الصفحة الرئيسية  | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان  | مؤلفات أبي اليقظان  ماكتب عن أبي اليقظان  |

  أصدقاء أبي اليقظانعائلة أبي اليقظان  | صور من بلادي  | مواقع تهمك  اتصل بنا|  

 

 

 

وباء الفجور(1)[1]

خلق الله النوع البشري وأحاطه بأنواع من الوقاية والصيانة وخصه بأصناف  من التكريم والتفضيل ليبقى ذلك النوع ممتد العمر طول عمر الدنيا حتى تتم حكمة الله تعالى بخلقه من جعله خليفته في أرضه.

وبقدر ما وقاه وصانه ووعد من يعمل لتنمية النوع وبقائه الخير الجزيل فإنه سبحانه شدد النكير على كل من يعمل لخرم النوع وتوعد بصارم العقاب  من يسعى في قطع  جرثومته من الأرض ولو بسبب ما.

خلق خلقه ولم يخلقهم عبثا ولم يتركهم سدى، بل خلقهم لأسرار عظيمة  وحكم بليغة وأرسل إليهم الرسل وأنزل إليهم الكتب، وكلفهم بتكاليف وشرع لهم شرائع وحد لهم حدودا يقفون عندها، وخط لهم معالم ينتهون إليها، كل ذلك مراعاة لمصالحهم ودفعا للمفاسد عنهم.

كان من بين تلك الشرائع والحدود تحريك كل ما فيه مقاومة بقاء النوع البشري أو إفساد سيره في أرضه من القتل وأسبابه، والزنا ومقدماته، والسرقة وتوابعها، وكان الجزاء في ذلك من جنس العمل، فالقتل بالقصاص، والزنا بالرجم، والسرقة بقطع اليد، وهكذا .

وقد جعل من سنته تخصيص العقاب بمرتكب الجريمة إذا خصت وتعميمه إذا عمت فحق بمقتضى هذه السنة أمما وأباد  شعوبا واستأصل قبائل.

تطور بالبشر التشريع وتجددت الأحكام ولكن القتل والزنا وما فيه مقاومة النوع البشري بقي هو  في حكم التحريم المحظور في جميع الشرائع فلم يرد في شريعة من الشرائع أو في كتاب من الكتب السماوية في عصر من العصور تحليل القتل بغير حق، أو تحليل الزنا على الإطلاق بل لا تزال ترد أحكام التشديد  في ذلك وتنزل آيات العقاب والصرامة عليه، بقدر ما تسرف الجمعية البشرية فيه وتنهمك في لججه وتتلظى في حريقه.

ورغما من كل ذلك فإن النفوس لم ترعو ولم تنته عن غيها ولم تعتبر بعبر الدهر وقوارع الزمان، بل مازالت تلج في طغيانها ولم تزل نزاعة إلى اللذائذ والشهوات البهيمية بدون أن تقدر لذلك حسابه أو أن تعرف ما في ذلك من الوبال والدمار والخراب.

إن أكثر ما يكون ثورانها وتشتد غلمتها عندما تغرب شموس النبوءات ويغيب نور أقمارها ويظلم الجو ويسود أفق البشرية وتفيض أنهر الترف والنعيم على الأمم، ولكن جرت سنة الله تعالى في هذه الأحوال أن يرسل أثرها سوط عذابه ويصب على تلك الأمم جام غضبه وسخطه " } وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها  تدميرا { الإسراء/16

لم يجعل الله سبحانه وتعالى  في خلقه تلك العفة ظلما  وجورا فإنه لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون و إنما جعلها لحكم عالية اقتضاها العدل ونظام الكون لما في جريمة القتل وجريمة الزنا من المفاسد الكبيرة والشرور الوبيلة : أما مفاسد القتل فهي بادية للعيان لنفس الغريزة البشرية فلا حاجة لتفصيلها الآن.

