الصفحة الرئيسية  | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان  | مؤلفات أبي اليقظان  ماكتب عن أبي اليقظان  |

  أصدقاء أبي اليقظانعائلة أبي اليقظان  | صور من بلادي  | مواقع تهمك  اتصل بنا|  

 

 

 

وباء الفجور(5)[1]

أدويته:

لقد فصلنا فيما سلف دواء هذا الوباء الذي يخص الجماعات والهيئات، و الآن نختم هذا الموضوع ببيان الدواء الذي يخص الأفراد، والأفراد إذا صلحت صلح المجموع، و هل المجموع إلا فرد مكرر.

و إليك أيها القارئ خلاصة ما نراه دواء لذلك، و إن كان مرا على النفس أو ثقيلا على السمع، و ليس من شأن الدواء أن يكون عذب المذاق، و لكن من لوازمه أن يكون ناجعا مفيدا للجسم مبيدا لجراثيم المرض. لمداواة مرض الفجور يجب:

أولا: تقوى الله تعالى و الحذر من عاقبة غضبه و سخطه و صارم عقابه، و استشعار المرء له تعالى، و هو يعلم خائنة الأعين و ما تخفي الصدور، في حركاته و سكناته، و مراقبته في جميع أعماله، و تقوية إيمانه بأن هنالك دارا غير هذه الدار يناقشه فيها الحساب ويوفيه نصيبه فيها من العذاب يوم لا ينفع مال و لا بنون.

فإن الإنسان إذا لازم تقوى الله I و راقبه في أقواله و أفعاله، و ملأ قلبه بهيبته و جلاله، و نفسه بعظمته و كماله، فلا محالة يجد في نفسه واعظا يأمره و ينهاه، يذكره إذا نسي، و ينبهه إذا غفل، و يردعه إذا زاغ، هنالك يجد انكسار النفس و خضوعها و انقيادها فيمج الفساد بأنواعه، و يذوق في الصلاح لذة لا يحلم بها المفسدون.

ثانيا: أن يستعين على ثوران نفسه بتمرينها على الصبر و الصلاة، فإن في تمرينها على الصبر، تمرينا لها على ترك ما تثور إليه و تزهيدا لها فيه حتى تتناساه، و في تمرينها على الصلاة تهذيبا لها و تشذيبا لما طغى منها و تربية لها على أن تتخلى عن الرذائل و أن تتحلى بالفضائل، لما في الصلاة من تربية ملكة الخضوع و الخشوع و الانقياد للمولى تعالى:

} و أقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء و المنكر {

و الذي يضمن لي بالمثابرة على إقامة الصلاة بالوجه الشرعي الأكمل أضمن له بشفائه من ذلك المرض عاجلا أو آجلا بإذن الله.

و لم ينكب من انكب على مناخره في هاوية الغواية و الفجور إلا لما تهاون بأمر صلاته فضيعها، و لم يكن من سنة الله سبحانه وتعالى أن يخذل عبده فينزع عنه رشده، فيتلظى في نار الفجور و هو يقيم صلاته كما أمره، هذه حقيقة واقعية أملتها علينا التجربة والاختبار والتاريخ و النصوص القطعية.

ثالثا: مجانبة الفساق و الفجار، و الفرار منهم فرار السليم من الأجرب، فإن أولئك الأراذل مرضى بأمراض معدية، و في مخالطتهم خطر عظيم على السليم،  و قبل أن يفكر الإنسان في أي علاج من المرض تلزمه المبادرة للحيلولة بينه و بين منبع المرض الساري. ومادام مجرى المرض مستقلا بالمريض فلا دواء و لا علاج.

و من جملة مجانبة الفساق الإعراض الكلي عن قراءة ما يصدرونه من مجلات الخلاعة و روايات الغرام و شبهها، و في معنى ذلك ابتعاده عن مواقع اللهو و الطرب من المقاصف و المراقص و نحوها، و مقاطعته للفواجر و الفساق، فإن معاملتهن و مخالطتهن من باب إلقاء شرارة من النار في خزانة من بارود لا تبقي و لا تذر، و أكبر شاهد على ذلك حالة معامليهن و مخالطيهن من التجار والملاكين. و كل من له ذرة من العقل لا تسمح له نفسه فيأخذ شرارة يلهب بها حريقا في نفسه أو ماله أو ذريته أو عائلته، و لا يعمد إلى شيء من ذلك إلا مجنون أو عدو لدود لنفسه.

