ومعـنى هـذا أنهم يريدون الجمع بين إرضاء الحق وإرضاء الباطل خوفا على فوات مصالحـهم مع هذا وذاك، لا نصرة لهذا  ولا لذاك، وهي عقلية عجيبة و نفسـية غريبة إذا حلـلناها نجدها مجموعة عناصر متناقضة مآلها خذلان الحق وإذلال الإصلاح ونصرة الباطل وإعزاز جانب الفساد، وإلا فإن الحق كلي لا يتجزأ، والباطل كذلك  فلا يخلو الأمر إما حقا و إما باطلا وليس بينهما شيء ممزوجا بين الحق والباطل، ولن يجمع الله حبهما معا في قلب واحد، ولم يجعل لله من سنته دفع الفساد بنصرة الفساد ولا جلب المصالح بخذلان الصلاح.

والعجب أنك إذا سألت واحدا من هؤلاء : ما الدواء في قمع الفساد وإيقاف المفسد عند حده؟ يقول لا يكون ذلك بالصراحة والمجاهرة فإن ذلك يجرئه على إفساده ولكن الدواء كل الدواء إنما هو بالكناية والمناجاة والتهامس فإن ذلك أجدى وأنفع والعاقل تكفيه الإشـارة إلى غير ذلك من أساليـب الجبن والخنوع والمخاتلة. ولكن أي عقل للمفسد حتى تخاطبه بمقتضاه؟ وأي أذن صاغية له حتى تسمعه كلامك بالمناجاة والتهامس؟ وأي مصلحة جلبها التهامس؟ أم أي مفسدة دفعها أسلوب المناجاة؟

إن الدواء الناجع  لا يكون ولن يكون بالدهن على الوبر و إمراره على ظاهر الجرح فإن هذا لا يزيد للمرض إلا خطورة واستفحالا فهلاكا و موتا، وإنما يكون بسبر غور الجرح وتطهيره بأنواع المطهرات وإزالة ما فسد منه ثـم وضع الدواء له وتضميده، وهكـذا المرض الاجتماعي إنما تكون مداواته بالجهر والصراحة لكن بالحكمة والسداد.

نعم إن أسلوب التهامس والكنايات قد يجدي وينفع ولكن مع الذين يرتكبون أنواع الفساد عن غفلة وجهالة، وهؤلاء منهم النبهاء الأذكياء ومنهم البلداء الأغبياء ولكل أسلوبه ومنهجه، وقد جمعهما سبحانه في قوله تعالى:  }ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة { النحل/125.

أما أهل العناد الذين يرتكبون الفساد مع إصراره ومكابرة فكيف يقتنعون بالهمس واللين والكناية وهم يتعمدون الفساد؟ وهل يردعهم غير الجهر والصراحة ومناقشتهم الحساب بالتي هي أحسن كما أشار سبحانه إلى الأسلوب الذي يلزم مع هذا الصنف بقوله } و جادلهم بالتي هي أحسن {

و من مجادلتهم بالتي هي أحسن تكون بإقرارهم على فسادهم ومسايرتهم على باطلهم والتظاهر بإذلال  الحق أمامهم إرضاء له ؟ وإذا كان هذا هو الواجب في حقهم فما معنى المداهنة و المداجاة إذا ؟

فأين أنتم يا هؤلاء من قوله تعالى: } يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين {  التوبة/119.

فليس الكون مع الصادقين أن تقفوا إزاءهم موقفا سلبيا أو أن تثبطوا عزائمهم أو أن تفتوا في ساعدهم أو أن تعرقلوا مساعيهم أو تحبطوها أو تقللوا  من أهميتها أو أن تنخذلوا عنهم أو أن تناصروا أخصامهم وتعززوهم عليهم أو أن تدلوهم على عوارتهم أو أن تنقصوهم لديهم، ولكن الكون مع الصادقين  بمناصرتهم ومعاونتهم ومشاطرتهم أعباء الإصلاح ومشاطرتهم على أخصامهم ودفع الأذى عنهم سرا وجهرا، والإخلاص لهم ظاهرا وباطنا.

