الصفحة الرئيسية  | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان  | مؤلفات أبي اليقظان  ماكتب عن أبي اليقظان  |

  أصدقاء أبي اليقظانعائلة أبي اليقظان  | صور من بلادي  | مواقع تهمك  اتصل بنا|  

 

 

 

رأينا في التجنيس[1]

كنا نرى أن الكلام على مسألة التجنيس بأن فسادها و خطورتها من الوجهة الدينية و الملية و الوطنية كالكلام على ظلام الليل و مرارة الحنظل و سم العقرب و فرقعة الديناميت من باب تحصيل الحاصل و الاشتغال بما هو مقرر و مفروغ منه منذ فرض التوحيد على الخليقة

و لكن ما الحياة و الجهل ضارب أطنابه ببلاد الإسلام و ضعف الإيمان  و وهن  التدين و مرونة النفوس لم تزل هي السائدة بغالب المسلمين، و لغلاة الاستعمار وسائل لتخدير أعصاب المسلمين و تشغيلهم عن الدفاع عن حقوقهم الشريفة بمسائل أخرى يفنون فيها أعمارهم و يحرقون لأجلها أوقاتهم  الثمينة، و قد فصل أمرها دينهم منذ قرون و أحقاب.

و إلا فما أغنانا عن تجديد الكلام على الفضاء و القدر و السفور و تعدد الزوجات و الطلاق و قسمة المواريث و الكلام على الأزياء الإسلامية و التجنيس و التشريع الإسلامي ...إلخ.

يبذر الغربيون هذه البذور، و يبثون هذه الشبه في الأوساط الإسلامية و القرآن المجيد بين أيديها يتلى، و السنة القويمة لديها مدونة و هما قد فصلا في أمر هاتيك الشبه لأجل ماذا؟ ذلك لأجل أن يفتنوا ضعفاء الدين من المسلمين عن دينهم و ليشغلوا علماءهم بالمناقشة فيها حتى لا يفرغ الكل لإعداد وسائل الدفاع و استرداد حقوقهم المغصوبة، و حتى يبقى الجميع تحت أمر استعبادهم إلى الأبد إن تم لهم الأمر.

لقد صير صنيعهم هذا مسألة التجنيس من المسائل الكبيرة و المشاكل الخطيرة، و اصطبغت بصبغة الجد و صار الكلام عليها والاهتمام بها من أوجب الواجبات، و السكوت عنها من أكبر الكبائر و أقبح القبائح.

بل اتسعت دوائر الأبحاث فيها حتى لا يفي الكلام عنها في فصل أو فصول في صحيفة، و إنما يستلزم لها الأسفار الضخمة والمجلدات الكبار، و قد كتب فحول الكتاب فيها في تونس و الجزائر فصولا طوالا، و ألفوا فيها رسائل و كتبا، و مع هذا فالمسألة لم تزل تلوكها ألسنة البحث و التمحيص.

و قد استفزنا سكوت كثير من العلماء عن إبداء رأيهم الشرعي  فيها لا عن جهل منهم بحكمها و لكن عن خوف و جبن فقط.

و أدهى من ذلك و أمر جنوح بعض العلماء إلى تسويغها و التساهل فيها على ما هي عليه، و حيث كان الأمر هكذا رأينا من العار القبيح أن نقف إزاء هذا المشكل موقف المتفرج، فيتخذ سكوتنا إقرارا سكوتيا كما اتخذ سكوت أولئك العلماء كذلك، بل رأينا من الواجب و الحالة هذه أن نبدي رأينا فيها بكل صراحة حتى نخرج من عهدة التكليف به، و حتى يتأيد جانب الحق و ينخذل جانب الباطل و تكون كلمة الله هي العليا و كلمة الذين كفروا السفلى.

ما هو التجنيس الذي نحن بصدده؟

التجنيس الذي عرفوه هو الانسلاخ عن الجنسية الإسلامية و الدخول في الجنسية الفرنسية، بمعنى الاعتراف بفساد الشريعة الإسلامية و عدم الالتزام بأحكامها و الاعتراف بصلاحية التشريع الفرنسي الوضعي و الالتزام بأحكامه عليه و على ذريته من بعده.

