الصفحة الرئيسية  | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان  | مؤلفات أبي اليقظان  ماكتب عن أبي اليقظان  |

  أصدقاء أبي اليقظانعائلة أبي اليقظان  | صور من بلادي  | مواقع تهمك  اتصل بنا|  

 

 

 

وباء  الفجــور(2)[1]

أسباب الزنا ومقدماته :

بينا فيما سلف مفاسد الزنا ونتائجه الوخيمة من حيث الدين والصحة  والخلق و الاقتصاد والعرض والعائلة والنسل و الاجتماع.

والآن نبين هنا أسباب الزنا ومقدماته ومساربه حتى يكون من يشفق على نفسه على يقظة وحذر من أن يمتد إليه لسان حريقه فيلتهمه.

وإنما قدمنا الأولى عن هذه  مع أن تلك المفاسد كنتيجة طبيعية لهذه لمزيد ارتباطها بحكمة التحريم ولشدة أهميتها.

إن للزنا أسبابا عديدة ومقدمات كثيرة إذا حصل من الإنسان أحدها يوشك أن يقع فيه ولهذا نهانا سبحانه وتعالى عـن القرب من الزنا لا عن الزنا فقط فـقال } ولا تقربوا الزنا انه كان فاحشة وساء سبيلا { الإسراء/32

وأمرنا بـغض البصر فـقال: }   قل للمؤمنين  يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحـفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جـيوبهن{   النور/31 

وأمـر النساء بالحجاب فقال: } وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلك أطهر لقلوبكم وقلوبهن{ الأحزاب/53

 }يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين { الأحزاب/59

كـل هذا تفاديا مما تجر إليه تلك المقدمات من النتائج الفاسدة والعواقب الوخيمة كما هو مشاهد محسوس في هذا العصر عصر الديوثة والدعارة والبغاء لما نبذ أبناؤه تلك التعاليم الإسلامية العالية  أما أسبابه، فمنها ما يأتي  :

أولا: الجهـل، والجهل علة العلل في كل مفسدة فإن المرء إذا كان جاهلا غمرا لا يعرف مضار الزنا وعواقبه ولا حكم الله فيـه وصارم عقابه عليه ولا يدري ما هي قيمته ومنزلته في الهيئة الاجتماعية فيحافظ عليها فهو كالبهيمة متى لاحت له شهوة وثب إليها بدون تدبر في العواقب ولا يـزال يتهافت على مزابل الزنا تهافت الذباب على القمامات والأوساخ ولا يلبث أن يذهب ضحية جهله وجنونه فيخسر دينه وصحته وماله وعرضه وشرفه ويزول مـن الوجود كأن لم يكن غير مأسوف عليه.

ثانيا: قلة التدين وضعف الإيمان فإن الإنسان إذا كان قليل التدين ضعيف الإيمان يعيش أسير شهواته عبد هواه وإن كان أعلم من في الأرض لأن العلم شيء وضعف الدين في النفس شيء آخر بل ربما يكون علمه وسيلة كبرى تقربه من منال الفجور إذ بها يفتح مغالق الأسرار ويتوصل إلى ما لا يتوصل إليه الجاهل فالعلم إذا لم يغذ بروح الدين أشد وبالا على صاحبه من الجهل البسيط ولهذا نرى بعضا من العلماء منهمكين في الفحش والفجور وهم عالمون بفظاعة ما يجترمون ولم ينفعهم علمهم في شيء من ذلك لقلة الوازع الديني بل جرؤا العامة على الانهماك بما فتحوا أمامها من الأبواب مما سده وأحكم إغلاقه الشرع العزيز ولأنها ترى العلماء مثالا تحتذيه به وقدوة تتبعها. وإذا لم يكن شيء من ذلك منهم فلا أقل من أن يسكتوا ويلجموا أفواههم عن الإصداع بالحق وتشديد النكير على العامة وكيف يقدرون أن يرفعوا صوتهم بذلك وهم وفجار العامة يتزاحمون بالمناكب على جيف العواهر ومراحض البغايا؟ فـلو كان هناك دين ولو كان هـناك إيمان لقيد تلك النفس الثائرة ولضبط أميالها وصرف علمها إلى الناحية التي تستفيد من جهتها منه.

