الصفحة الرئيسية  | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان  | مؤلفات أبي اليقظان  ماكتب عن أبي اليقظان  |

  أصدقاء أبي اليقظانعائلة أبي اليقظان  | صور من بلادي  | مواقع تهمك  اتصل بنا|  

 

 

 

إنما المؤمنون إخوة[1]

لم يمض على المسلمين وقت هم فيه أحوج الناس إلى بعضهم مثل هذا الوقت الذي نحن فيه الآن، فقد تآلبت فيه على الإسلام أقوام مختلفة و عناصر متعددة، و أحاطت بالمسلمين جيوش كثيفة من كل جهة و كل ناحية، و في يد كل أسلحة متنوعة و عدة فتاكة و معاول هدامة و آلات جهنمية. فوسائلهم مختلفة من جيوش  الاستعمار و طلائع التبشير و تلامذة الزندقة و الإلحاد و أبناء الجهل المبين. و غايتهم واحدة و هدفهم واحد ألا و هو تقويض الإسلام و اكتساحه من الوجود خطط مرسمة و برامج مسطرة و مكائد مدبرة، كل يعمل في دائرته لتنفيذ خطته على الدوام و الاستمرار بجد و نشاط بلا كلل و لا فتور، كل يوم جديد يبدو منهم على الإسلام أمر جديد ينسينا فيما قبل و ينذرنا بما بعد.

و مع كل هذا فالمسلمون في الشرق و الغرب يزدادون إغراقا في النوم  و إمعانا في الكسل و الفشل، و إدمانا في الغفلة و البلاهة، وانغماسا في الملذات و الشهوات، و تورطا في التقاطع و التخاذل، و اشتباكا في الاختلاف و التنازع، لا ينتقلون من سيئ إلا إلى أسوأ، و لا يخلصون من هوة إلا إلى أسفل منها.

إن قام فيهم أحد أقعدوه، و إن مشى حيهم إلى الأمام عقروه، و إن صاح فيهم صيحة الحق ألجموه، و إن تكرم عليهم أبخلوه، وإن تشجع على إصلاح لهم أجبنوه، و إن عزم على إشادة مشروع خيري لهم نبطوه، و إن أخلص لهم في القول أو صدق في العمل أفسدوا نيته و أساءوا الظن به، و هكذا دأبهم  و ديدنهم إزاء أعدائهم و أصدقائهم.

إن المفسد من أي جنس و أي قبيل طبيعته الإفساد و شأنه الهدم مادام  في جانب الإفساد و المفسدين، فلا يرد عنه الوازع الديني أو العاطفة  القومية أو الغيرة الوطنية، فلا عجب و لا غرابة من أن يصدر منه شيء من ذلك.

و لكن العجب و الغرابة في أن نرى جموعا من المسلمين يحس كل بما يحس به كل مسلم  و يشعر بما يشعر به يسر بما يسر و يتألم بما يتألم، و عوض أن ترى منهم جهودا متضامنة و مساعي متحدة، عوض أن ترى منهم اتحادا في التفكير و نجاحا و تجانسا  في الرأي وتماسكا في الأعمال، تراهم مبددي الجماعات مشتتي الشمل، فترى العواطف ممذوقي الود، كل يهتم في داخل نفسه، و يفكر في دائرة عقله، و يعمل في منطق جهده، فتناثرت بذلك القوى، و تبددت المواهب، و تلاشت الجهود شذر مذر مما لو جمع و ضم في إطار واحد و في مسمط واحد لظهر من المجموع العجب العجاب.

و قد احتارت عقولنا، و الله، من هذا الفشل العام و الفتور الشامل بين صفوف جموع المسلمين، مع أنك إذا فتشت عن السبب لا تجد شيئا يدرك بالعين أو يلمس باليد حيث لا نار بين أحد و آخر، و لا خصومة مالية بينهما و لا و لا، و إنما هو ضباب كثيف من الهواجس و الوساوس ألقاه أعوان الشياطين بين الجموع فأوهن علائقها الودية، و أرخى عواطفها الحسنة، و أوهم كلا أنه ليس بأخ للآخر و لا عضوا له، فتبعه في هذا الوهم حتى صار له ظنا ثم يقينا، فكانت النفرة و التقاطع، و كانت الشحناء و التنازع، ولو نزل كل إلى أعماق نفسه و تساءل عن هذه الحالة المحزنة بين الأخ و أخيه و ما سببها؟ لما وجد شيئا حقيقيا غير الهواجس و سوء الظن في الغالب.

