الصفحة الرئيسية  | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان  | مؤلفات أبي اليقظان  ماكتب عن أبي اليقظان  |

  أصدقاء أبي اليقظانعائلة أبي اليقظان  | صور من بلادي  | مواقع تهمك  اتصل بنا|  

 

 

 

مقياس الأمة برجالها[1]

الأمة جسد واحد وأفرادها هم أعضاء ذلك الجسد، ولكل عضو وظيفة غير وظيفة الآخر، فإذا سلمت الأعضاء أدى كل وظيفته لمجموع الجسد، وإذا اعتل بعضها اختلت وظيفته عن ذلك المجموع وسرى الضرر للبقية، فصلاح العضو عائد عليه ومن المستحيل أن تقتصر منفعة سلامة اليد مثلا عليها أو ينحصر ضررها فيها، بل لابد أن يسري على الجميع. و بقدر مكانة ذلك العضو من الجسد يكون عظم نفعه بسلامته وخطورة ضرره بسقمه، فقد تزول قيمة الإنسان كلها بزوال العضو كالعقل، وقد تبقى ولكنها غير كاملة بمثل زوال الرجل.

ولكن من طبقات الأمة من المكانة في جسم الأمة ما لكل عضو من الأعضاء في جسم الإنسان، ومنزلة زعماء الأمة وساستها من مجموعها كمنزلة العقل من جسم الإنسان. فكما أن الرجل بعقله فكذلك الأمة بزعمائها وساستها، فإن كانوا على جانب عظيم من الحنكة والمهارة والحصافة والخبرة والإدراك وسمو الأخلاق قيل أن تلك الأمة راقية متهذبة عالمة وإن كان من بين أفرادها رعاع وأسافل وجهلاء.

وإن كانوا جهلاء فارغي الوطاب خالي الرؤوس قليلي البضاعة ضعفاء النفوس، قيل إن تلك الأمة جاهلة منحطة قصيرة غير رشيدة وإن كان من بينها بعض أفراد منزوين ذوي مدارك عالية. فزعماء الأمة وساستها هم مقياسها الحقيقي في الرقي أو الانحطاط،  فمناط عز الأمة و ذلتها في الزعماء، فإن صلحوا صلحت، وإن فسدوا فسدت. كما أن العقل إذا سلم سلم الجسد، وإن فسد فسد، ولكن إصلاح الزعماء في يد الأمة وفسادهم كذلك، فإذا أمدتهم بقوتها ونصرتهم بعدتها ونصحتهم في الخطأ ونشطتهم في الصواب وكانت طوع أوامرهم وإشارتهم  نشطوا من عرينهم و انحلوا من عقالهم، فظهرت مواهبهم وبطولتهم وعبقريتهم ونبوغهم فطاروا بأمتهم على أوج المجد والفخار.

وإذا خذلتهم وأهانتهم و استخفت بمقامهم وأمسكت يدها عن نصرتهم وإمدادهم وسفهت أحلامهم وتمردت عن منهاجهم وخططهم فإنهم إذا وصلوا في أمتهم على هذه الحالة ملوا وضجروا أو خرجوا وهاجروا فتعطلت منهم تلك المواهب والمزايا وحرمت تلك الأمة المخذولة ثمراتهم ونتائجهم فبقيت كأغنام سائمة في الفلوات والقفار بدون رعاة تنتابها الذئاب العاوية والسباع الضارية والجوع والعطش إلى أن يبلعها جوف الصحراء فتندثر وتذهب ضحية التخاذل   و التدابر فيكون مصيرها كمصير بني إسرائيل  خذلوا نبيــهم موسى عليه السلام وقالوا له: } اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون {.

و لقد أرانا تاريخ رقي الأمم و انحطاطها  أنه ما من أمة علا شأنها وشمخت بأنف المجد والعظمة إلى الجوزاء إلا وكان رقيها وعلوها على سلم زعمائها وعظمائها ولم تتبوأ  مقعد العز والسيادة إلا بعد أن صعدت على كواهلهم ولكن بعد نصرتها لهم و التفافها حول رايتهم وتضامنها معهم وتحملها مسؤوليتهم وإمدادها لهم، بكل قوة و عتاد و مال ورجال.