ثالثا: فيضان الفتوة و ثوران الشباب فإن الفتى في هاته الحالة يكبر جسمه وتنمو أعضاؤه نموا سريعا وتعظم قواه التناسلية بما يحمله كالبهيمة على الاندفاع وراء الشهوة الحيوانية إذ لم يتدارك أمره سريعا. ولهذا نرى أغلب الفجار و الفساق من هذه الطبقة وإذا سلم الإنسان في هذا الدور فقلما يتطوح بعدها في حريق الفحش وإنما أدمن من أدمن عليه بعد اجتيازه هذا ودخوله في دور الكهولة لاعتياده  له من وقت الفتوة.

رابعا: الفراغ وقلة الشغل فإن الرجل إذا كان لا شغل له  يستغرق وقته وفراغه ويشتغل فكره فيه ويلهيه عما لا يعنيه فإنه يصبح ويظل و يبيت أسير الهواجس والوساوس مسترسلا في تتبع المقاصف والملاهي وألوان وأشكال الغواني وأزيائهن وملامحهن وقصورهن وأخدانهن إلخ. يهرول وراء هذا التيار الجارف ولا يهنأ له بال إلا إذا أصبح واحدا من أولئك الفجار في المشاتي      و المصائف حول الأنهار وشطوط البحار والحدائق الغناء والرياض الزهراء والحمامات المعدنية إلى آخر ما يقتل فيه الوقت و يطفئ فيه سراج الحياة. ولو أن لهذا شغلا يشغل جسمه وفكره ويملأ أوقاته لما وجد سبيلا للاشتغال بالقصف و الاستهتار والمجون ويكون هذا النوع غالبا من ورثة الأغنياء الذين تركوا لهم ما لا يحوجهم إلى الاشتغال بعده بدون أن يتركوا لهم ثروة من العلم والعقل والفضيلـة والدين. ومن هذه الهوة سقط كثير من الشبان والكهول في بير الفجور لا قعر لها فضاع بضياعهم للأمة  جانب عظيم من الثروة المادية والمعنوية.

خامسا: الثروة الطائلة، فإن وفرة المال تطغي النفوس وتدفعها إلى الجرائم  والفجور كما أنها وسيلة كبرى لاستهواء ضعفاء النفس و استغوائهم و استمالة قلوبهم وشبكة يقتنص بها العرض والعفاف والفضيلة ولهذا تنتشر جرائم الفحش والفجور غالبا في الأوساط التي تنغمس في خمائل الترف والنعيم فبقدر انغماسها في هذه يكثر فيها انتشار تلك  و سريانها في أوصالها وعروقها حتى تفتك بها فتكا ذريعا يقضي عليها القضاء الأخير ويقارن الثروة الطائلة في الغالب الجمال الفتان لأنه بالثروة والرفاه ينمو الجسم نموا صحيا متناسب الأعضاء متناسق الأجزاء فيترقرق على الوجه ماء النعومة والجمال وتسري هذه الصفات بحكم التوارث إلى النسل وأفراد العائلة، فتعيش رمزا للجمال الفتان يجذب إليها الأنظار ويخلب العقول. والعاهات والدمامة تكون في الغالب مع العائلات الفقيرة لأنها تفقد وسائط الراحة والعلاج والإنسان من المال كالشجرة من الماء فإذا كان حوض خزانته يقبض دراهم روت عـروقه وفاضت عن بشرته نضرة ونعومة وإذا جفت خزانته شاخت عروقه وذبلت أعضاؤه وتغيرت سحنته كما تكون الشجرة في حالي الخصب والجفاف.

سادسا: طول مدة العزوبة، والعزوبة بلاء عظيم وخطر جسيم على صاحبها فإذا طالت مدتها عنه تجمعت سوائل المني وملأت القنوات المنوية فتحدث في البدن أوجاعا و آلاما وفي النفس قلقا وتشويشا وفي الفكر اضطرابا   و ارتباكا فإذا  لم يتدارك المولى تعالى عبده بالتوفيق فيستعين على هذه الحال المزعجة بالصبر والصلاة و مجانبة أنواع المهيجات النفسية فلا يلبث أن تدفعه تلك التيارات الداخلية بقوة مهيجة فتقذفه في مهاوي الفحش والفجور تخلصا من آلام حبسها وتطلبا للاستراحة بخروجها ولا يشعر إلا وقد أصبح في زمرة الفجار والفساق فيضيع رشده ويخمل فكره وتظلم بصيرته وتنكسف مرآة عقله وتضيق نفسه وتفسد أخلاقه وتنهك قواه الجسمية ولا يجد دواء ناجعا من هذا البلاء الوبيل إلا في الزواج.

