الصفحة الرئيسية  | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان  | مؤلفات أبي اليقظان  ماكتب عن أبي اليقظان  |

  أصدقاء أبي اليقظانعائلة أبي اليقظان  | صور من بلادي  | مواقع تهمك  اتصل بنا|  

 

 

 

وباء الفجور(3) [1]

كنا ألقينا نظرة إلى وباء الفجور، و بينا أسبابه و علله و نتائجه نظريا.   و الآن نلقي نظرة إلى هذا الداء الفتاك، و الحريق المبيد من حيث الخارج و نفس الأمر و الواقع، و نطبق الأسباب المتقدمة على الحالة الراهنة في كثير من الأوساط الإسلامية حتى يسهل لنا إرجاع ما هي عليه من التسفل و الانحطاط  إلى علله و أسبابه الأصلية، و إذ ذاك يتشخص لنا الدواء النافع و المرهم الناجح لهذا المرض  الاجتماعي الوبيل.

و قبل أن ندخل بالأخ الكريم في الموضوع نعتذر لديه بأننا لم نقصد بما كتبناه شخصا بعينه، أو أمة بذاتها، و لا تلميحا لزيد أو تلويحا لعمرو أو إشارة لخالد، و إنما نقصد به كل مريض أيا كان، و في أي مكان كان، و لا نتناول منه بالنقد و التزيف غير ذلك المرض نفسه عسى أن نتوصل  إلى تشخيص الدواء له، فيتحصل على البرء و الشفاء التام بإذن الله.

إن المكان الذي يتحسس بنان الطبيب و يتوجع به هو لا شك مكان الداء  و مكمن المرض، و من كان أكثر تألما من تشخيص الداء كان أشد مرضا من سواه، و هذا أحق بالمسارعة إلى المداواة، و أجدر بمداركة نفسه من غيره قبل أن تنشب فيه مخالب  الهلاك.

إذا حاولنا تطبيق أسباب الفجور  المتقدمة على كثير من الأوساط الإسلامية نجدها كلها أو غالبها تنطبق عليها تمام  الانطباق، فالجهل بمضار الزنا فيها فاش لصدود الناس و إعراضهم عن العلوم، و قلة التدين و ضعف الإيمان هو السائد لعدم شعور النفس بالغضب الإلهي، و فيضان الفتوة و ثوران الشباب بالغ أقصى درجاته لما يكتنف  الإنسان من ألوان و أشكال المهيجات النفسية، و الفراغ و قلة الشغل عامة لفشو الكسل و البطالة، و خصوصا بين أبناء العائلات الثرية و الثروة و وفرة المال، قد ارتفعت درجتها لما مهدت الحضارة من طرقها، و هيأت المدنية الحديثة من أسبابها، و حبل العزوبة ممدود لطموح الناس إلى التوسع في الترف و الرفاه و جمع المال، و مخالطة الفجار  و الفساق هي الأكثر لانتشارهم و قلة سواهم و مسيس الحاجة إليهم في كثير من شؤون الحياة. و إهمال الأولياء لأولادهم هو الغالب لانصراف النفوس عن التدبر  في العواقب، و هيام كل منها في واد. و حريق هذا الداء مندلع الألسن متفشية جرائمه في الأمم و الشعوب و البلاد و العائلات لما جرته تلك  المدنية  المشؤومة من أنواع القصف و أصناف الدعارة و الخلاعة.

هذه الأعراض كلها موجودة و بشكل فظيع  في كثير من البلاد، و إنك ترى أن واحدا منها يكفي لإلهاب شعب بحريق  الزنا فما بالك إذا اجتمعت كلها فيه  فلا عاصم من لهيبه إلا من رحم ربك.

