الصفحة الرئيسية  | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان  | مؤلفات أبي اليقظان  ماكتب عن أبي اليقظان  |

  أصدقاء أبي اليقظانعائلة أبي اليقظان  | صور من بلادي  | مواقع تهمك  اتصل بنا|  

 

 

 

نحن و أنتــــم[1]

كانت القبائل في الجاهلية تحتمي بقوة العصبية و النعرة الجنسية من الغزو  و الغارات، لعدم ما يقيها في بدايتها من المدن و نظامات الحضارة، فكانت صفة الحمية على الرحم و القريب و العشير حقا كان أو باطلا خلقا من أخلاقها، وغريزة من غرائزها، فكان الحق في نظرها ما عليه أقاربها و الباطل ماعليه أضدادهم، فشاع في تلك الظروف المظلمة السلب و النهب و شن الغارات وقطع الطرقات و أخذ البريء بالمجرم و المحسن بالمسيء، و لا ذنب له إلا كونه يمت بلحمة النسب إلى ذلك، فعاشت البشرية بذلك قرونا وهي غريقة في لجج مظلمة من الفوضى الاجتماعية تقاسي فيها من المحن و المصائب ألوانا و أشكالا.

هنالك بعث الله رسوله محمد (صلى الله عليه و سلم) بالإسلام ليستأصل جراثيم الأمراض الاجتماعية ويضمد جراحات البشرية ويتمم مكارم أخلاقها و يضع أسسا و قواعد لحياتها.

من بين هاتيك الآثار الخالدة اكتساح تلك الغريزة الفاسدة وإزاحة رذيلة الحمية الجاهلية من بين تلك العروش المتناحرة و القبائل المتناطحة.

فقد غسل تلك العفونات و الأدران المتراكمة في قلوبها عصورا و أحقابا بماء الألفة و الرحمة و الاتحاد، واستعاض قوة العصبية الجنسية بقوة الإسلام العتيدة،   و أخوة الرحم الضيقة الخاصة بأخوة الإسلام العامة الواسعة النطاق، فأدخل في دائرتها كل من يعتنق الإسلام من كافة عناصر العالم فأزال سائر الفوارق و الحواجز التي بنتها فيما بينهم أيدي الأغراض و المصالح الذاتية، ولم يجعل لأحد منها على الآخر فضلا إلا بالتقوى.

فكان المقرب عنده و الأفضل لديه هو الأتقى منهم وإن كان حبشيا، والأبعد منه و المحقر عنده هو الأشد مروقا وتمردا عن دينه القويم ولو كان هاشميا.

و نصب ميزان العدل و المواساة بين الناس فكان الأمير و الحقير و الغني  و الفقير أمام الحق سواء. فعاشت البشرية طيلة هذا العصر عصر انبساط جلال الإسلام و روعته على القلوب في نعيم العدل والأخوة و الصفاء. وتحت ظلال حمايته و رعايته.

فلما أخذت هيبته تزول و مكانته تضعف من النفوس أخذت تحل محله العصبية القديمة وكلما زالت منها ذرة من جلال الإسلام خلفتها ذرة من الحمية وهكذا إلى أن آلت النفوس حالتها القديمة فأصبحت براكين تتقد حمية على الأهل و القريب، و تلتهب نعرة على الجنس و العشير، و لا أثر للإسلام هناك باق ولا أمارة تلوح، فرجع برجوعها ذلك السلب و النهب و التقتيل و التخريب والتدمير و لكن بأساليب أدهى وأمر، فكم ثلت بذلك من عروش انقرضت من دول وفنيت من أمم وانهدت من حضارات واندثرت من مدن و قرى فأصبحت خاوية على عروشها كأن لم تكن.

عند ذلك استفاق الغرب من نومه الطويل واقتبس من الإسلام شعاعا من الحضارة أنار به سبيل تقدمه ورقيه فسار أشواطا بعيدة إلى الأمام  و المسلمون أثناء ذلك ساهون لا هون مشتغلون في السفاسف والقشور منهمكون في المشاحنات و المنازعات بداعي (نحن و أنتم ) فاستغل الغرب منهم هذه الأحقاد المتوارثة واستخدمها في فائدته، وجعلتهم بفضلها آلة فتاكة ضد أنفسهم ولم يشعر المسلمون إلا و قد أصبحوا هم وبلادهم في الشرق و الغرب تحت سيطرته بما فيها من جنات و عيون و كنوز ومقام كريم و نعمة كانوا فيها فاكهين.

و بكل أسف لم توقظهم تلك الدروس القاسية من غفلتهم المطبقة ولم يتفطنوا إلى مكامن الداء فيهم بل لا زال رائد أعمالهم حركاتهم وسكناتهم (نحن و أنتم ) إلا من رحم ربك.