لقد دلت الإحصائيات الجنائية في بعض السنين على الخصومات والمنازعات الواقعة من غير المتزوجين بلغت مائة في المائة، وأما الواقعة من المتزوجين فلم تتجاوز 49 في المائة وقد نزلت إلى 45 في المائة، لقد أثبت أطباء أوربا المتمدنة وعلماء الصحة فيها ما يعتري غير المتزوجين من التأثيرات العظيمة  في الصحة والعافية و وقوع الجرائم القبيحة حدوث الجنون المتنوع و الانتحار وإتلاف النفوس على سبيل مستغرب. فلقد أودت العزوبة بكثير من أبناء العائلات الماجدة وطوحت بهم إلى مكان سحيق وسنعود لهذا الموضوع بعد بإذن الله.

سابعا: مخالطة الفساق والفجار، فإن الإنسان مهما كان عفيفا إذا خالط فاسقا وصادقه فلا جرم يستدرجه من شيء إلى شيء حتى يتسفل به إلى حضيضه ويصبح كواحد من شيعته " والطباع تسرق الطباع " والمرء منجذب إلى نظرائه. وقد رأينا كثيرا من الناس كانوا على جانب كبير من العفة والصلاح ولكن لما خالطوا قرناء السوء و امتزجوا بهم أخذوا يتقهقرون إلى الوراء وينزلون إلى الدرك الأسفل من الانحطاط ولم تمر عليهم مدة من الزمن إلا وقد مسخوا و انسلخوا تماما مما هم فيه وأصبحوا من جنس الأشرار  و الفساق قولا وعملا و اعتقادا وما أودى بهم إلى مخالطتهم للأشرار والسفهاء فلو أنهم صانوا أنفسهم عن الاختلاط  و الامتزاج بهم لما وقعوا فيما وقعوا فيه فإن أمثال أولئك السفهاء كالأبالسة لا يهنأ لهم عيش ولا يهدأ لهم بال ما لم يقتنصوا صاحبهم ويسقطوه في هوتهم. وقد يغتر ذلك العفيف فيخالط أولئك الشياطين زاعما أنه يرفعهم إلى صف الملائكة ولكن لا يشعر إلا ويجد نفسه هو في صف الشياطين لأن النزول أسهل من الصعود والهدم أسهل من البناء.

ثامنا : إهمال الأولياء لأولادهم، فإن تغافل الأباء والأوصياء والمراقبــين و الأساتذة وإطلاقهم العنان لمن تحت نظرهم من الأولاد يجري أولئك الأولاد الضعاف النفوس العدماء التربية على الانهماك و الاسترسال في الفجور والغواية  وأي مانع يمنع الشاب من الانهماك في الفسوق إذا لم يخش رقيبا ولا حسيبا يناقشه الحساب ويحاسبه أين أضاع الوقت الفلاني وأين كان في الزمن الفلاني؟ أفلا يحمله هذا على الارتطام في حريق الفحش و اجتذاب قرنائه إليه كإبليس حتى يستووا معا في جهنم.

لقد جر هذا الإهمال من المسؤولين على من تحت نفوذهم على الأمة خزيا عظيما وبلاء محيطا وأصابها في زهرات شبابها وفلذات أكبادها بما لا يقدر بثمن ولا يعوض بأغلى عوض.

و الأنكى من ذلك أن كثيرا من أولئك الأولياء يعلمون مخازي أولادهم ولا ينبسون ببنت شفة وإذا أبلغ إليهم أحد النصحاء أمرهم جابهوه بأنه لا داعي لك على هذا  إلا الحسد ولئن فعلوا شيئا فإنما أتوا بأفعال الرجال و ربما زاد البعض على هذا فشجعوهم بتسليم الدراهم في أيديهم، و الدراهم في يد الطفل كالبارود في يد ثائر وذلك بعنوان الاستحمام في الحمام ونحوه...  وأفسحوا لهم وقتا كافيا لذلك، ولكن لا يلبث أولئك الفجار أن يذرفوا دموعا سخينة على أولئك الشبان عندما يسمعون أنهم أصبحوا فجارا سكيرين سراقا سفهاء أشقياء مجرمين، وربما تسببوا في إفلاسهم وتخريب ديارهم أيضا وتلك عاقبة الإهمال والتفريط.