و لهذا فلا عجب إذا رأينا ارتطام كثير من الناس فيه شبانا و كهولا و شيوخا، و لا غرابة إذا هم انكبوا على مناخرهم في براكينه فكان مصيرهم الخراب و الاضمحلال. لقد تهاون جل الناس بأمر الزنا الفظيع، و تجرؤوا على الله في نظامه و شريعته، حتى صار -و هو أفحش جريمة وقعت على ظهر الأرض- كشيء مباح، يتظاهرون بالجهر به، و يتباهون باقترافه، و آل الأمر إلى أن صار العفيف المنكر لذلك كأنما هو الجاني، و أن ذلك الجاني الفاجر هو الرجل الشجاع، و أن الصمت عن هذه الفعلة الشنعاء هو عين السياسة  و الكياسة، و أن التشنيع عليها هو نفس الحمق و الشراسة.

استمرأ الفساق هذا المرعى الوبيل فتفننوا فيه، و سلك كل فيه مذهبه و هام لأجله في واد، فمن مولغ من الإناء الذي تلغ منه آلاف الكلاب كل يوم،و ذلك في المواخير و ديار البغاء العلني يتهاوشون و يتناهشون، و يتضاربون و يتقاتلون على جيفة قذرة ملقاة في مزبلة نتنة يهرقون فيها أعز ما أعطاهم الله من مادتي الغذاء و الحياة، يأتونها و هم مملوؤوا الجيوب و العروق، فيرجعون و هم فارغون و أعراضهم ممزقة، و جسومهم مبضعة، الخزي حليفهم، و الفقر أليفهم.

و من مختلس كالقط خلوات السر و الظلام لاغتصاب الأعراض و تمزيق أثواب العفاف، فيستخدم الغفلة و السذاجة، و يستثمر الجهل و الفقر و ضعف الإيمان. و كثيرا ما تتلاقى لصوص الأعراض على هذه كما تتلاقى الهررة على قطعة واحدة من اللحم فيتواثبون و يتناحرون، و تلك البغية تسخر منهم و تضحك من أذقانهم.

و من متخذ خليلة يختص بها كزوجة له بلا خجل و لا حياء يخصها بما لا يخص زوجته من سكنى القصور الشامخة، و لباس الشفوف من ألوان و أشكال الحرير، و نفائس الذهب و الأحجار الكريمة يقضي بها لبانته و تقضي به لبانتها، و إذا بدا لأحدهما تنكر الآخر، أو رأى ما هو خير منه فسرعان ما يلفظه و يستبدله بما هو خير..

و من الغرابة أن غلمة  الفجار تهيج في مواسم الأعياد أكثر من غيرها، كأنما جعلت و هي مظهر من مظاهر النعم الإلهية التي أمر بتعظيمها و مراعاة حرمتها لاستباحة الأعراض و تمزيق سجف الفضيلة و العفاف. ترى أولئك الفسقة فيها زرافات و وحدانا يعرجون على هذه و ينزلون عند تلك الدار، يبيعون عند ذلك كل ذمة و كل شرف و كل فضيلة و كل عقل و كل دين و كل مال، كأن هذه الخسائر الفادحة مما لا تتم أفراح العيد و لا تكمل لهم لذاته و ينمو أنسه إلا بها. و لكن هي الحماقة و السفاهة تفعل في المرء ما لا يفعله الجنون في المجون.

يعلم الله كم تبذر هنالك -بجريمة الفجور- من أموال، و كم تمزق من أعراض، و كم تهلك من نفوس، و كم تتدهور من قصور، و كم تخوى من بيوت، و كم تخرب من بلاد، و لا أدل على ذلك من الآيات الكريمة الناطقة بذلك، و من تواريخ سقوط الأمم، و من الإحصائيات الرسمية في فساد النسل و تناقص السكان و خراب العائلات.

و من بين تلك الشعوب المصابة بهذا الداء الفتاك الشعب الجزائري المنكود، فلقد سرى فيه سريان النار في الهشيم، و تفشت جراثيمه في كثير من المدن و القرى و المداشر بكيفية مخطرة التهمت كثيرا من زهرة شباب البلاد، و استنزفت من ثروتها، و نخرت من قوتها، فلم تستفد لا بمواهب أبنائها و لا بغناها و ثروتها الطبيعية و لا و كيف يستفيد الإنسان من مزرعته شيئا و الحريق قد أحاط به يلتهمه من كل جانب و يذره رمادا؟ أم كيف يتسنى للحر  أن ينشد مطالب و الحريق يلتهب داره؟