كفى كفى أيها السادة! من ( نحن و أنتم ) فقد جعل من قوتنا ضعفا و من عزتنا ذلة و من كثرتنا قلة و من غنانا فقرا ومن علمنا جهلا.

كفى كفى من قولكم: هذا ما لكي، هذا حنفي، هذا إباضي، هذا تيجاني، هذا قادري، هذا عربي، هذا قبائلي، هذا ميزابي، هذا شرقي، هذا غربي، هذا شمالي، هذا جنوبي، هذا من أهل البلاد الفلانية، هذا من العشيرة الفلانية، فقد فتح هذا بين صفوفنا المتراصة للغير ثغرات واسعة نفذ منها إلى نفوسنا فأجج نارها على بعضنا، و إلى قلوبنا فأعماها حقدا و بغضا على بعضنا، و إلى ألسنتنا فأطلقها ضد بعضنا و إلى أيدينا فأطلقها على بعضنا، وإلى جميع مواهبنا فعطلها أو استخدمها ضدنا و إلى جموعنا فشتت شملها، و إلى أموالنا فبددها، و إلى أخلاقنا فأفسدها،   و إلى قوميتنا فأهانها، و إلى بلادنا فجاس خلالها، و إلى ديننا فهتك حرمته، أفبعد كل هذا نبقى في (نحن و أنتم )؟

إن انعقد اجتماع عام فضه ( نحن و أنتم ) أو أسس مشروع هام هدمه (نحن و أنتم) أوعقدت شركة اقتصادية حلها( نحن و أنتم) إن تصدى بعض المصلحين لبعض فروع الإصلاح عاقه (نحن و أنتم ) أو قام أحدهم بواجب ديني أو ملي أو وطني أقعده (نحن و أنتم ) يثبت الحق على واحد فإذا أريد إخراجه منه قامت قيامة أهله فوقفوا موقف الدفاع عنه بكل ما لهم من المال و النفوذ لإفلاته من يد القصاص العادل لأجل ماذا؟ لأجل (نحن و أنتم ).

يشغر وظيف فيتزاحم عليه الطرفان كل يبذل أموالا طائلة لترشيح أحد أفراده، لا لأنه جدير بذلك ولكن لأجل (نحن و أنتم )، تقع مبايعة في شيء فيتزايد فيه اثنان من فريقين، فينتصر كل فريق لصاحبه حتى يظفر بالمبيع أو يورط صاحبه، لأجل (نحن و أنتم ).

تقع خطبة لبنت من طرفين فيزاحم كل منهما فيها الآخر حتى يفلتها عنه لأجل (نحن و أنتم ) فإذا كنت منا كان لك كل عطف و حنو و تعضيد و تشجيع، لا لأنك مصلح، مخلص في عملك، بل لأنك منا و من جانبنا ولا يعنينا أنك تقصد بذلك التشييد و العمران أو التخريب و التدمير ما دمت منا و إلينا، و إذا لم تكن منا فلا كان منك و لا من إصلاحك و إخلاصك و أي فائدة نجنيها منك

و لست منا في شيء ولا جزاء لك منا إلا التثبيط و التحقير و الاستخفاف و الازدراء، فلا صلاح إلا ما نراه نحن صلاحاً و لا فساد إلا ما نراه فسادا و مادام الشيء لم يصدر منا ولم يكن من مبتكراتنا فهو فساد، و إن كان عين الصلاح، وكل ما صدر منا فهو صلاح و إن كان عين الفساد :

وننكر إن شئنا على الناس قولهم         ولا ينكرون القول حين نقول.

يتبادل اثنان كؤوس الأخوة و الصفا ويمتزجان أرواحا و أنفاسا و يمتلئان نحو بعضهما ولاء

و إخلاصا، يتواكلان و يتشاربان ويشتركان مصالح و منافع و يتشاطران أفراحا و أتراحا شهورا وأعواما كأنهما شقيقان ثم كل بعد هذا لا تلبث أن تجدهما متنافرين متباغضين فيصبح كل منهما للآخر ـ بعد المعرفة ـ نكرة كأنه جاءه من بحر الظلمات أو من جزيرة واق واق، لا صباح و لا مساء، لا كلام و لا سلام، لأجل ماذا؟ لأجل ( نحن و أنتم).

يتصاهر اثنان ويتناولان كؤوس المودة و الحب و يتقارضان أنواع التحف  و الهدايا في الشدة والرخاء مدة مديدة فلا تلبث أن تسمع أن فلانا طلق زوجته و تصرم بينهما ذلك الحبل المتين لأجل ماذا؟ لأجل (نحن و أنتم ).

انزل أي بلد شئت واقتحم أي جمع أردت فأول ما تراه سائدا عليه و آخذا بزمامه متغلغلا فيه من كبيره إلى صغيره من عالمه إلى جاهله (نحن و أنتم ) إلا من شاء الله.

