الصفحة الرئيسية  | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان  | مؤلفات أبي اليقظان  ماكتب عن أبي اليقظان  |

  أصدقاء أبي اليقظانعائلة أبي اليقظان  | صور من بلادي  | مواقع تهمك  اتصل بنا|  

 
 

سياج جزيرة العرب[1]

بينا فيما سلف ما لأمراء جزيرة العرب الإمام الخليلي و الإمام يحي و جلالة ابن السعود من الجهود العظيمة و الأعمال الكبيرة و الآراء السديدة و النظرات البعيدة لإصلاح حالة الجزيرة وإعزاز شأن العربية وإعلاء كلمة الإسلام، كل في حيزه ومداره، وتفاؤلنا إذ ذاك خيرا بما سيؤول إليه أمر البلاد العربية  من الحضارة و العمران و الرقي الحقيقي و الإسلامي.

و الآن نبين كيف يمكن تسييج حديقتهم الغناء وحمايتها من اللصوص حتى تثمر ثمراتها المفيدة فيقتات بها الإسلام ويشعشع بها روح الدين.

لا يخفى أن في انفراد كل في حيزه و انزوائه عن أخيه، و عدم الشعور بغيره، و قلة الاعتداد به، مسربا للجفاء وسوء الظنون و فتور العلائق، و ثغرة واسعة للتدخل الأجنبي، ومجالا لدس الدسائس، و مرعى خصيبا لبذر بذور النفرة      و الشقاق لتفكيك أوصال الوحدة العربية باسم المصالح التمدينية.

لقد أرتنا الظروف مغبة ذلك الانفراد و الانزواء من اختلاء ذئاب الاستعمار بقطعان من أغنام الأمم الضعيفة، وما أنجر عن ذلك من الويلات و المصائب، و لقد ذاق أبناء الغرب لذة تلك الغنائم الباردة فكانت سياستهم نحو الأمم المغلوبة على أمرها مؤسسة على قاعدة( فرق تسد) و كل سعي من شأنه جمع المسلمين    و ضم شتاتهم و توحيد كلمتهم يعد في نظرهم جريمة كبرى، مناقضا لمصلحتهم، و الساعي فيه يسمونه باسم العدو اللدود، يعملون على خضد شوكته وتوهين قوته، وتطويقه بدائرة حديدية، تحول دون أعضائه وسواعده ماوجدوا لذلك سبيلا.

وبالعكس كل من يسعى لتبديد شمل أمته ويعمل لفت ساعدها وقتل روح الحياة و النهوض فيها فهو الصديق المخلص يستحق كل تشجيع و تنشيط وكل تحميد و تقديس إن الانفراد و الانزواء ـ وإن لم تكن فيه مضرة ـ لكن فيه قطع المنفعة و الحرمان منها وفي ذلك من الضرر ما لا يخفى.                                          

إن لكل أمراء الجزيرة قوة لا يستفيد أحدهم بها من الآخر ما دام منفردا في حيزه منزويا في داره، و لكن بتعاونهم و تبادل المصالح بينهم تتضامم القوات  و تتماسك أجزاؤها، فتصبح يد كل مع قوته قوة الآخرين فيكون في كل منهم قوة المجموع العتيدة، و في الانزواء و الانفراد تجريده من تلك القوة المعنوية الهائلة.

و لهذا فإنا نرى من المحتم و قد قربت الأبعاد، و طويت المسافات الشاسعة-  السعي الحثيث من كل جانب لعقد حلف ودي بينهم يوطد علاقاتهم، ويؤيد روابطهم و ينظم طرق التعاون بينهم، و يوحد أهواءهم لكي يتسنى لهم أن يسيجوا جزيرتهم بسياج من المنعة، ويسوروها بسور من القوة حتى يقطعوا أطماع الأجانب و أغراضهم السيئة نحوهم.