رابعا: مخالطة الفضلاء و العلماء و أخيار الأمة، فإن مخالطتهم تطهر أدران النفس، و تزيل أرجاسها، و تربي فيها الحشمة و الوقار والشعور بالعزة و الكرامة و الخوف الشديد من مذمة تلويثها بلطخة  العار و شناعة الشنار، كما تغذي فيها روح الخير و الصلاح والقدوة الحسنة و الطموح إلى المعالي  و الكمالات، و النبو عن المخازي و الموبقات.

و ميل المرء إلى الأخيار و الفضلاء دليل النبل و الفضل، كما أن النفور منهم و الاشمئزاز من محضرهم أمارة من أمارات السقوط والخذلان، فليزن الإنسان نفسه بهذا الميزان، و ليضعها حيث تصبو إليه من منازل الفضل و الشرف و العزة و الكرامة، لا حيث تنبو عنه من دركات المهانة و الذل و الصغار.

خامسا: قراءة القرآن العظيم مع التدبر  في آياته، و التمعن في عبره و نذره، و خصوصا الآيات المستفيضة في تواريخ الأمم العاتية الفاسقة  الظالمة و مصيرها من المحق و الخسف و الغرق، فإن القرآن الكريم سفر عظيم من لدن حكيم عليم:

لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه و هو شفاء من كل داء، و نور في جميع الظلماء

} يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم و شفاء لما في الصدور و هدى و رحمة للمؤمنين {

فالذي يتلو القرآن بتفهم و تدبر و خشوع يسرج في نفسه مشعالا ساطعا نوره، لامعا ضياؤه، يستمد النور من رب العالمين، يشاهد به الحقائق كما هي. فيترك إذا ترك لله، و يعمل إذا عمل لله. إذا تراكم على بصيرته صدأ جلاه بتلك الآيات البينات، و إذا ران على قلبه رين أزاحه بقوارعه و زواجره.

} إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم و إذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا { الأنفال/2

و هكذا يعيش المتأثر بآثار القرآن في حياته مستقيما محمود السيرة حميد السريرة.

و إنما غوى من غوى، و هوى من هوى من لم تلامس تعاليم القرآن القويمة شغاف قلبه، و لم تتأثر بها نفسه المتحجرة.

سادسا: تقصير أمد العزوبة قدر الإمكان، و وضع حد لرغائب النفس الداعية إلى الاسترسال في العزبة و الاغتراب، فإن مطامع النفس لا حد لها و لا غاية، و إبلاغ مناها من ذلك من رابع المستحيلات، و الهرولة وراء المستحيل ضرب من ضروب  الخور والعبث و الجنون.

و في أثناء العزبة اللازمة يلزم، لتخفيف وطأتها و تلطيف حدتها، مجانبة كل ما من شأنه أن يهيج النفس أو يحرك ساكنها أو يثير فيها العاطفة الجنسية من الإسراف في الأغذية المقوية أو مجاذبة الغواني اعنة الغرام و مغازلتهن أو الاختلاء بهن الخ..

و من جهة أخرى يلزم الالتجاء من ذلك إلى غض البصر، و تذكير النفس بما أعد الله للصابر في دار كرامته من الحور العين التي كأنهن الياقوت و المرجان، و كأمثال اللؤلؤ المكنون، و إلى غير ذلك من الأوصاف التي نص عليها الكتاب الكريم و السنة القويمة وآثار السلف.

فإن تذكير النفس بهذه الذكرى يجعل في نظرها كل ما في الدنيا من الجمال كلا شيء، و لا تلبث أن تزهد عما يعرض منه أمامها وتعافه، و تجد للتزود للجمال  الأخروي  الذي لا يفنى و الملك الذي لا يبلى.