يا لله العجب، أيتآلب أعداء الإسلام و يتحدون على تقويض معالمه و بينهم فراسخ من اختلاف اللغات و الأديان و المذاهب والمنازع و المشارب، و نختلف نحن على صيانته و حمايته، و الذود عن بيضته و دفع الكيد و الأذى عنه، و قد جمعت بيننا روابط الوطن و اللغة و الدين؟ و وحدت بين أهوائنا علائق المصالح و الآلام؟

يا للدهشة و الاستغراب، أيتشجع خصوم الإسلام على الهدم و التخريب،  و ينشطون في ذلك و يثبتون فيه و يدأبون بلا كلل ولا فتور و يضحون فيه كل رخيص و غال و يناصرهم كل شيطان و يعاضدهم كل مارد؟ و نتقاعس نحن على البناء و نفتر حتى عن ترميم ما تهدم، و إذا عقدنا عزما على ذلك فسرعان ما نتأخر و نتراجع القهقرى و نتخاذل، و إذا أثبت أحد منا في الميدان، ثبطنا عزمه و سفهنا رأيه حتى يكل فيفتر و يتزحزح. و إذا لم يصغ إلينا لصارم عزمه و شدة ثباته ملأنا الدنيا حوله جلبة و ضوضاء، وإذا حاز نصرا بجهوده و اعتماده على نفسه، أقللنا من أهمية نصره حتى ينخذل و ينشط خصمه و عدو الجميع.

إن عزكم يا قوم في اعتزاز الإسلام لا في الكيد له و إعانة خصومه عليه. إن سلامتكم في توطيد العلائق بينكم و بين إخوانكم المسلمين. ففي عزهم عزكم، و في سعادتهم سعادتكم، و ليس في توهين العلائق بينكم و إرخاء عواطفكم الجميلة نحو بعضكم إلا تشتيت شملكم، و تبديد جمعكم، و إذهاب ريحكم، و إذابة قوامكم، و تقوية خصوم الإسلام عليك، و تمكينهم من رقابكم.

إن قومكم يا قوم خولكم، فمنهم قوتكم و منهم مجدكم و منهم حياتكم، فاعرفوا ما لخولكم من الحقوق، و لا تدعو للهواجس والوساوس و سوء الظنون إلى نفوسكم من سبيل، فإنهم أعز من ذلك و أغلى. و لقد جربتم ذلك و جربه من قبلكم، و هل جنيتم أو جنى غيركم منه غير الشوك و العلقم؟

لقد رأيتم رأي العين أنكم تفيدون خصومكم بذلك من الفوائد الجمة قدر ما تخسرونه أنتم منها، أفلا يكون لكم في ذلك عبرة وذكرى؟

وحدوا صفوفكم رعاكم الله، و اجمعوا جهودكم، و ضموا قواكم، و سيروا إلى الأمام بقلوب مفعمة إيمانا، و نفوس طافحة صدقا وإخلاصا، فإن الحالة حرجة للغاية و الأمر في شدة الخطر..


[1] وادي ميزاب، ع، 116، (11/01/1929م)

المسلسل

عنوان المقال

المسلسل

عنوان المقال

1   أيها الجزائري 26   رأينا في التجنيس
2   العلم و العمل 27   التمدن الممسوخ
3   الإصلاح 28   يتقمصون في تبشيرهم بوادي ميزاب
4   الإسلام يحتضر والمسلمون يهزلون 29   الإسلام بين شقي المقراض
5   الاعتماد على النفس 30   وصايا كذاب لابنه
6   الثبات على المبادئ 31   وباء الفجور (1)
7   الثقة بالنفس 32   وباء الفجور (2)
8   أين المفر؟ 33   وباء الفجور (3)
9   نحن و أنتم 34   وباء الفجور (4)
10   الحق و مذاهب الناس فيه 35   وباء الفجور (5)
11   آخر سهم في كنانة المعمرين نحو الإسلام 36   حادث تمزيق الجواز
12   يجب الاعتماد على المؤسسات لا على الأشخاص 37   الصراحة خير علاج للأمة
13   الغيرة 38   مقياس الأمة برجالها
14   شعور الأمة نائم فماذا  ينبهه؟ 39   الانتخابات الأهلية
15   مستقبل جزيرة العرب 40   الدين و الإلحاد
16   سياج جزيرة العرب 41   الأمية في الأمم شلل
17   علي أن أعمل وليس علي أن أنجح 42   النفوس الرخوة
18   الوطنية الحقة 43   الإنسانية بين غضب الله و غضب أوروبا
19   اللغة العربية غريبة في دارها 44   افتحوا عيونكم أيها الغافلون
20   أخلاق الدجاجلة 45   العدالة تحتضر (1)
21   الألم يحرك العزائم 46   العدالة تحتضر (2)
22   الإعجاب بالنفس 47   كيف يكون الإحسان ؟
23   ضعيف النفس 48   إنما المؤمنون إخوة
24   جمعية الشبان المسلمين بمصر 49   وظيفة العقل في الإنسان
25   ماذا يراد بسكة حديد الحجاز؟ 50   أمات الرجال أم رفع القرآن؟
       
 

 

الصفحة الرئيسية  | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان  | مؤلفات أبي اليقظان  ماكتب عن أبي اليقظان  |

  أصدقاء أبي اليقظانعائلة أبي اليقظان  | صور من بلادي  | مواقع تهمك  اتصل بنا|  

 
 

أعلى الصفحة