قد يقال إنه لا موجب لعقد حلف، مادامت العلائق بطبيعتها حسنة لا تستوجب التوطيد، إذ في ذلك إيذان بأن العلائق ما فيه، و الأمر بخلاف ذلك، ونحن نرى في هذا التعجل تملصا و هروبا من التقيد بقيود الحلف، وترك الباب مفتوحا بحرية العمل، على أن العلائق مهما بلغت من المتانة، فتوطيدها بالحلف يجعلها في دائرة من النظام مضبوطة بها، يمكن استثمارها كما يجب ويتركها في مأمن من أن تتلاعب بها أصابع الدسائس كما هو الواقع.

لقد أعطتنا أوروبا درسا مفيدا وعلمتنا كيف يكون الحلف وجمع ذرات القوى المتناثرة يتكون بها سور حديدي لمواجهة الطوارئ، و أرتنا كيف نتناسى الأحقاد إزاء المصالح المشتركة، وكيف نجلس على مناضد المؤتمرات وكيف نتفاوض ونتذاكر، و كيف تدرس طبقاتها أحوال بعضها و كيف تـنـتـهز لذلك الفرص و المناسبات، وكيف تختلق الأسباب لتبادل الزيارات و حل المشاكل، وكيف تختار الأكفاء من أبنائها لتمثيلها في العواصم و المجالس العامة لشؤونها العامة.

و إذا كانت تفعل كل ذلك و غيره، وهي في عزتها ومنعتها و على ما هي عليه من الاختلاف في الجنس و اللغة و الدين و المناخ و التباين في المنازع  و الغايات، فهل من العسير أن يحتذي حذوها في ذلك أمراء الجزيرة و هم أحوج الناس إلى بعضهم، و قد جمعتهم و ألحمت بينهم لغة واحدة ودين واحد و جنس واحد و مناخ واحد و منزع واحد و غاية واحدة؟

نعم ليس من العسير عليهم أن ينسجوا على منوالها فيعقدوا مؤتمرات عامة لحل مشاكلهم، ووضع أسس الحلف بينهم و مؤتمرات خاصة علمية و اقتصادية و غيرها و يتبادلون السفراء و القناصل لتمثيل كل لدى الآخر في بلاده. بصرف النظر عن المذاهب و القبائل.

ليس من العسير عليهم أن يتبادل طبقاتهم العليا الزيارات فيزور الأمراء الأمراء، و الوزراء الوزراء، و النواب النواب، و العلماء العلماء، الخ. فتدرس كل طبقة أحوال بعضها فيستفيد كل من كل، ويقتبس من تجاربه و اختباراته كما تفعل الأمم الغربية.

و لماذا نسمح بزيارة ملك إيطاليا للندرة، وجورج الخامس لرومة، و بريان للندرة، و تشاميرلان لباريس، بل نسمح بزيارة الملك فؤاد للعواصم الأوروبية، و السلطان فيصل لها الخ، ولا نسمح بزيارة جلالة ملك الحجاز لليمن و عمان،  و الإمام يحي للحجاز و عمان، و الامام الخليلي لليمن و الحجاز؟ فما هذا التحرز الغريب أو ليست في زيارة هذه البلاد من الفوائد الجليلة ما يدعو إلى ذلك؟

أوليس من المخجل أن تبقى عواصم أولئك الأمراء خالية من ممثليهم فيها إلى الآن مع قربهم وتجاورهم ومسيس حاجتهم إلى بعضهم؟

نعم لا إياس ولا قنوط من ذلك رغم عواصف الدساسين، فلقد تضافرت أقلام الكتاب وقادة الأفكار في الشرق العربي على وجوب توحيد الكلمة العربية وإفراغها في قالب من الحلف جديد، ولا يغيب عن ذاكرة أبناء العربية ما أفاض فيه الشيخ رشيد رضا و أمير البيان شكيب أرسلان و الشيخ سليمان الباروني و الشيخ الثعالبي و إضرابهم لجمع شتات العرب و توحيد أهوائهم.

و لئن نسي القارئ فلا ينسى فصول الشيخ رشيد رضا الممتعة في (مناره) إذ كانت غراء و لحاما بين أمراء جزيرة العرب، ولئن نسي فلا ينسى تنقلات الشيخ الثعالبي في البلاد العربية وخطبه الرنانة التي تحرك أوتار القلوب الحساسة.