و بمثل تلك الذكرى أصبحت الصحابة رضوان الله عليهم أشد الناس تعففا و ورعا و تمسكا بالدين بعد ما كانوا بالأمس أكثر شغفا وولوعا بالعشق و الغرام و الدواء الذي تداووا به بين أيدينا و لا ينقصنا إلا أن نتفهمه كما تفهموه، و نتلقاه كما تلقوه.

سابعا: المبادرة بالزواج عند الشعور بالحاجة إليه، و يكون في الغالب ما بين سن 18 و 20، فإن في تأخيره عن ذلك مضرة عظيمة وخطرا جسيما على الفرد و المجتمع كما هو مشاهد محسوس، و مما يجب الاعتناء به في هذا الموضوع تسهيل أسباب الزواج من تحديد المهور و جعلها ملائمة لحالة الوسط على قاعدة: لا ضرر و لا ضرار. فإن المغالاة في المهور قعد كثيرا من الطبقتين الفقيرة و المتوسطة عن الزواج، و تؤخرهم عنه إلى سن الكهولة، فيمر شبابهم كله في غواية و دعارة، و يضيعون فيها جيوشا كثيرة من البنين و البنات كانت الأمة في حاجة إليهم أكيدة.

تلك هي الملحوظات التي ارتأيناها في تشخيص داء الفجور و دوائه قدمناها لقرائنا الكرام عسى أن تكون نواة بحث و تفكير لمقاومة هذا المرض الفتاك، و نرجو أن نكون أدينا أمانة ربنا و أبلغنا إليهم ما وفقنا بمنه و كرمه إليه، هو المسؤول سبحانه و تعالى أن يفتح بصائر المسلمين لتشخيص أدوائهم و استحضار أدويتهم بما فيه عزهم و سعادتهم في الحال و المآل.


[1] وادي ميزاب، ع، 99، (07/09/1928م).

المسلسل

عنوان المقال

المسلسل

عنوان المقال

1   أيها الجزائري 26   رأينا في التجنيس
2   العلم و العمل 27   التمدن الممسوخ
3   الإصلاح 28   يتقمصون في تبشيرهم بوادي ميزاب
4   الإسلام يحتضر والمسلمون يهزلون 29   الإسلام بين شقي المقراض
5   الاعتماد على النفس 30   وصايا كذاب لابنه
6   الثبات على المبادئ 31   وباء الفجور (1)
7   الثقة بالنفس 32   وباء الفجور (2)
8   أين المفر؟ 33   وباء الفجور (3)
9   نحن و أنتم 34   وباء الفجور (4)
10   الحق و مذاهب الناس فيه 35   وباء الفجور (5)
11   آخر سهم في كنانة المعمرين نحو الإسلام 36   حادث تمزيق الجواز
12   يجب الاعتماد على المؤسسات لا على الأشخاص 37   الصراحة خير علاج للأمة
13   الغيرة 38   مقياس الأمة برجالها
14   شعور الأمة نائم فماذا  ينبهه؟ 39   الانتخابات الأهلية
15   مستقبل جزيرة العرب 40   الدين و الإلحاد
16   سياج جزيرة العرب 41   الأمية في الأمم شلل
17   علي أن أعمل وليس علي أن أنجح 42   النفوس الرخوة
18   الوطنية الحقة 43   الإنسانية بين غضب الله و غضب أوروبا
19   اللغة العربية غريبة في دارها 44   افتحوا عيونكم أيها الغافلون
20   أخلاق الدجاجلة 45   العدالة تحتضر (1)
21   الألم يحرك العزائم 46   العدالة تحتضر (2)
22   الإعجاب بالنفس 47   كيف يكون الإحسان ؟
23   ضعيف النفس 48   إنما المؤمنون إخوة
24   جمعية الشبان المسلمين بمصر 49   وظيفة العقل في الإنسان
25   ماذا يراد بسكة حديد الحجاز؟ 50   أمات الرجال أم رفع القرآن؟
       
 

 

الصفحة الرئيسية  | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان  | مؤلفات أبي اليقظان  ماكتب عن أبي اليقظان  |

  أصدقاء أبي اليقظانعائلة أبي اليقظان  | صور من بلادي  | مواقع تهمك  اتصل بنا|  

 
 

أعلى الصفحة