وأما مفاسد الزنا فنحن نلخصها فيما يلي :

أولا: من الوجهة الدينية  فإن في اقتراف هذه الجريمة الشنعاء هتكا لما حرمه الله في كتبه على ألسنة رسله وتسفيها لما جاء في ذلك من الآيات البينات والأحاديـث والأخبار وتعرضا لغضب الله وسخطه في الدنيا والآخرة فقد قال تعالى  :

} ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا { الإسراء/32.

} والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما. يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا. إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما { الفرقان/70

}  قل تعالوا اتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم  من إملاق نحن نرزقكم و إياهم و لا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون { الأنعام/151

"إن الشيخ والشيخة إذا زنيا فأرجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم" هـذه الآية  نسخ لفظها وبقي حكمها، هذه بالنسبة للمحصن وأما بالنسبة للبكر فقوله:  } الـزانية والزاني  فاجلدوا  كل واحد منهما مائة جلدة  ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله  إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الأخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين { النور/2

} قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون { الأعراف/32

} إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى و ينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم  لعلكم تذكرون{ النحل/90

إلى غير ذلك  من الآيات  الزواجر التي تلهب نارا على مرتكبي تلك الجريمة بأي نوع من أنواعها وقد قال صلى الله عليه وسلم " لا يزني الزاني وهــو مؤمـن"  "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها فقد حقنوا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها قيل وما حقها يارسول الله قال: زنى بعد إحصان و ارتداد بعد إيمان وقتل النفس ظلما وعدوانا".  "بشر الزاني بالفقر والعمي ولو بعد حين."

وقد ورد  في الأثر ما معناه " أن في جهنم واديا يجري من الصديد الذي يسيل من فروج الزناة يستعيذ من نتن رائحته أهل جهنم " إلى غير ذلك من الآثار التي تدل على فظاعة وشناعة تلك الجريمة ناهيك بها جرما وقبحا أن النصوص سوت  في الجزاء بينها وبين جريمة القتل فكما حكمت على مرتكب هذه بالقتل كذلك حكمت على مرتكب  تلك به إلا أن الأول بكيفية أسهل وهي القتل بالحد، والثاني بكيفية أشق وهي القتل رجما لأن كلا منهما قاتل إلا أن الثاني بطريق أفحش وإنما خفف على غير المحصن مراعاة لحاله لا تهوينا من شأن جريمته.

ثانيا: من الوجهة الصحية فقد قرر حذاق الأطباء أن جريمة الزنا بأنواعها بلاء مبرم قد تسلط على الجمعية البشرية فأخرج بني البشر عن الحدود الطبيعية وفتك بوظائف أعضاء التناسل فتكا فظيعا  أسقطها عن حدها الطبيعي وحمل الإنسان على أن يلقي بحياته المقدسة بإختياره إلى التهلكة حيث قاده إلى صرف ماء حياته وإراقته بوسيلة خارجة عن حدود وقواه الطبيعية وقد تحدث بذلك أمراض خطيرة سارية.

منها: مرض الزهري، وهو يكون من تأثير سم يقال له فيروس يدخل في جسم الإنسان من كثرة الاختلاط وهو في البداية  يظهر على هيئة بقع أو قروح صغيرة على أعضاء التناسل ولا يلبث طويلا حتى يمتص ويجذب إلى داخل البدن فيحدث فيه النتائج الوخيمة التي وإن كانت لا تقتل الإنسان للحال إلا أنها من حيث تأثيرها في حياته وتغييرها أحوال الطبيعة البشرية منه وتخريبها لبنية الجسم ونزعها القوة فهي تضر لذلك بالجسم والحياة ضررا بليغا وتؤثر في المعيشة تأثيرا عظيما. أما الأعراض التي تحدث عن الزهري وتعقبه فإنها تظهر في جلد الإنسان وفي غشائه المخاطي وجهازه العصبي وأعضائه الحسية وفي عضلاته وعظامه وأعضائه الداخلية أيضا وقد تنشأعن ذلك في المحلات المذكورة علل مختلفة تظهر في مدة معينة تباعا لا دفعة واحدة، و منها التعقيبة وهي التهاب مجرى البول وتسري عدواه بكثرة الاختلاط  ويكون أول حصولها بمس قيحها عضو الرجل التناسلي من عضو امرأة مبتلية بذلك.

