الصفحة الرئيسية  | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان  | مؤلفات أبي اليقظان  ماكتب عن أبي اليقظان  |

  أصدقاء أبي اليقظانعائلة أبي اليقظان  | صور من بلادي  | مواقع تهمك  اتصل بنا|  

 
 

شعور الأمة نائم، فماذا ينبهه؟[1]

طال الأمد على بعض الأمم الإسلامية المسكينة فأخمد إحساسها و أنام شعورها وسكن أعصابها حتى ذهلت عن نفسها و ضل عليها طريق العمل.

نهضت الأمم من كبواتها  ونفضت الغبار عنها و سارت خطوات شاسعة إلى الأمام، وهي تغط في فراش نومها.

زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت أثقالها فهزت العالم هزا عنيفا، وارتج ارتجاجا مخيفا، و اضطرب الشرق والغرب والشمال والجنوب، وبقيت هي تتثاءب و تتمطى كأنما لم ينلها ذلك الانقلاب المهول بذرة منه، مع أنها لم تكن في النقطة المركزية من الأرض تحت القطب الشمالي أو الجنوبي، ولكن موقعها كان في المنطقة المعتدلة الشمالية.

صفعت على قفاها من يد الدهر بلطمات، و أصيبت في أعز ما لديها بنكبات، أصيبت في دينها، أصيبت في بلادها، أصيبت في أبنائها، أصيبت في أخلاقها، أصيبت في ثرواتها، وهي لا تبدى حراكا، وإذا تصاعدت منها أنة فسرعان ما يكم فمها و يخنق نفسها، وربما تحمل على اعتبار تلك المصائب نعما جزيلة يجب عليها أن تقدم شكرها وشواهد إخلاصها عليها، و كأن الدهر تحالف مع أبنائه عليها، حتى على حرمانها من الشجو و البكاء،و خزتها من جميع جوانبها و خزات مسمومة من أيدي أعدائها فتحمل عليها حملاتها المنكرة بالسب والشتم والطعن وسائر الإهانات و أنواع التحقير، يرسل عليها أصدقاؤها المخلصون على أعمدة جرائدهم الصادقة سيالات كهربائية من اللوم و التقريع عسى أن تستفيق من نومها العميق و هي لم تزل غريقة في ضلالها و جهالتها، و هل بعد هذا الوراء وراء؟ وهل بعد هذا الموت موت؟ بربك قل لي أي قارعة تبعثها بعد كل هذه القوارع؟ و أي بوق ينبهها من نومها العميق بعد تلك الأبواق الهائلة التي لا يفوقها إلا بوق إسرافيل عليه السلام؟

و إنما ينبه شعور الأمة :

أولا: المدارس فهي تمزق غشاء النوم  و تحل معاقد أجفانها وتنبهها إلى واجبها نحو الحياة، و هذا بكل أسف لاوجود لها عندها بالشكل الذي يؤدي إلى الغاية المطلوبة منها، و إذا ما وجد منها بعض فهو ضئيل الفائدة قليل الجدوى لا يسمن ولا يغني.

ثانيا: الجرائد الوطنية الحرة فإنها تنير أمامها سبيل العمل و تأخذ بيدها إلى ما فيه الخير والصلاح،لكن هذه لاوجود لها أيضا إلا قليلا، و هذا لا يكفي أصلا وزيادة على هذا فالأمة في شغل شاغل عما تنشرها تلك الجرائد الصادقة ولا تستفيد منها شيئا إذا لا تهضمها معدتها التي لم تتعودها.

ثالثا: عقد الجمعيات و الشركات على اختلاف الأغراض و المشاريع فهي التي تجمع شتات قواتها المختلفة و تكون من مجموعها قوة عتيدة هائلة، وهذه أيضا لاوجود لها لأن نواتها العلم و الاتحاد والمال، ولاوجود لهذه لديها.

رابعا: النوادي الأدبية للقاء المحاضرات و المسامرات في مختلف المواضيع لتقويم الأخلاق و حفظ الصحة واللسان، وهذه إنما هي وليدة المدارس و فرع من فروعها و أين تزهر تلك تنبت هذه، و شأن المدارس كما قلنا سابقا.

خامسا: المجامع العلمية لاستخراج نبوغ الأمة و عبقريتها بمسابقة فرسان العلوم و الفنون في ميادينها لاستكناه أغوار العلوم و تحقيق معضلات الفنون، و التوصل إلى الاختراع و الاكتشاف، وهذه أيضا مفقودة إذ وجودها إنما  هو خلاصة من مجموع وجود المدارس، و انتشار عناصر العلوم المختلفة.

سادسا: انتشار الدعاة و المرشدين في كافة البلاد لدعوة الأمة و إرشادها إلى ما فيها خيرها و سعادتها في الدنيا والآخرة، وهؤلاء إنما تلدهم المدارس و الكليات الكبرى و تنبعهم منابع البطولة و التضحية، وهذه لاوجود لها.

لقد تسلطت على الأمة عوامل ثلاثة لو تسلط عامل واحد منها على أمة كبيرة لزعزع ركنها وهد بناءها ألا و هو الجهل و الفقر والافتراق.

فالجهل أفقدها الشعور، أفقدها الشعور بوجودها و كيف تذب عليه،و الفقر أقعدها عن العمل، وشل أعضاءها عن الحركة، والافتراق أذاب قوتها و ذهب بريحها،  فبقيت والحالة هذه عرضة للتلف و الهلاك والاضمحلال، فاستغراقها في ذلك النوم المطبق نتيجة طبيعية لتلك الحالة المحزنة التي كان منشأ بركانها الظلم والاستبداد.

