الصفحة الرئيسية  | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان  | مؤلفات أبي اليقظان  ماكتب عن أبي اليقظان  |

  أصدقاء أبي اليقظانعائلة أبي اليقظان  | صور من بلادي  | مواقع تهمك  اتصل بنا|  

 
 

مستقبل جزيرة العرب[1]

لا يخفى أن جزيرة العرب هي مهبط الوحي، و مبعث الرسالة، و مطلع شمس الإسلام، و منبع أنواره، و مولد خاتم الرسالة صلى الله عليه و سلم، و مضجعه الشريف وفيها الكعبة، البيت الحرام، وإليها يتوجه العالم الإسلامي خمس مرات في اليوم و الليلة، ويؤمها في كل عام مرة من كل فج عميق، و قد جعلها سبحانه تحت حفظه و رعايته، ومقرا خاصا بدينه القويم، وكتب للداخل في حرمها الأمن و الراحة، و توعد من يريد فيه بإلحاد بظلم أن يذيقه عذابه الأليم. فجزيرة العرب من بلاد الإسلام كالقلب النابض من الجسد فهو أول ما ينفخ فيه الروح و آخر ما ينزع منه وبقدر سلامته وقوته يسلم الجسد وتقوى أعضاؤه و العكس، فلا غرابة إذن من اهتمام المسلمين بجزيرة العرب، واعتنائهم بسير أحوالها وتتبعهم لحركاتها لأن اهتمامهم بها هو اهتمامهم بمنبع حياتهم، و عزهم، و سعادتهم،و مجدهم، و دينهم، و ملتهم، وإهمالهم لتلك إنما هو إهمالهم لهذه.

فكل عمل من شأنه أن يرغبهم فيها، ويلفت نظرهم إليها ويحفظها و يصون كرامتها فإنه يعتبر إعزازا للإسلام وصيانة لكرامة المسلمين وإنعاشا لروحهم الدينية، يكسب صاحبه في قلوبهم عطفا وولاء، وكل سعي من شأنه أن يزهدهم أو يصرف نظرهم عنها أو يصدهم عن وجهتها أو يهدد كيانها فإنما يعد اعتداء على المسلمين وعملا عدوانيا ضد الإسلام ينال صاحبه المقت و السخط والغضب من كافة المسلمين.

لقد أدركت الدول الغربية هذا وخبرت نفسية المسلمين وعاطفتهم نحو قبلتهم  جيدا ولم تجسر في يوم من الأيام واحدة منهن أن تتدخل فيها بقواتها الحربية لأنها تعلم أنها لغم من الديناميت امتدت عروقه إلى سائر البلاد إذا ألقت فيه شظية من شظاياها ينفجر بعروقه فيزلزل الكرة الأرضية ويقلبها عاليها سافلها.

ولذلك تجتهد بكل مالها من المهارة أن لا تمس ذلك اللغم مباشرة وإنما تتذرع بذرائع أخرى لتتحكم فيها من ضرب نطاق الحصار عليها من الخارج و استعمال خونة أبنائها في الداخل جمعا بين مصلحتيها المتعارضتين التحكم في الجزيرة و الاحتفاظ بمودة المسلمين قدر الإمكان، ولكن لم يرد الله إلا أن تخفق في المصلحتين معا فلم يمكنها أن تتحكم فيها ولا استبقى لها ذرة من موالاة المسلمين لأن غايتها من ذلك كله إطفاء نور الإسلام في مطلعه و يأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.

مضت على إنجلترا سنين عديدة في تجاريب و اختبارات للتحكم على جزيرة العرب من هنا و هناك واستعملت لغايتها كل وسيلة ولكن إرادة الله فوق إرادتها، فلقد قيض الله لها رجالا هدموا بناءها ومزقوا نسيج دسائسها فبرز في شرقي الجزيرة بعمان سنة 1331 ذلك الإمام العادل سالم بن راشد الخروصي ثم خلفه ذلك المصلح الكبير الإمام محمد بن عبد الله الخليلي الحالي.

و برز في جنوب الجزيرة باليمن بعده ذلك الرجل الحازم النبيه الإمام يحيى ثم برز أخيرا بشمال الجزيرة ذلك الرجل العظيم جلالة ابن السعود ملك نجد و الحجاز.