تصور معي بربك شعبا اجتمعت فيه أسباب الفحش و الفجور كلها بشكل مدهش و كيفية مخيفة، فماذا يكون مآله؟ و ماذا يكون مصيره؟ أفلا تعمه جميع تلك المفاسد التي تنتج عن جريمة  الفجور فيسوده الفساد من جهة الدين و الصحة و الأخلاق و الاقتصاد، و يسري ضرره إلى العائلة و النسل و المجتمع؟ فإذا سرى الفساد إلى الشعب في هذه المناحي، و هي مناحي حياته و بقاء كيانه، فهل ترجى له حياة أو يبقى له وجود؟

هذا ما عدا العوامل المختلفة الأخرى التي يكفي واحد منها لإبادة شعب كامل. لقد أدهش العلماء فشو داء البغاء في الجزائر و انتشاره في شوارع كثير من البلاد، و سريانه  في كثير من العائلات، و انكباب الكثير من الشبان في هاويته السحيقة، و تدفق جيوش جرارة من البغايا في الأنهج يتعرضن للرجال بمناكبهن في سبل أعمالهم، و يعرضن أنفسهن كالبضائع  البائرة لكن في أسواق بيع الشرف، كل ذلك على مرأى و مسمع نواب البلاد و علمائها و رجالها المسؤولين، و ربما كان فيهم المنشط على ذلك و المشارك فيه و المستفيد منه، كأن هذا الداء ضروري من ضروريات الحياة، و ضرب من المقومات الاجتماعية لا تتم أركان المعاش إلا به، فهم لا يريدون أن يفهموا أن ذلك الداء فتاك، بل حريق يخرب البلاد، و يبيد العباد، و يذر العمران خرابا، و المدائن يبابا، تشب النار في أحد فيصرخ الغياث الغياث، فتتدفق الخلائق و رجال المطافئ، و يبذلون كل وسيلة لإطفاء الحريق، و لكن إذا التهب حريق الفحش في مكان لا يحرك أحد ساكنا، و لا ينبض له عرق، مع أن الأول إذا شب لا يأخذ سوى المادة، و الثاني إنما يلتهم كل شيء.

ينتشر جيش الجراد فتزحف لمقاومته جيوش من الناس بما لديهم من وسائل المحق و الإبادة فيوالون لياليهم و أيامهم لإبادته، تاركين لأجله كل ما لهم من الأشغال، و هو إذا أكل لا يأكل غير المزارع و الحقول، و لكنهم لا يخطون قدما و لا يحركون يدا لإبادة جراد الفحش و البغاء الذي يهلك الحرث و النسل، و يبيد الشعوب و الأمم بكل ما لها من صحة و عرض و شرف و دين.

تسهر مصالح الصحة على الحالة الصحية في البلاد، و تطارد كل ما يحدث من أنواع الأوبئة و الحميات بما تراه من وسائل  التطهير، و لكنها تنعس عن فشو داء الفجور و سريانه بين الأخضر و اليابس.

ترصد مئات الآلاف لبناء المستشفيات و فتح الصيدليات و جلب الآلات الطبية الحديثة، و لكن ليس هناك من أبناء حواء من يفكر قبل ذلك في غلق المواخير، و إطفاء حريق الفجور.

تواظب البلديات على كنس الطرقات و تنظيفها و غسلها من الأوساخ و الأقذار، و لكن لا يخطر ببالها تصفية البلاد من قمامات الفحش و الفجور.   و تبذل عشرات الآلاف لدفن البرك و المستنقعات، و تغرس الأشجار و تنسق الحدائق لتنقية الهواء و تصفيته، و لكن لا تبذل فلسا واحدا في دفن مستنقعات المواخير التي تعفن أجواء البلاد.

تحفر البلاعات و تمد القنوات لإخراج الأوساخ و الفضلات إلى خارج البلاد، و لكنها بالعكس فيما يخص أوساخ الفحش و الفجور فإنها تمد القنوات   و المجاري لها من الخارج إلى الداخل بما تفتحه من المراقص و الملاهي و غيرها أمام كل راغب.