ما حكم التجنيس؟

حكم التجنيس بالمعنى الذي ذكرناه هو ردة، أي رجوع عن الإسلام إلى كفر الشرك، و ذلك لقوله تعالى:

} يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود و النصارى أولياء بعضهم أولياء بعض و من يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة.. { المائدة/51

قال الأستاذ قطب الأئمة رضي الله عنه في تفسير التيسير جزء 2، صفحة 105: نزلت الآية في قوم بعد قتال أحد تخوفوا، فقال منهم أحد أنا ألحق بفلان اليهودي، آخذ منه أمانا و أتهود معه لعله تكون الدولة لليهود. و قال آخر: أنا ألحق بفلان النصراني بالشام و أتنصر معه و آخذ منه أمانا، ثم قال: قال أبو موسى الأشعري لعمر رضي الله عنه: إن لي كاتبا نصرانيا، فقال: ما لك قاتلك الله ألا تتخذ حنيفيا مسلما، أما سمعت قوله تعالى } يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود و النصارى{ فقال له دينه و لي كتابته. فقال عمر: لا تكرموهم إذ أهانهم الله، و لا تأمنوهم إذ خوفهم، و لا تدنوهم إذ أقصاهم الله. فقال: لا قوام للبصرة إلا به. فقال له: فأنت النصراني. أي فأنت مثله إذ وليته.

و لقوله تعالى } و لا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا و من يرتدد منكم عن دينه فيمت و هو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا و الآخرة و أولئك هم أصحاب النار هم فيها خالدون{

قال قطب الأيمة في التيسير جزء1، صفحة 299: "أي بطلان أعمالهم الصالحة و عوقبوا عن أعمالهم السيئة في الدنيا لا تعتبر لهم فيها بل تلغى، و لا يعصم بها ماله الذي في بلد الإسلام و لا دمه، فإنه يقتل و لو امرأة، و لا يورث و لا يرث و لا ينكح، و تبين زوجته و تؤخذ أولاده عنه"

و قال الإمام الشيخ محمد عبده في تفسير، جزء2، صفحة 326: "أي بطلت و فسدت حتى كّأن واحدهم لم يعمل صالحا قط، لأن الرجوع من الإيمان إلى الكفر يشبه الآفة يصيب المخ و القلب، فتذهب بالحياة، فإن لم يمت المصاب بعقله و قلبه فهو بحكم الميت لا ينتفع بشيء، و كذاك الذي يقع في ظلمات الكفر بعد هدي إلى نور الإيمان تفسد روحه و يظلم قلبه فيذهب من نفسه أثر الأعمال الصالحة الماضية، و لا يعطى شيئا من أحكام المسلمين الظاهرة، فيخسر الدنيا  و الآخرة

إلى أن قال: "و معنى الآيات ظاهر و هو أن المرتد لا ينتفع بأعمال الإسلام في دنياه و لا في أخراه، و ذلك أن الرجوع عن الدين رجوع عن أصوله الأساسية

و قال صلى الله عليه و سلم:" لا تتراءى نار المؤمن و المشرك إلا على حرب، أي لا تظهر نار أحدهما لنار الآخر في حال النزول للقرب إلا على حرب (تيسير، ج2، ص105) إلى غير ذلك من النصوص القرآنية و الاحاديث النبوية الدالة على أن التجنيس كفر و ردة.

كأني بقائل يقول: سلمنا أن الردة كفر، و فهمنا كل ما ورد فيها و آمنا و صدقنا به، و لكن لا نسلم أن التجنيس بالمعنى المتقدم تنطبق عليه أحكام الردة و الحال أن المتجنس يؤمن بالله و رسوله.

فنقول له: نعم إن المتجنس و إن كان يدعي أنه يؤمن بالله و رسوله، لكنه لما كان كافرا بما جاء به الرسول و الكفر بما جاء به الرسول كفر بالرسول،   و الكفر بالرسول كفر بالله، فهو كافر بالله كفر شرك و مرتد، و راجع عن الإسلام و داخل في بوتقة الكفر، و تترتب عنه أحكام المرتد جميعها في الدنيا  و الآخرة. هذا هو الحق، هذا هو الصواب، و الناس أمام الحق و الصواب سواء.

و بيان ذلك أن الكفر عندنا معشر الإباضية على قسمين: كفر نفاق و كفر شرك، و النفاق على قسمين: نفاق خيانة، أي انتهاك الحرام مع اعتقاد الحرمة، و نفاق تحليل و تحريم أي تحليل الحرام، و تحريم الحلال، لكن بالدليل و تأويل الخطأ. و كل من المنافقين نسميه مسلما أي موحدا و كافرا كفر نفاق، كما يدل عليه قوله صلى الله عليه و سلم: لا يزني الزاني و هو مؤمن، ليس بين العبد و الكفر إلا تركه الصلاة. و غير ذلك مما هو مبسوط في علم الكلام.