أما الأول فقد نظم جيوشه وطهر بلاده من طلائع الأجنبي و مقدمات الدخلاء، فمنع سموه دخول السواحين وتسرب البغايا والخمور إليها وأقام ميزان العدل و الإنصاف بين الناس وسار بينهم سيرة سيدنا عمر رضي الله عنه من قطع يد السارق ورجم الزاني المحصن و جلد الزاني البكر، وحد على شرب الخمر وقتل القاتل إلى آخره حتى ذهب ضحية عدله إذ قتله بعض المجرمين الذين قتل وليهم قصاصا في سنة 1338 هـ ثم سار خلفه الإمام الخليلي الحالي سيرته فنشر العدل بين الرعية و أقام حدود الله و أحكام كتابه العزيز بين الناس كما نشرنا ذلك مفصلا قبل عن مكاتبنا الخاص بمسقط وقد عزز جنابه ذلك الرجل الخطير الشيخ سليمان الباروني و الرجال العظماء من مملكته فأدخلوا في المملكة تنظيمات جديدة وقاموا بإصلاحات كبيرة، ولا سيما المالية منها التي هي القوة الأساسية لعز الدولة وحياتها و لا زالوا، أعانهم الله يواصلون السعي و العمل لترقية المملكة وتنظيمها وجعلها دولة عربية إسلامية متمدنة بالمعنى الحقيقي.

و أما الثاني فقد استبقى من العهد العثماني ضباطا ماهرين لتنظيم جيشه وصيانة مملكته من التدخل الأجنبي فلم تؤثر فيه المحاولات والمقاولات الأجنبية لولا انخداعه فـي المدة الأخيرة بالطلاء الإيطالي فوقع ذلك الإتفاق مع إيطاليا الذي يسوغ لها التدخل في بلاده شيئا فشيئا و يجعل لها فيها مركزا ممتازا و لكن نباهته و ذكاءه و تيقظه تجعلنا نتفاءل خيرا بمستقبل بلاده و على كل حال فإن سيرته في البلاد سيرة رجل حازم ذكي فلقد بذل جهده في إدخال التنظيمات العصرية المادية و الأدبية للبلاد من تأسيس معمل كبير للذخائر الحربية و إنشاء المدارس إلى آخره.

و قد سار في الرعية على ما ترويه لنا الجرائد الصادقة سيرة العدل  و الإنصاف و إقامة حدود الله بين الناس فقد حدثتنا مجلة الفتح الغراء في عددها 54 عن صحيفة الإيمان التي أسست أخيرا بصنعاء بقولها (تنشر صحيفة الإيمان اليمانية أخبار إقامة الحدود الإسلامية على الزناة و شاربي الخمر و اللصوص و سائر مرتكبي المعاصي التي تستوجب الحدود الشرعية).

و أما الثالث فقد طهر تلك البقاع المقدسة من جراثيم و عفونات الظلم  و الإلحاد و البغي و العدوان و أقام شعائر الدين و نشر راية العدل و المساواة في الناس، فرفرفت ألوية الأمن و الطمأنينة في البلاد و حمل الناس على الجادة وسار  بينهم على ما تواتر عنه على ألسنة الحجاج سيرة السلف الصالح من إماتة البدع  و إحياء السنن و إقامة حدود الله و تنفيذ أحكام كتابه على الجناة من قتل القاتل و رجم الزاني المحصن و جلد البكر و شارب الخمر الخ.

فأطاعته الخاصة و هابته العامة و اعترفت به الدول الأجنبية و أصبحت تتودد إليه و تحسب لسطوته حسابها لما أظهره أمامها من المقدرة و الكفاءة و القوة العتيدة، وقد حاولت إنجلترا أن تعجم عوده فطلبت منه حق امتياز مد سكة حديدية بين جدة و مكة وإدارة الأمور الصحية في الحجاز و لكن و جدت عوده أشد صلابة من الفولاذ فتقهقرت بانتظام إذ لا ينفك سموه يمانع من تمكين بريطانيا أو غيرها من الأجانب من بغيتهم في بلاده، و ما أمر اتفاق بحر السابق و الذي قبله فيما يظهر إلا تكاة اتكأ عليها ريثما ترسخ قدماه في مملكته و يدل على هذا ذلك الاتفاق الأخير الذي وقع بينهما و صورته على ما نشرته مجلة الفتح الغراء في العدد المذكور كما يلي ( نشرت جريدة ( اكروز زيتونغ ) رسالة من جدة جاء فيها أن الملك عبد العزيز ابن سعود ضمن في المعاهدة التي عقدها أخيرا مع إنجلترا حق التمثيل السياسي في العواصم الأوروبية و أن إنجلترا قد تنازلت عن منطقة العقبة و معان التي تعد ذات أهمية كبيرة لإنجلترا لأنها تصلح لأن تكون قاعدة عسكرية عند و قوع أعمال حربية ضد مصر و الحجاز و شرق الأردن،  و تنص المعاهدة أيضا على عدم وجود الامتيازات الأجنبية في الحجاز بأي شكل كان، و على الاعتراف بأن السكة الحديدية ملك الحكومة الحجازية، و متى أبرمت المعاهدة لا تبقى عقبة تحول دون دخول الحجاز في جمعية الأمم ).