يتناقش  العلماء و يتبارى الخطباء في فنون الكلام و شتى المواضيع، و لكنهم غالبا لا يحومون حول هذا الموضوع الخطير كأنهم يرونه أمرا عاديا و الدخول فيه فضولا و مصادمة لتيار الرأي العام، و إذا ما وقع الرأي العام في غلط، فهل من الحكمة و السداد مسايرته و السقوط معه في الهوة السحيقة، إذا فما هي وظيفة العلماء و الحكماء و رعاة الأمم و الشعوب؟ أليس من الواجب عليهم و هم المسؤولون و متحملوا تبعة قيادة الأمة- أن يجنبوا من تحت نفوذهم مواقع الضرر و الهلاك.

إن كل خطوة و كل سعي و كل سكوت من شأنه تشجيع جريمة الفحش و تلقيح وباء الفجور يعد سعيا في هلاك العباد و خراب  البلاد، كما أن التقاعس عن المبادرة لإطفاء الحريق يعد مساعدة ضمنية  على إلهابه و تمديد محيطه.

فاشفقوا عباد الله على أنفسكم و أمتكم و بلادكم، و بادروا إلى استئصال جرثومة ذلك المرض  الاجتماعي من جذوره قبل أن يستأصلكم من الوجود

} و اتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة و اعلموا أن الله شديد العقاب{

هذه نصيحتي إليكم، و لا آل جهدا من مساعدتكم بتشخيص الدواء  الناجع في العدد الآتي، و الشافي هو الله.


[1] وادي ميزاب، ع، 93، (27/07/1928م).

المسلسل

عنوان المقال

المسلسل

عنوان المقال

1   أيها الجزائري 26   رأينا في التجنيس
2   العلم و العمل 27   التمدن الممسوخ
3   الإصلاح 28   يتقمصون في تبشيرهم بوادي ميزاب
4   الإسلام يحتضر والمسلمون يهزلون 29   الإسلام بين شقي المقراض
5   الاعتماد على النفس 30   وصايا كذاب لابنه
6   الثبات على المبادئ 31   وباء الفجور (1)
7   الثقة بالنفس 32   وباء الفجور (2)
8   أين المفر؟ 33   وباء الفجور (3)
9   نحن و أنتم 34   وباء الفجور (4)
10   الحق و مذاهب الناس فيه 35   وباء الفجور (5)
11   آخر سهم في كنانة المعمرين نحو الإسلام 36   حادث تمزيق الجواز
12   يجب الاعتماد على المؤسسات لا على الأشخاص 37   الصراحة خير علاج للأمة
13   الغيرة 38   مقياس الأمة برجالها
14   شعور الأمة نائم فماذا  ينبهه؟ 39   الانتخابات الأهلية
15   مستقبل جزيرة العرب 40   الدين و الإلحاد
16   سياج جزيرة العرب 41   الأمية في الأمم شلل
17   علي أن أعمل وليس علي أن أنجح 42   النفوس الرخوة
18   الوطنية الحقة 43   الإنسانية بين غضب الله و غضب أوروبا
19   اللغة العربية غريبة في دارها 44   افتحوا عيونكم أيها الغافلون
20   أخلاق الدجاجلة 45   العدالة تحتضر (1)
21   الألم يحرك العزائم 46   العدالة تحتضر (2)
22   الإعجاب بالنفس 47   كيف يكون الإحسان ؟
23   ضعيف النفس 48   إنما المؤمنون إخوة
24   جمعية الشبان المسلمين بمصر 49   وظيفة العقل في الإنسان
25   ماذا يراد بسكة حديد الحجاز؟ 50   أمات الرجال أم رفع القرآن؟
       
 

 

الصفحة الرئيسية  | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان  | مؤلفات أبي اليقظان  ماكتب عن أبي اليقظان  |

  أصدقاء أبي اليقظانعائلة أبي اليقظان  | صور من بلادي  | مواقع تهمك  اتصل بنا|  

 
 

أعلى الصفحة