و ما من أمة تدهورت من ذروة عزتها إلى حضيض ذلتها ونزلت من شامخ مجدها وفخارها إلى هوة هوانها وصغارها إلا وكان ذلك الانحطاط والسقوط ناتجا عن سقوط زعمائها وساستها، هذا إنما ينشأ عن خذلانها و استخفافهم بهم وتمردها عنهم وتسقطها لعثراتهم والتقصي عن مسؤوليتهم وإلقاء تبعة أعمالهم على كواهلهم. فتكوين الأمة بتكوين الزعماء وسقوط الأمة بسقوطهم، ولهذا نرى أن أعداء الأمة إذا أرادوا القضاء عليها فإن أول ما يعمدون إليه هو القضاء على زعمائها بتنقيصهم والحط من قيمتهم في نظرها أو بتهويلهم وكونهم أناساً مهيجين مخطرين والخطر كل الخطر في مداجأتهم أو الانتماء  إليهم، أو بتعقبهم ومحاسبة أنفساهم و إذاية من يتصل بهم بأنواع من الإذايات من هضم الحقوق وحرمان المنافع وإغلاق أبواب المصالح دونهم. كل ذلك لحفر هوة سحيقة بينهم وبين أمتهم حتى تتبرأ منهم وتنفصل عنهم فيخلى الذئب بالنعاج. فإذا كانت الأمة نبيلة نبيهة تعرف الحلو من المر، و النافع من الضار فإنه لا تزيدها تلك المحاولات والمداورات إلا تمسكا بزعمائها وثقة بهم وإخلاصا لهم وتعلقا بهم و اعتمادا عليهم وتشجيعا وتنشيطا لهم وإمدادهم بكل ما لديها من الوسائل.

وإذا كانت أمة جاهلة بليدة غبية بلهاء، نزاعة إلى الشر والفساد، متعشقة للتخاذل و الانقسام، ممزوجة الدم بداء الحسد والحقد والبغضاء، شغوفة بالرياسات الخالية والزعامات الجوفاء، فإن أقل شيء من رماد النفرة والتفرقة يبثه عدوها  بينها و بين زعمائها يثيرها عليهم ويفصلها عنهم، ولا تشعر لبلهها أنه إنما دس ذلك بينها لهلاكها وفنائها لا حبا في بقائها ووجودها.

ولكن هو الجهل والبله والغباوة تفعل في المرء ما لا يفعله العدو في عدوه، إذ تشحذ منه آلة حادة للفتك به نفسه من غير علم منه ولا شعور.

إذا تقررت هذه القاعدة العامة نلفت إلى حالة الأمة الجزائرية مع زعمائها المخلصين ونتساءل ما هو موقفها إزائهم ؟

ويكفينا للجواب على ذلك أن نلقي نظرة عامة على مقام الزعماء في نفس الأمة قديما وحـديثا، ومكانتهم قي قلوبها في الماضي والحال، و مـا هي معاملتها لهم وعلاقتها بهم ؟؟.

إننا إذا استنطقنا الأسباب والعلل والنتائج فلاشك أننا نرى ما يحزن الصديق المخلص للجزائر ويقـر عيـن العدو الكنود لها : نرى ما يثبط العزائم ويفعم النفس بالاياس والقنوط و يطفئ جذوة الإحساس والشعور ويغل الأرجل والأيدي ويعقد الألسنة.

وإذا استنطقنا فشو الجهل والأمية وتسمم الأمة بالأخلاق الفاسدة و انتشار الخمور و القمار طول البلاد وعرضها، وسريان داء الزندقة والإلحاد والشعوذة والتدجيل و اختلاء ذئاب الاستعمار بنعاج الأهالي، وإنزال صواعق الظلم والجبروت على كواهلهم، وخمود صوت الحق وداعي الفضيلة، وتخاذل الأفراد والجماعات، وتراشق المتعشقين للرئاسات والزعامات، وخلو الميدان من رجال عاملين مخلصين لتخفيف الويل والبلاء عن الأمة، إذا استنطقنا كل ذلك فلا محالة نقف على الجواب عن تلك الأسئلة ونـستخلص أن موقف الأمة إزاء ساستها المخلصين موقف خذلان و احتقار لهم، و استخفاف بهم والتجسس عنهم وخلق المشاكل والعراقيل أمامهم وإسقاطهم وإحباط مساعيهم لأسباب وأسرار لا يعلم تأويلها إلا الله والراسخون، وهل الأحوال التي سـردناها إلا برهان قاطع على ذلك؟  فلو كانت الثقة بالزعماء ولو كان الالتفاف حول الزعماء ولو كان التضامن مع الزعماء فهل تكون حالة الأمة على ما وصفنا.