نعم تنبهت أعصابها قليلا فقامت كما يقوم النائم وقد أغرق في الأحلام ذاهلة مذعورة تتلمس الطريق يمنة و يسرة و قد مضى عليها أمد مديد و هي كذلك لم تهتد إلى وجه الصواب شأن كل أمة إبان قيامها من سباتها.

حاولت تأسيس الشركات فأخفقت، و عقد الجمعيات فخابت، و فتح المدارس فلم تفلح، و فتح النوادي ولم تنجح، وإنشاء الصحف ولم تصلح، فضاعت أثناء ذلك أموال و أوقات و ذهبت ضحية التجربة والاختبار، وهو دور كان لابد من اجتيازه لكل شعب يريد النهوض من كبوته، وهذه دروس قاسية و إن كانت كافية لأن يرسم منها خطة للحياتين مستقيمة و منهاجا للسعادتين قويما، ولكن رغم كل تلك الامتحانات و الاختبارات والتجارب بتلك الدروس الهائلة فالأمة لا تزال في حيرتها و شعورها بالوجود الحقيقي لا يزال راكدا خامدا لم ينتبه لواجباتها كما يجب.

خطب الخطباء ونصح الشعراء و كتب الكتاب و نادى المصلحون على الإصلاح و الإصلاح و لكن لم تزل الأمة في شغل شاغل عن هذا كله، الجاهل في جهله و المنافق في نفاقه، والمفسد في فساده، و الفاسق في تهتكه  و انهماكه، بل لم نر للجهل إلا إمعانا و تمكنا، و لا للفساد إلا شيوعا و ذيوعا ولا للإلحاد و الزندقة إلا تسربا و تغلغلا، و لا للتهتك والانهماك إلا فشوا و انتشارا، كأن ما يبذله المصلحون مواد مفرقعه  تزيد الحريق التهابا والعمران خرابا، ولا غرو في ذلك فإزاء تلك القوة الإصلاحية الضئيلة حركة أخرى مضادة لها راسخة الأصول متشبعة الفروع تغذيها و تمدها قوة أخرى وسواعد مختلفة لا يمكن التغلب عليها إلا بتوحيد الجهود و جمع ما تشتت من القوى و ما بدد من المواهب و لن يتسنى هذا و المصلحون قليل و هم أنفسهم تنقصهم الكفاءة والمران.

إن معالجة أدواء الأمة لا تكون إلا باكتساح تلك الأصول المبيدة : الجهل و الفقر والافتراق و غرس بذور الحياة فيها: العلم والثراء و الاتحاد، و لن يحصل شيء من هذا بالأماني و الأحلام أو مجرد القول و فوار الفم، ولكنه يحصل بتوجيه العزائم و تحريك الهمم وصدق الطلب و الإخلاص و الصبر و الثبات.....


[1]  وادي ميزاب، ع : 42 (19/07/1927)

 

 

المسلسل

عنوان المقال

المسلسل

عنوان المقال

1   أيها الجزائري 26   رأينا في التجنيس
2   العلم و العمل 27   التمدن الممسوخ
3   الإصلاح 28   يتقمصون في تبشيرهم بوادي ميزاب
4   الإسلام يحتضر والمسلمون يهزلون 29   الإسلام بين شقي المقراض
5   الاعتماد على النفس 30   وصايا كذاب لابنه
6   الثبات على المبادئ 31   وباء الفجور (1)
7   الثقة بالنفس 32   وباء الفجور (2)
8   أين المفر؟ 33   وباء الفجور (3)
9   نحن و أنتم 34   وباء الفجور (4)
10   الحق و مذاهب الناس فيه 35   وباء الفجور (5)
11   آخر سهم في كنانة المعمرين نحو الإسلام 36   حادث تمزيق الجواز
12   يجب الاعتماد على المؤسسات لا على الأشخاص 37   الصراحة خير علاج للأمة
13   الغيرة 38   مقياس الأمة برجالها
14   شعور الأمة نائم فماذا  ينبهه؟ 39   الانتخابات الأهلية
15   مستقبل جزيرة العرب 40   الدين و الإلحاد
16   سياج جزيرة العرب 41   الأمية في الأمم شلل
17   علي أن أعمل وليس علي أن أنجح 42   النفوس الرخوة
18   الوطنية الحقة 43   الإنسانية بين غضب الله و غضب أوروبا
19   اللغة العربية غريبة في دارها 44   افتحوا عيونكم أيها الغافلون
20   أخلاق الدجاجلة 45   العدالة تحتضر (1)
21   الألم يحرك العزائم 46   العدالة تحتضر (2)
22   الإعجاب بالنفس 47   كيف يكون الإحسان ؟
23   ضعيف النفس 48   إنما المؤمنون إخوة
24   جمعية الشبان المسلمين بمصر 49   وظيفة العقل في الإنسان
25   ماذا يراد بسكة حديد الحجاز؟ 50   أمات الرجال أم رفع القرآن؟
       
 

 

الصفحة الرئيسية  | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان  | مؤلفات أبي اليقظان  ماكتب عن أبي اليقظان  |

  أصدقاء أبي اليقظانعائلة أبي اليقظان  | صور من بلادي  | مواقع تهمك  اتصل بنا|  

 
 

أعلى الصفحة