و لئن نسى فلا ينسى ما يفيض به قلم أمير البيان شكيب مما يخصب مرعى الألفة و الولاء و الإخلاص إلى قلوب أبناء العروبة، ولا تزال نغمة حديثه مع الأمير محمد بن الإمام يحي في البندقية ترن في الأذان، والى القارئ الكريم نبذة منها نقلا عن (الشورى) الغراء حيث أفاض الأمير شكيب في موضوع وحدة الأمة العربية واتحاد ملوك العرب على شكل حلفي فسره جدا ما أنس من الأمير محمد ورفاقه من الارتياح الزائد إلى هذا الموضوع وما لحظه من تخمر هذه الفكرة في اليمن كما في الشام، إلى أن انتهى حديثه بوجوب صرف الجهود إلى الوحدة العربية وملا شاة الفروق المذهبية من بين العرب، وقال الأمير شكيب إن الأمة العربية تتوقع من جلالة الإمام نفسه السهر على سياسة المساواة بين أهالي اليمن بحيث تبطل نغمة زيدي و شافعي التي نعلم أن الإمام يمقتها أشد المقت، وأنه يعاقب من يتكلم بها، فأجابه سمو الأمير بما يفيد شدة اهتمام جلالة والده بهذه المساواة وهذه الوحدة.

و لئن نسي فلا ينسى ما سال من قلم ذلك المجاهد الشيخ سليمان الباروني في توحيد الكلمة العربية ولا سيما ما أبداه في خطبته الرنانة وقصيدته العصماء إثرها  يوم الجمعة الأولى من ربيع الأنور 1345هـ بالجامع الأعظم بنزوى[2].


[1]  وادي ميزاب، ع : 50 (23/09/1927)

[2]  راجع المنهاج، ج 5، م1، ص،277

 
المسلسل

عنوان المقال

المسلسل

عنوان المقال

1   أيها الجزائري 26   رأينا في التجنيس
2   العلم و العمل 27   التمدن الممسوخ
3   الإصلاح 28   يتقمصون في تبشيرهم بوادي ميزاب
4   الإسلام يحتضر والمسلمون يهزلون 29   الإسلام بين شقي المقراض
5   الاعتماد على النفس 30   وصايا كذاب لابنه
6   الثبات على المبادئ 31   وباء الفجور (1)
7   الثقة بالنفس 32   وباء الفجور (2)
8   أين المفر؟ 33   وباء الفجور (3)
9   نحن و أنتم 34   وباء الفجور (4)
10   الحق و مذاهب الناس فيه 35   وباء الفجور (5)
11   آخر سهم في كنانة المعمرين نحو الإسلام 36   حادث تمزيق الجواز
12   يجب الاعتماد على المؤسسات لا على الأشخاص 37   الصراحة خير علاج للأمة
13   الغيرة 38   مقياس الأمة برجالها
14   شعور الأمة نائم فماذا  ينبهه؟ 39   الانتخابات الأهلية
15   مستقبل جزيرة العرب 40   الدين و الإلحاد
16   سياج جزيرة العرب 41   الأمية في الأمم شلل
17   علي أن أعمل وليس علي أن أنجح 42   النفوس الرخوة
18   الوطنية الحقة 43   الإنسانية بين غضب الله و غضب أوروبا
19   اللغة العربية غريبة في دارها 44   افتحوا عيونكم أيها الغافلون
20   أخلاق الدجاجلة 45   العدالة تحتضر (1)
21   الألم يحرك العزائم 46   العدالة تحتضر (2)
22   الإعجاب بالنفس 47   كيف يكون الإحسان ؟
23   ضعيف النفس 48   إنما المؤمنون إخوة
24   جمعية الشبان المسلمين بمصر 49   وظيفة العقل في الإنسان
25   ماذا يراد بسكة حديد الحجاز؟ 50   أمات الرجال أم رفع القرآن؟
       
 

 

الصفحة الرئيسية  | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان  | مؤلفات أبي اليقظان  ماكتب عن أبي اليقظان  |

  أصدقاء أبي اليقظانعائلة أبي اليقظان  | صور من بلادي  | مواقع تهمك  اتصل بنا|  

 
 

أعلى الصفحة