الصفحة الرئيسية  | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان  | مؤلفات أبي اليقظان  ماكتب عن أبي اليقظان  |

  أصدقاء أبي اليقظانعائلة أبي اليقظان  | صور من بلادي  | مواقع تهمك  اتصل بنا|  

 

 

 

وباء الفجور(4)[1]

أدويته:

قد عرفت أيها الأخ القارئ أسباب الزنا و مقدماته و آثاره و مفاسده في الفرد و المجموع من حيث الدين و الأخلاق و الصحة والشرف و العائلة، الخ.. و إيفاء بالوعد نختم هذا الموضوع بما نراه دواء ناجعا لهذا المرض الوبيل، راجين من الله عز و جل أن يوفق الأفراد و الجماعات إلى تلافي حالتهم الأسيفة بما فيه الشفاء التام.

إن مرض الفجور ككل الأمراض  المخطرة يلزم أن يقاومه و يطارد أوبئته الناس كلهم الجماعات و الأفراد، كل بما يستطيع.

أما ما يخص الجماعات، فمنها عقد جمعيات خاصة لمقاومته، مثل جمعيات مقاومة المسكرات و السل و السرطان و غيرها، تؤسس على شريطة العفة و النزاهة، بحيث لا يدخل في عضويتها إلا من يلتزم على نفسه أن لا يقترب من الزنا أو مقدماته، و لا يسمح بحال لمن تحت نفوذه أن يقترب من شيء من ذلك، و يكون غرضها الأساسي مكافحة هذا المرض  في أي شخص كان بجميع  الوسائل المشروعة، من إلقاء المحاضرات و المسامرات، و نشر الرسائل في بيان مضار الزنا للعامة، و عقد المؤتمرات لدرس مسارب هذا الداء وجرائمه و وسائل التوقي منها، و إنشاء فروع للجمعية في كافة البلاد لتوسيع نطاقها و إمدادها بما يلزم لأداء مهمتها و مقاطعة البغايا و الفساق قدر الإمكان.

و هذا فيما نظن يسير على من يسره الله تعالى عليه من كل رجل مصلح يشفق على أمته و بلاده لأنه لا يكلفه شيئا كبيرا من التضحية، وليس له دخل في السياسة فيخاف معارضة الحكومة له، و إنما هو مشروع اجتماعي الغرض منه مقاومة داء عام من الأدواء الاجتماعية.

و قد علمتنا أوروبا نفسها كيف يجب الاهتمام بالمصالح العامة لجلبها، و بالمضار العامة لدفعها، و قد تفننت  في عقد الجمعيات والمؤتمرات و توزيع اللجان لدرس مادة أو مرض أو جرثومة أو مشكلة خاصة، بل لقد توسعت في هذا حتى عقدت جمعيات لأنواع  الحيوانات من هررة و فئران و كلاب الخ. فكيف يليق بنا بعد هذا أن نتقاعس عن التفكير في تأسيس جمعية لمكافحة وباء الفجور، وقد رأينا بأم أعيننا، و سمعنا بآذاننا، و لمسنا بأيدينا ما نجم عنه من المفاسد و الشرور مما أهلك الحرث و النسل، و خرب  البلاد، ومحق العباد.

فقبل التفكير في عقد الجمعية لمقاومة داء السل أو داء الزهري، و قبل التفكير في تضخيم عدد السكان بتجنيس أخلاط من العناصر المختلفة يجب، حسب ما تقتضيه الحكمة و السداد، التفكير  في مقاومة وباء الفجور الذي هو أصل لتلك الأدواء، كما يجب تسهيل وسائل الزواج للإكثار من النسل الأصيل الذي تظهر فائدته العظمى في كثير من شؤون الحياة.

و منها ما يجب على نواب المجالس الذين أخذوا على عاتقهم أيام انتخاب الأمة لهم من الدفاع عن مصالحها و درء المفاسد عنها، وأهم ما تجب عليهم مكافحته صيانة لكرامة الأمة هو ذلك الداء العضال، فإنه تجب عليهم مقاومته و تطهير البلاد من جراثيمه بكل ما لدهم من جاه و نفوذ و سحر بيان بدون تسامح أو هوادة، و إلا كانوا خائنين ناكثين للعهود التي قطعوها على أنفسهم لناخبيهم من درء المفاسد عنهم، فإن وباء الفجور أخطر مفسدة و أضر مرض على الأمة، و السكوت عنه و غض  النظر عن فشوه إقرار له ومساعدة على انتشاره، و ذلك فتنة  في الأرض و فساد كبير.