إذا أرادت الأمة بنفسها خيرا وتمنت لها حياة طيبة هنيئة وعيشا رغيدا فلتتحر جيدا في انتقاء الرجال، ولتنظر بمنظار مكبر المخلص من المرائي والصديق من العدو، ولنستعن على ذلك بالأعمال والآثار لا بالشخصيات والحيثيات، فإذا  فرغت من هذه العملية وغربلت لباب الصدق والإخلاص والكفاءة من قشور الكذب والخيانة والنفاق فلتحتفظ بذلك اللباب، ولتصن بذرة حياتها، ولتثق بركن عزها وأساس نهوضها وسلم رقيها ألا وهو زعماؤها وساستها الصادقون المخلصون، تناصرهم في الرخاء  والشدة، وتعاضدهم في السر والعلانية، تذود  عن كرامتهم في الغيب والشهادة، وتتضامن معهم في حالتي الضعف والقوة، والظفر و الانهزام، والنجاح  والإخفاق، والغنى والفقر.

وفي مقابل ذلك يجب على الزعماء أن يصدقوا في القول ويخلصوا في العمل ويفنوا في مصلحة الأمة بكل ما أوتوا من بطولة وعبقرية ونبوغ وأن يسلكوا بأمتهم مسلك الخير والصلاح وأن يتجنبوا بها مسالك الهلاك والعطب  فإن زعامة  الأمة أمانة خطيرة حملها ثقيل وعبؤها لا يحمله حقا إلا القليل، و وقع الخطأ فيها على الأمة عظيمة، إذ أقل خطأ فيها يجر إلى سلسلة من الأغلاط،  وكل غلط منها يصيب عدد مع الأمة بأسرها من ملايين النفوس.

ويجب على الزعيم أن يكون عقله قدر مجموع العقول التي يسوسها وإلا كان حقا عليه أن يعتزل الزعامة ويسلم رايتها لكفئها.

فإذا كانت الأمة والزعماء على هذه الأوصاف فبشر تلك الأمة بحياة كلها عز ومجد وسيادة وفخار.


[1]  وادي ميزاب، ع : 103 (05/10/1928).

المسلسل

عنوان المقال

المسلسل

عنوان المقال

1   أيها الجزائري 26   رأينا في التجنيس
2   العلم و العمل 27   التمدن الممسوخ
3   الإصلاح 28   يتقمصون في تبشيرهم بوادي ميزاب
4   الإسلام يحتضر والمسلمون يهزلون 29   الإسلام بين شقي المقراض
5   الاعتماد على النفس 30   وصايا كذاب لابنه
6   الثبات على المبادئ 31   وباء الفجور (1)
7   الثقة بالنفس 32   وباء الفجور (2)
8   أين المفر؟ 33   وباء الفجور (3)
9   نحن و أنتم 34   وباء الفجور (4)
10   الحق و مذاهب الناس فيه 35   وباء الفجور (5)
11   آخر سهم في كنانة المعمرين نحو الإسلام 36   حادث تمزيق الجواز
12   يجب الاعتماد على المؤسسات لا على الأشخاص 37   الصراحة خير علاج للأمة
13   الغيرة 38   مقياس الأمة برجالها
14   شعور الأمة نائم فماذا  ينبهه؟ 39   الانتخابات الأهلية
15   مستقبل جزيرة العرب 40   الدين و الإلحاد
16   سياج جزيرة العرب 41   الأمية في الأمم شلل
17   علي أن أعمل وليس علي أن أنجح 42   النفوس الرخوة
18   الوطنية الحقة 43   الإنسانية بين غضب الله و غضب أوروبا
19   اللغة العربية غريبة في دارها 44   افتحوا عيونكم أيها الغافلون
20   أخلاق الدجاجلة 45   العدالة تحتضر (1)
21   الألم يحرك العزائم 46   العدالة تحتضر (2)
22   الإعجاب بالنفس 47   كيف يكون الإحسان ؟
23   ضعيف النفس 48   إنما المؤمنون إخوة
24   جمعية الشبان المسلمين بمصر 49   وظيفة العقل في الإنسان
25   ماذا يراد بسكة حديد الحجاز؟ 50   أمات الرجال أم رفع القرآن؟
       
 

 

الصفحة الرئيسية  | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان  | مؤلفات أبي اليقظان  ماكتب عن أبي اليقظان  |

  أصدقاء أبي اليقظانعائلة أبي اليقظان  | صور من بلادي  | مواقع تهمك  اتصل بنا|  

 
 

أعلى الصفحة