تاسعا: فشو هذا المرض في الأمة و انتشار جرائمه السامة وسريان عدواه المخطرة في البلاد، فإن هذا سرعان ما تعدو من المجرمين إلى الأبرياء كما تعدو الأمراض الوبائية من المرضى على الأصحاء لأن كثيرا من ذوي النفوس الرخوة قد يملكون مشاعرهم ولا تحدثهم أنفسهم بشيء ماداموا في أوساط طاهرة وبين بيئات عفيفة أبواب الفحش بينها موصدة وبيوت الفجور فيها مغلقة ولكن إذا أصبحوا بين أوساط فاجرة وأبواب الفحش بينها مفتحة على مصاريعها وآمالهم في ذلك سهلة المنال فلا محالة يصبحون وحوشا ضارية تمزق بأنيابها ومخالبها لحوم الطهر والعفاف بدون خشية  حسيب ولا رقيب.

رأينا هذه هي أهم أسباب الزنا و انتشاره وقد رأيت أيها القارئ الكريم أن كلا من هذه الأسباب يكفي في إضرام حريق بين الأفراد والجموع فكيف إذا تجمعت هذه الأسباب في أمة؟ فماذا يكون حالها وماذا يكون مئالها؟

أجل نظرك يا أخي في هذا الواقع فقط لترى وتلمس ما عليه كثير من الأمم اليوم فتأمل ذلك جيدا وتقص أثر ذلك تجد الفزع الأكبر والهول الفظيع  وسأرجع إليك لتفصيل هذا في فرصة أخرى.

وإذا أضفت إلى هذه الأسباب  مقدمات الزنى من إرسال النظرات الفاجرة، وكثرة المخالطة للأجنبيات و الاختلاء بهن ومغازلتهن وحضور المراقص والمقاصف، ومطالعة الروايات الغرامية والمجلات الخليعة المصورة وألواح السينما وغير ذلك مما يعترضك في المحال العمومية وحتى في العرصات والجدران، تشعر كأنك في عالم كله فجور وفسوق ودعارة وبغاء، وتتمنى أن تنتقل من هذا العالم الفاجر إلى عالم آخر متشبع طهرا وفضيلة وعفافا.


[1] وادي  ميزاب، ع: 91  (13/07/1928).

المسلسل

عنوان المقال

المسلسل

عنوان المقال

1   أيها الجزائري 26   رأينا في التجنيس
2   العلم و العمل 27   التمدن الممسوخ
3   الإصلاح 28   يتقمصون في تبشيرهم بوادي ميزاب
4   الإسلام يحتضر والمسلمون يهزلون 29   الإسلام بين شقي المقراض
5   الاعتماد على النفس 30   وصايا كذاب لابنه
6   الثبات على المبادئ 31   وباء الفجور (1)
7   الثقة بالنفس 32   وباء الفجور (2)
8   أين المفر؟ 33   وباء الفجور (3)
9   نحن و أنتم 34   وباء الفجور (4)
10   الحق و مذاهب الناس فيه 35   وباء الفجور (5)
11   آخر سهم في كنانة المعمرين نحو الإسلام 36   حادث تمزيق الجواز
12   يجب الاعتماد على المؤسسات لا على الأشخاص 37   الصراحة خير علاج للأمة
13   الغيرة 38   مقياس الأمة برجالها
14   شعور الأمة نائم فماذا  ينبهه؟ 39   الانتخابات الأهلية
15   مستقبل جزيرة العرب 40   الدين و الإلحاد
16   سياج جزيرة العرب 41   الأمية في الأمم شلل
17   علي أن أعمل وليس علي أن أنجح 42   النفوس الرخوة
18   الوطنية الحقة 43   الإنسانية بين غضب الله و غضب أوروبا
19   اللغة العربية غريبة في دارها 44   افتحوا عيونكم أيها الغافلون
20   أخلاق الدجاجلة 45   العدالة تحتضر (1)
21   الألم يحرك العزائم 46   العدالة تحتضر (2)
22   الإعجاب بالنفس 47   كيف يكون الإحسان ؟
23   ضعيف النفس 48   إنما المؤمنون إخوة
24   جمعية الشبان المسلمين بمصر 49   وظيفة العقل في الإنسان
25   ماذا يراد بسكة حديد الحجاز؟ 50   أمات الرجال أم رفع القرآن؟
       
 

 

الصفحة الرئيسية  | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان  | مؤلفات أبي اليقظان  ماكتب عن أبي اليقظان  |

  أصدقاء أبي اليقظانعائلة أبي اليقظان  | صور من بلادي  | مواقع تهمك  اتصل بنا|  

 
 

أعلى الصفحة