لم تعط الأمة نوابها ما أعطتهم من القوة و النفوذ اعتباطا، و لم تخولهم ثقتها و تمكن بأيديهم سلطتها عبثا أو لأجل أن يتربعوا في الكراسي و كفى، و إنما منحتهم كل ذلك للدفاع عنها و الذود عن كرامتها، فلهم حق شرعي لا يعارض في مكافحة الفجور، فسكوتهم بعد كل هذا عنه، و قد ظهرت شروره   و آثاره السيئة في الأمة، بماذا يفسر يا ترى؟ أو لا يفسر بالموافقة و الرضا بذلك المرض و ما يستتبعه من الوبال؟ فما هي فائدة إنابتهم و توكيلهم؟ و نحن لا نخالهم إلا نازلين على إرادة الأمة، عاملين على ما خولتهم ثقتها لأجله، فيهبوا كرجل واحد لمكافحة ذلك الداء و استئصال جرائمه من مساربها.

و منها ما يجب  على العلماء و الخطباء و رجال الدين من تحذير العامة من وباء الفجور، و بيان أضراره الكبيرة  الكثيرة في الفرد والمجموع، فإن لهؤلاء نفوذا عظيما في قلوب العامة و لكلامهم أثره الفعال في نفوسهم، و سكوتهم و هم بهذه المنزلة عن ضرر خطير كهذا يعد جرما عظيما و إثما كبيرا، لما ينشأ عنه من جرأة الفساق  على الفسق، و استهتار الفجار  في فجورهم، إذ يتخذ هؤلاء سكوت أولئك رضى منهم على صنيعهم، و إقرارا لهم على فعلهم، و ربما اتهموا لسكوتهم بعمالتهم أو مشاركتهم في فحشهم، الأمر الذي يجرئ  عليهم السفهاء و يسقطهم في أعينهم في سائر الأماكن، و يقلل من هيبتهم في نظرهم، فلا يعود لكلامهم في سائر المواضيع من أثر، و لا لوعظهم من نفوذ. فإذا آل أمر الأمة، عامتها و خاصتها إلى هذا الحد، فبشرها بالمحق  و الاندثار عما قريب.

} لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود و عيسى ابن مريم ذلك بما عصوا و كانوا يعتدون . كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون . ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفرا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم و في العذاب هم خالدون { المائدة/78-79-80

و منها ما يجب على الأدباء و الكتاب من بث الدعاية ضد جريمة  الفجور لما أعطاهم الله من نعمة الكتابة و الإنشاء و سحر البيان، وقد تهيأت في هذا العصر من وسائل النشر ما لم يتهيأ في عصر قبله، فالمطابع مجهزة،  و أسواق الكتب و المجلات و الجرائد نافذة، والمواصلات سريعة، فلا عذر لمن يتقاعس عن خدمة  الأمة و البلاد في هذا الصدد و هو يحمل في رأسه دماغا ولادا و فكرا ثاقبا وذهنا وقادا، و بين جنبيه نفسا تتأجج غيرة، و تلتهب إحساسا و شعورا على ما وصلت إليه حالة أمته و بلاده، و بين أنامله قلما إذا هزه أضاء سبل الإصلاح بنوره، و أحرق مزابل  الفساد بناره، فالتبعة على هذا بسكوته و تغاضيه عن داء الفجور كبيرة، و المسؤولية جلى.

و النعمة إذا لم يقيدها صاحبها بالشكر باستخدامها فيما خلقت لأجلها لا محالة يسلبها  الله منه وشيكا.

و منها ما يجب على رؤساء القبائل و كبار العائلات من كبح جماح من تحت نفوذهم، و الحيلولة  بينهم و بين مهاوي الفحش والغواية، لما لهم من النفوذ  العائلي و لحمة القرابة و صلة الرحم، فإن إهمالهم لذويهم و ترك حبلهم على غاربهم إنما يعود ضرره عليهم، و عاره على أنفسهم قبل غيرهم.

فليتدبر العقلاء هذا جيدا، فإن الأمر جد ليس بالهزل، و الخطر جسيم و العاقبة وخيمة، فالبدار البدار لإطفاء الحريق بكافة الوسائل قبل فوات الوقت و حلول ساعة الندم.


[1] وادي ميزاب، ع، 95، (10/08/1928م).

المسلسل

عنوان المقال

المسلسل

عنوان المقال

1   أيها الجزائري 26   رأينا في التجنيس
2   العلم و العمل 27   التمدن الممسوخ
3   الإصلاح 28   يتقمصون في تبشيرهم بوادي ميزاب
4   الإسلام يحتضر والمسلمون يهزلون 29   الإسلام بين شقي المقراض
5   الاعتماد على النفس 30   وصايا كذاب لابنه
6   الثبات على المبادئ 31   وباء الفجور (1)
7   الثقة بالنفس 32   وباء الفجور (2)
8   أين المفر؟ 33   وباء الفجور (3)