وبهذا تمتثلون ما أمركم به سبحانه وتعالى وتحوزون العز والنصر والتمكين، وبهذا تصيرون كتلة واحدة متضامنة متماسكة تقـدر على دفع كل أذى عنها وجلب كل مصلحة لها.

دعوا التعليق والنفاق والتدجيل والمداهنة يا قوم، فإن الخصم الذين تظنون أنكم تخدمونه وتسترضونه بذلك إنما يسخر منكم في نفسه ويضحك على ذقونكم استخفافا بشأنكم وإن تظاهر لكم بابتسامة مصطنعة أو كلمة معسولة مفتعلة، فإن الخصم مهما سفلت قيمته و انحطت نفسه ليرى في نفسه للصدق قيمته، وللصراحة شأنها، وللحق روعته وجلاله، وإن تظاهر بخلاف ذلك وبهذه النفسية يجد نفسه  مضطرا لتقديس أهل الصدق والحق والصراحة و الاستخفاف بالمتملقين و الدجاجلة المرائين.

و الدليل على ذلك أنه لو أجتمع لديه إثنان من الفريقين، أحد من أهل الصدق والصراحة وآخر من أهل النفاق والتدجيل، فأيهما يعظم ويحترم ويقدم على الأخر؟ لاشك أنه الأول فإنه يسارع في قضاء حاجته ويبادر إما لمداراته أو لإرضائه، لأنه يراه الشوكة الحادة المسمومة التي توخزه في المبادرة بقضاء حاجته للتلطيف من حدته وتخفيف حرارة مقاومته، بخلاف الآخر الخنوع المبتذل فإنه في الجيب في اطمئنان منه، فهو يقعده  منه مقعد القصي إذا بقي بقي ذليلا وإذا قضى له مأربا كان عصارة من المن والأذى، إذ يراه خرقة ملقاة تتقاذفه أقدام الابتذال أو كبقر الجنة لا ينطح ولا يرمح وفي الواقع إذا حصل لديه مركز أو مرتبة فلم يحصلها بفضله أو جهده، و إنما حصلها ونالها على حساب أخيه حيث أنه على كاهله صعد إلى مأربه وعلى رقبته تسلق على حاجته، ولولا أخوه ولولا أعماله ولولا مساعيه فهل يجد الميزة التي يفتخر بها لدى سيده ومولاه؟ وهل يجد الوسيلة التي يتوسل بها إلى أغراضه الذاتية؟ كلا وألف كلا فله المغنم وعلى أخيه المغرم ثم بعد ذلك لوقاحته يتعرض لأخيه بالأذى و التنقيص عوض أن يقدم له شواهد الشكر و الامتنان

مسكين المصلح يبذل النفس والنفيس و يضحي كل مرتخص وغال ثم يسابقه أخوه الجاهل الجبان الشحيح لاستثمار جهوده ثم يجازيه بالسب والشتم والطعن والتنقيص لدى خصمه، وأي غبن أكثر من هذا لو لم يكن فضل الله الواسع مدخرا له ؟ وأي صقاعة ورقاعة أصفق من هذه لصاحبه لو أنها حمته نار الخزي والعار في الدنيا وعذاب الجحيم  في الآخرة.

إذا كان ولابد أن يسكت المصلح عن الجهر و الإصداع بالحق فقولوا يا قوم قبل ذلك للمفسد: أكفف عن الفساد وقف عند حدك وإياك ومجاوزة طورك، فإذا صدعتم بالأمر وقوبل أمركم بالامتثال، كان لكلامكم معنى ولصنيعكم فضله وجزاؤه، وطبلنا لكم وزمرنا وهتفنا وصفقنا. أما أنكم تصرخون في وجه الحق وتجلبون عليه بخيلكم ورجلكم ثم تغضون الطرف عن الباطل وتنعسون ولا تقدرون أن تجابهوه بملء أفواهكم (بقولكم أكفف يا هذا)  فليس هذا من الصدق ولا من الغيرة والإنصاف في شيء، وإنما هو من قبيل الضرب على أيدي البنائين ووضع المعاول في أيدي الهدامين وهذا عين التدمير والتخريب. وكفاكم عارا أن تكونوا في صف الهدامين المدمرين المخربين.