و إذا فتحت لهم بابا من الإصلاح فهل تظن أنهم يلجونه معك؟ أو حاولت إغلاق باب من الفساد عنهم فهل يتفقون على ذلك معك؟ وإذا ظفرت بمعاضدة زيد فهل تظفر بمعاضدة عمرو؟ وإذا حصلت على رضاء بكر فهل تحصل على رضاء خالد؟ لم يكن من سبب للقيام أو القعود، للسير أو الوقوف، للرضاء أو الغضب، إلا (نحن و أنتم ).

هذه طبيعة (نحن و أنتم ) وهذه نفسيتها قد حللناها تحليلا كيمياويا لمن أراد التوقي من أخطارها، فهل آن لكم أيها السادة أن تقلعوا من نحن و أنتم و إلى متى  و أنتم عاكفون على (نحن و أنتم ) وأي فائدة جنيتموها منها غير الضعف و الهوان وتعطيل المصالح الكبيرة، و إطلاق العنان للمفاسد والشرور، و إخلاء الجو للسفهاء و العابثين بحرم الوطن و الملة و الدين.

إن من الغبن و الإجحاف أيها السادة أن يجعل الحق شعارا للعشيرة الفلانية  و الباطل شامة للعشيرة الأخرى. وفي كل منهما من الأخيار و الأشرار من هو آلة للخير و الصلاح أو معول للهدم والفســاد.

أو ليس من العدل و الإنصاف أن ينحاز أهل الخير و الصلاح من الجانبين إلى جهة فيكونوا كثلة واحدة ضد أهل الشر و الفساد من الجانبين فيكون الصراع لا بين العشيرة و العشيرة بأخيارها وأشرارها، و لكن بين أهل الصلاح و بين أهل الفساد فيمتاز الحق من الباطل و الخير من الشرير؟

لقد ثبت أنه لا يصلح آخر الإسلام إلا بما صلح به أوله فالدواء الوحيد لتلك الأمراض الوبيلة هو طرح (نحن و أنتم ) جانبا، و التمسك بأخوة الإسلام العامة   و العمل بقوله تعالى: } واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا و اذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا و كنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون{.... آل عمران / 103


[1] وادي ميزاب، ع : 26 (1/4/1927)

 
المسلسل

عنوان المقال

المسلسل

عنوان المقال

1   أيها الجزائري 26   رأينا في التجنيس
2   العلم و العمل 27   التمدن الممسوخ
3   الإصلاح 28   يتقمصون في تبشيرهم بوادي ميزاب
4   الإسلام يحتضر والمسلمون يهزلون 29   الإسلام بين شقي المقراض
5   الاعتماد على النفس 30   وصايا كذاب لابنه
6   الثبات على المبادئ 31   وباء الفجور (1)
7   الثقة بالنفس 32   وباء الفجور (2)
8   أين المفر؟ 33   وباء الفجور (3)
9   نحن و أنتم 34   وباء الفجور (4)
10   الحق و مذاهب الناس فيه 35   وباء الفجور (5)
11   آخر سهم في كنانة المعمرين نحو الإسلام 36   حادث تمزيق الجواز
12   يجب الاعتماد على المؤسسات لا على الأشخاص 37   الصراحة خير علاج للأمة
13   الغيرة 38   مقياس الأمة برجالها
14   شعور الأمة نائم فماذا  ينبهه؟ 39   الانتخابات الأهلية
15   مستقبل جزيرة العرب 40   الدين و الإلحاد
16   سياج جزيرة العرب 41   الأمية في الأمم شلل
17   علي أن أعمل وليس علي أن أنجح 42   النفوس الرخوة
18   الوطنية الحقة 43   الإنسانية بين غضب الله و غضب أوروبا
19   اللغة العربية غريبة في دارها 44   افتحوا عيونكم أيها الغافلون
20   أخلاق الدجاجلة 45   العدالة تحتضر (1)
21   الألم يحرك العزائم 46   العدالة تحتضر (2)
22   الإعجاب بالنفس 47   كيف يكون الإحسان ؟
23   ضعيف النفس 48   إنما المؤمنون إخوة
24   جمعية الشبان المسلمين بمصر 49   وظيفة العقل في الإنسان
25   ماذا يراد بسكة حديد الحجاز؟ 50   أمات الرجال أم رفع القرآن؟
       
 

 

الصفحة الرئيسية  | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان  | مؤلفات أبي اليقظان  ماكتب عن أبي اليقظان  |

  أصدقاء أبي اليقظانعائلة أبي اليقظان  | صور من بلادي  | مواقع تهمك  اتصل بنا|  

 
 

أعلى الصفحة