و حكمهما عندنا الخلود في النار إذا ماتا على الإصرار، و حكم خلودهما أن في إصرارهما حين الاحتضار على ذلك نية الإدمان و البقاء عليه على الدوام و الاستمرار، و ذلك موجب للعذاب طبعا. أما في الدين فحكمها حكم المسلم تماما.

أما كفر الشرك فهو على قسمين: شرك جحود أي إنكار الله، و شرك مساواة أي مساواة الله تعالى لغيره في شيء، كالعجز و الكذب و غيره. فإنكار رسول من الرسل أو نبي من الأنبياء أو كتاب من الكتب المنزلة أو حرف منها، كفر شرك، شرك مساواة، لما في إنكار شيء من ذلك من تكذيب الله تعالى و مساواته لغيره في الكذب، و من هذا الباب دخل المتجنس في مأزق الشرك، لأنه في انسلاخه من الشريعة الإسلامية و التزامه بالشريعة الفرنسية الوضعية إنكارا للأولى و اعترافا بالثانية، و في تركه للأولى لا على وجه الانتهاك فقط، أو تأويل الخطأ بل على وجه استحلال  المحرم، و تكذيب الله تعالى، و في تكذيبه سبحانه مساواة لغيره في الكذب، و هو شرك، شرك مساواة، كما قال العلامة المحقق أبو نصر النفوسي في نونيته:

و من رد حرفا أو رسولا فإنه     برد جميع المرسلين كفرعون

و أي ردة أكبر من الانسلاخ عن الجنسية الإسلامية و الرجوع عن شريعة الإسلام إلى اعتناق الجنسية الفرنسية و النزول في الأحكام على الشريعة الوضعية الفرنسية. أم كيف يعد المتجنس مؤمنا و الله سبحانه و تعالى يقول: } فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت و يسلموا تسليما{ النساء/65


[1] وادي ميزاب، ع:70 (17/02/1928م)

المسلسل

عنوان المقال

المسلسل

عنوان المقال

1   أيها الجزائري 26   رأينا في التجنيس
2   العلم و العمل 27   التمدن الممسوخ
3   الإصلاح 28   يتقمصون في تبشيرهم بوادي ميزاب
4   الإسلام يحتضر والمسلمون يهزلون 29   الإسلام بين شقي المقراض
5   الاعتماد على النفس 30   وصايا كذاب لابنه
6   الثبات على المبادئ 31   وباء الفجور (1)
7   الثقة بالنفس 32   وباء الفجور (2)
8   أين المفر؟ 33   وباء الفجور (3)
9   نحن و أنتم 34   وباء الفجور (4)
10   الحق و مذاهب الناس فيه 35   وباء الفجور (5)
11   آخر سهم في كنانة المعمرين نحو الإسلام 36   حادث تمزيق الجواز
12   يجب الاعتماد على المؤسسات لا على الأشخاص 37   الصراحة خير علاج للأمة
13   الغيرة 38   مقياس الأمة برجالها
14   شعور الأمة نائم فماذا  ينبهه؟ 39   الانتخابات الأهلية
15   مستقبل جزيرة العرب 40   الدين و الإلحاد
16   سياج جزيرة العرب 41   الأمية في الأمم شلل
17   علي أن أعمل وليس علي أن أنجح 42   النفوس الرخوة
18   الوطنية الحقة 43   الإنسانية بين غضب الله و غضب أوروبا
19   اللغة العربية غريبة في دارها 44   افتحوا عيونكم أيها الغافلون
20   أخلاق الدجاجلة 45   العدالة تحتضر (1)
21   الألم يحرك العزائم 46   العدالة تحتضر (2)
22   الإعجاب بالنفس 47   كيف يكون الإحسان ؟
23   ضعيف النفس 48   إنما المؤمنون إخوة
24   جمعية الشبان المسلمين بمصر 49   وظيفة العقل في الإنسان
25   ماذا يراد بسكة حديد الحجاز؟ 50   أمات الرجال أم رفع القرآن؟
       
 

 

الصفحة الرئيسية  | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان  | مؤلفات أبي اليقظان  ماكتب عن أبي اليقظان  |

  أصدقاء أبي اليقظانعائلة أبي اليقظان  | صور من بلادي  | مواقع تهمك  اتصل بنا|  

 
 

أعلى الصفحة