   هذا زيادة عن التنظيمات و التشكيلات الداخلية التي تجعل للمسلمين و لبلاد العرب شأنا و أي شأن، فإذا تأملنا سير هؤلاء العظام و تدرجهم في البلاد العربية في مدارج الرقي و الحضارة الإسلامية و تقربهم إلى بعضهم أدركنا جليا ما سيؤول إليه أمر العرب و الإسلام في مستقبل الأيام من العزة و السيادة و الحضارة سيما إذا أضفنا إلى مجموع تلك الدول دولة العراق الفتية الناهضة التي دخلت أخيرا بموجب اتفاقها الأخير مع الإنجليز في دور الحرية و الاستقلال، و على القارئ مضمون ذلك الاتفاق على ما نشرته الشورى الغراء من مراسلها خصوصا ببغداد ( اتصل بالمراجع العالية في العراق أن مزاحم بك الباجه جى ممثل العراق في لندن فاز في المفاوضات السياسية الجارية بين ممثل العراق و الوزارة الإنجليزية بشأن إلغاء المعاهدة العراقية الإنجليزية القديمةو تعويضها باتفاقية جديدة تكون أكثر ملاءمة لحالة البلاد الراهنة و استقلالها الواسع المنتظر.

و من مشتملات الاتفاقية الجديدة إلغاء المراقبة السياسية الصارمة و تعويضها بنظام استشاري خفيف يتناسب مع روح الاستقلال بدون أن يخل ذلك بشيء من ناموس الحكومة العراقية، بحيث يمكن للوزارة أن تسير دفة البلاد طبق المبادئ الديمقراطية البرلمانية، ولا يستثنى من ذلك سوى الحقانية لأن الإنجليز لا يريدون إفلاتها من أيديهم، و لذلك فإن سفر ملك فيصل إلى إنجلترا بات محققا لإمضاء المعاهدة الجديدة التي ستكون كافلة للعراق أكثر من استقلال مصر.

فإذا تم ذلك على الوجه الذي وافقت عليه و ذكرته و عرف العراقيون كيف يدبرون أمورهم و يستفيدون من هذه المعاهدة تاركين الشغب و الشقاق جانبا فإن بلادهم تكون و لا شك من أعمر الأقطار، بل فردوس الشرق المفقود، و إلا فعلى العراق السلام ).

تلك مرآة مكبرة وضعناها بيدك أيها القارئ الكريم لترى فيها مستقبل الإسلام و الأمة العربية و بلاد العرب، و المستقبل بيد الله..  


[1]  وادي ميزاب، ع : 46 ( 26 /08 /1927 )

 

 

المسلسل

عنوان المقال

المسلسل

عنوان المقال

1   أيها الجزائري 26   رأينا في التجنيس
2   العلم و العمل 27   التمدن الممسوخ
3   الإصلاح 28   يتقمصون في تبشيرهم بوادي ميزاب
4   الإسلام يحتضر والمسلمون يهزلون 29   الإسلام بين شقي المقراض
5   الاعتماد على النفس 30   وصايا كذاب لابنه
6   الثبات على المبادئ 31   وباء الفجور (1)
7   الثقة بالنفس 32   وباء الفجور (2)
8   أين المفر؟ 33   وباء الفجور (3)
9   نحن و أنتم 34   وباء الفجور (4)
10   الحق و مذاهب الناس فيه 35   وباء الفجور (5)
11   آخر سهم في كنانة المعمرين نحو الإسلام 36   حادث تمزيق الجواز
12   يجب الاعتماد على المؤسسات لا على الأشخاص 37   الصراحة خير علاج للأمة
13   الغيرة 38   مقياس الأمة برجالها
14   شعور الأمة نائم فماذا  ينبهه؟ 39   الانتخابات الأهلية
15   مستقبل جزيرة العرب 40   الدين و الإلحاد
16   سياج جزيرة العرب 41   الأمية في الأمم شلل
17   علي أن أعمل وليس علي أن أنجح 42   النفوس الرخوة
18   الوطنية الحقة 43   الإنسانية بين غضب الله و غضب أوروبا
19   اللغة العربية غريبة في دارها 44   افتحوا عيونكم أيها الغافلون
20   أخلاق الدجاجلة 45   العدالة تحتضر (1)
21   الألم يحرك العزائم 46   العدالة تحتضر (2)
22   الإعجاب بالنفس 47   كيف يكون الإحسان ؟
23   ضعيف النفس 48   إنما المؤمنون إخوة
24   جمعية الشبان المسلمين بمصر 49   وظيفة العقل في الإنسان
25   ماذا يراد بسكة حديد الحجاز؟ 50   أمات الرجال أم رفع القرآن؟
       
 

 

الصفحة الرئيسية  | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان  | مؤلفات أبي اليقظان  ماكتب عن أبي اليقظان  |

  أصدقاء أبي اليقظانعائلة أبي اليقظان  | صور من بلادي  | مواقع تهمك  اتصل بنا|  

 
 

أعلى الصفحة