و هناك فريق آخر  يحب الحق وذويه ويناصر الإصلاح وأهله بكل صدق و إخلاص، لكن هؤلاء  يشمئزون  من الجهر بالحقيقة ويتألمون من كشف اللثام  عنها، لأنهم يرون في كشفها لمداواة الجروح التي بها نوعا من التنقيص، ونشير على هؤلاء  الأصدقاء أن يعلموا علم اليقين أولا: أنه لم يبق على وجه الكرة الأرضية شيء مخبأ، لم تصل إليه سنان البحث وعين التنقيب، بل أصبح كل شيء تعرض إما نماذجه  أو رسومه أو أوصافه في المعارض والكتب والمجلات والجرائد.

و ثانيا: إن سياسة التكتم وإخفاء الحقيقة وأن مسلك المناجاة والتهامس في الآذان، وأن إبقاء ما كان على ما كان في طي الخفاء كل هذا لم يعد ولا يعود إلا بإقرار الضرر في جسم الأمة وإثبات التهم التي يلصقها بها أخصامها وتصديق هؤلاء في كل ما يدعون فيها.

و ثالثا: إن مداواة أمراض الأمة الاجتماعية لا تتيسر إلا باستعراض حالاتها أمام الأساة النطاسيين من حسنة وقبيحة حتى يقفوا على مكامن الداء فيعملوا على استئصاله، وعلى منابع الفضل فيعملوا على تفجيره، وهذا وإن كان فيه شيء  من النقص لكنه في جانب المصلحة المرجوة كلا شيء، وأي إنسان يشتغل بنقص غيره وهو مملوء عيوبا ونقائص والكمال لله وحده ....


[1]  وادي ميزاب، ع : 102 (28/09/1928).

 

المسلسل

عنوان المقال

المسلسل

عنوان المقال

1   أيها الجزائري 26   رأينا في التجنيس
2   العلم و العمل 27   التمدن الممسوخ
3   الإصلاح 28   يتقمصون في تبشيرهم بوادي ميزاب
4   الإسلام يحتضر والمسلمون يهزلون 29   الإسلام بين شقي المقراض
5   الاعتماد على النفس 30   وصايا كذاب لابنه
6   الثبات على المبادئ 31   وباء الفجور (1)
7   الثقة بالنفس 32   وباء الفجور (2)
8   أين المفر؟ 33   وباء الفجور (3)
9   نحن و أنتم 34   وباء الفجور (4)
10   الحق و مذاهب الناس فيه 35   وباء الفجور (5)
11   آخر سهم في كنانة المعمرين نحو الإسلام 36   حادث تمزيق الجواز
12   يجب الاعتماد على المؤسسات لا على الأشخاص 37   الصراحة خير علاج للأمة
13   الغيرة 38   مقياس الأمة برجالها
14   شعور الأمة نائم فماذا  ينبهه؟ 39   الانتخابات الأهلية
15   مستقبل جزيرة العرب 40   الدين و الإلحاد
16   سياج جزيرة العرب 41   الأمية في الأمم شلل
17   علي أن أعمل وليس علي أن أنجح 42   النفوس الرخوة
18   الوطنية الحقة 43   الإنسانية بين غضب الله و غضب أوروبا
19   اللغة العربية غريبة في دارها 44   افتحوا عيونكم أيها الغافلون
20   أخلاق الدجاجلة 45   العدالة تحتضر (1)
21   الألم يحرك العزائم 46   العدالة تحتضر (2)
22   الإعجاب بالنفس 47   كيف يكون الإحسان ؟
23   ضعيف النفس 48   إنما المؤمنون إخوة
24   جمعية الشبان المسلمين بمصر 49   وظيفة العقل في الإنسان
25   ماذا يراد بسكة حديد الحجاز؟ 50   أمات الرجال أم رفع القرآن؟
       
 

 

الصفحة الرئيسية  | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان  | مؤلفات أبي اليقظان  ماكتب عن أبي اليقظان  |

  أصدقاء أبي اليقظانعائلة أبي اليقظان  | صور من بلادي  | مواقع تهمك  اتصل بنا|  

 
 

أعلى الصفحة