أما أعراضها فهي احتراق في رأس الذكر وتآكله بعد بضعة أيام من الملامسة  و التلقح بسمها وظهور مائع أبيض في طرف مجرى البول والشعور بألم و احتراق عند خروجه وسير الالتهاب من رأس العضو إلى عمقه وعندما تصل الدرجة إلى الحدة يشتد الألم عند التبول ويحدث الانتشار في القضيب.

ومن شأن هذه العلة الالتهابية وصولها إلى آخر عمق المجرى وحصول الدرجة الحادة كثيرا و امتدادها على عنق المثانة وإلى المثانة أيضا والعياذ بالله.

ومنها سيلان المني الذي ينتج إذا لم يتدارك بالمعالجة السريعة الضعف وعدم الاقتدار على مساواة الرجال ومنها غير ذلك.

ثالثا: من الوجهة الخلقية فإن الزاني لارتكابه جريمة الزنا وإدمانه عليها تفسد أخلاقه ويموت إحساسه وتقل غيرته ويخمل فكره وتتبلد قريحته وتتغير خيالاته كما يتغير لون وجهه ويخف نظره وتكثر هواجسه ويخاف من كل شيء ويميل إلى الانفراد ويستوحش من الجماعات وقد يصبح أحيانا مجنونا أو معتوها .

ولا يخفى ما ينتج عن هذه الأخلاق الفاسدة من الكذب والسفه والوقاحة والبذاءة و ارتكاب الجرائم الأخرى من ترك الواجبات و انتهاك المحرمات من الإدمان على الخمور وسلب أموال الناس و الاعتداء على أشخاصهم  إلخ .

رابعا: من الوجهة الاقتصادية، فإن الزاني بانهماكه في جريمة الفحش يضطر  لتبديد أمواله وتبذيرها في كل ما يستلزمه من أنواع القصف  والمجون وهو لاستهتاره في ذلك تنصرف همته عن الاشتغال بالكسب وتحصيل المال وبالطبع إذا فتح على نفسه أبواب الإسراف والتبذير على مصارعها وأغلق  بيده أبواب الدخل يصبح عاجلا أو آجلا  بائسا فقيرا " بشر الزاني بالفقر والعمي ولو بعد حين "وكم بددت لذلك من أموال وكم خربت من ديار وأصبحت خرابا تذروها الرياح.

خامسا: ومن الوجهة الأدبية ، فإن الفاجر لمخالفته أوامر دينه وتمزيقه ثوب العفاف وهتكه شرف العائلات وظهوره في مظهر المجرم الفاسد الخلق يرمق من الهيئة الاجتماعية بعين الاستخفاف و الازدراء يعد لديها في زمرة الأنذال السفهاء  الساقطين لا قيمة له ولا مجد ولا شرف اللهم إلا عند أمثاله من الأسافل وسقط المتاع.

سادسا : من الوجهة العائلية فإن الزاني بعدوله و انحرافه عن عائلته إلى الزنا تتفكك روابط الزوجية بينهما وتفسد علائقهما ويضطرب حبل المحبة والصفا بينهما فيعيش كل منهما في نزاع وخصام، ويتهدم بذلك النظام العائلي ويذهب كل منهما في واد، وقد يسري ذلك على كل من له علاقة بهما ويرتطم  في حريق الفاحشة، وهي نتيجة طبيعية  بجريمته الأولى "والزاني يزنى به ولو بجدار بيته".

سابعا: من الوجهة التناسلية فلأجل سريان داء الزهري إلى الأبوين من الزنا وفساد  دمهما بذلك الداء الفتاك يسري طبعا إلى النسل، فيولد الولد إما أبكم أو أصم أو أعمى أو مقعد أو أعـرج أو نحو ذلك من الـعاهات المزمنة، وهذا النسل لا محالة عقيم لا ينتج وإذا أنتـج عقم ما بعده، ولهذا قـيل " الخمر والزنا مقراضان للنسل "  هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن الزاني لعدم تمحض الولد له تقل غيرته عليه وحمايته له ومن جهة ثالثة فإن الزنى لتخليطه بين الأنساب وتشويشه مجرى الولاء والقرابة يغدو الولد غريبا دخيلا محروما من الميراث محروما من عطف القرابة وحماية أولي الأرحام، فيعيش  لذلك كله مهملا شريدا وشقيا تعيسا هائما على وجهه لا قلب يرحمه ولا نفس تعطف عليه، و ليس الذنب ذنبه ولكن ذنب والديه الفاجرين.

ثامنا: من الوجهة الاجتماعية فإن فاحشة الزنا إذا اندلع لهيبها وشب حريقها في أمة وسرى فسادها من الوجهات المتقدمة إلى كل فرد من أفراد الهيئة الاجتماعية  فكيف يصبح حالها؟ وإلى ما يؤول إليه أمرها؟ لاشك أنها تصبح بؤرة للمفاسد ومستنقعا كريها من مستنقعات الشرور، ومزبلة من مزابل الغواية والسقوط والنذالة، وليس وراء آكامها إلا الخراب والدمار و الانقراض و الاضمحلال والزوال ..


[1]  وادي ميزاب، ع : 90 (6/07/1928).

المسلسل

عنوان المقال

المسلسل

عنوان المقال

1   أيها الجزائري 26   رأينا في التجنيس
2   العلم و العمل 27   التمدن الممسوخ
3   الإصلاح 28   يتقمصون في تبشيرهم بوادي ميزاب
4   الإسلام يحتضر والمسلمون يهزلون 29   الإسلام بين شقي المقراض
5   الاعتماد على النفس 30   وصايا كذاب لابنه
6   الثبات على المبادئ 31   وباء الفجور (1)
7   الثقة بالنفس 32   وباء الفجور (2)
8   أين المفر؟ 33   وباء الفجور (3)
9   نحن و أنتم 34   وباء الفجور (4)
10   الحق و مذاهب الناس فيه 35   وباء الفجور (5)
11   آخر سهم في كنانة المعمرين نحو الإسلام 36   حادث تمزيق الجواز
12   يجب الاعتماد على المؤسسات لا على الأشخاص 37   الصراحة خير علاج للأمة
13   الغيرة 38   مقياس الأمة برجالها
14   شعور الأمة نائم فماذا  ينبهه؟ 39   الانتخابات الأهلية
15   مستقبل جزيرة العرب 40   الدين و الإلحاد
16   سياج جزيرة العرب 41   الأمية في الأمم شلل
17   علي أن أعمل وليس علي أن أنجح 42   النفوس الرخوة
18   الوطنية الحقة 43   الإنسانية بين غضب الله و غضب أوروبا
19   اللغة العربية غريبة في دارها 44   افتحوا عيونكم أيها الغافلون
20   أخلاق الدجاجلة 45   العدالة تحتضر (1)
21   الألم يحرك العزائم 46   العدالة تحتضر (2)
22   الإعجاب بالنفس 47   كيف يكون الإحسان ؟
23   ضعيف النفس 48   إنما المؤمنون إخوة
24   جمعية الشبان المسلمين بمصر 49   وظيفة العقل في الإنسان
25   ماذا يراد بسكة حديد الحجاز؟ 50   أمات الرجال أم رفع القرآن؟
       
 

 

الصفحة الرئيسية  | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان  | مؤلفات أبي اليقظان  ماكتب عن أبي اليقظان  |

  أصدقاء أبي اليقظانعائلة أبي اليقظان  | صور من بلادي  | مواقع تهمك  اتصل بنا|  

 
 

أعلى الصفحة