الصفحة الرئيسية  | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان  | مؤلفات أبي اليقظان  ماكتب عن أبي اليقظان  |

  أصدقاء أبي اليقظانعائلة أبي اليقظان  | صور من بلادي  | مواقع تهمك  اتصل بنا|  

 

 

 

يجب الاعتماد على المؤسسات لا على الأشخاص[1]

لأجل حياة المشاريع العمومية و استمرارها ودوام سيرها باطراد في طريق الفلاح و النجاح و لأجل صيانتها من التحوير و التغير يجب الاعتماد فيها على النظامات و القواعد لا على الأعيان و الأشخاص، فإذا أراد قوم إنشاء مشروع عمومي و أرادوا حقيقة دوام حياته و سلامته من آفات التدهور و الانقراض فليعتمدوا على وضع خطة و نظام له قار، و لا يهملوا ذلك فيقتصروا على مجرد إسناده لبعض ذوي الكفاءات و الشخصيات البارزة، فإن النظامات القارة لا تتبدل ولا تتغير فهي على الدوام ثابتة كما هي، و المشروع المؤسس على مقتضاها في حصن حصين من التبديل و التغيير و الزوال، إذ لا يعوق سيره إلى الأمام شيء يقضى بعرقلته و تعطيله مادام مسيرا على ما تقتضيه تلك النظامات و كان إسناد مصالح المشروع إلى الكفاءة و انتزاعها من غيرهم على حسب ما تتطلبه تلك القواعد وكان تسييره على حسب ما تقتضيه تلك النظامات لا على حسب العواطف و الأهواء فمن أين يتسرب إليه ضرر يعوقه أو خلل يعرقله؟؟

نعم إذا هم أهملوا ذلك و اعتمدوا في حياته على وجود رجال ذوي خبرة و دراية على رأس إدارته فإنه لا يلبث أن يتزعزع ركنه  و يتدهور بنيانه لوضعه على هياكل الأشخاص، و هذه معرضة على الدوام للتبديل و التغيير بالمرض الحسي أو المعنوي، و الموت الجنسي أو النفسي، و إنما بقاؤه ببقائهم و ذهابه بذهابهم، إذ لا ضمانة هنالك تحفظ وجوده و حياته بعد انقراضهم و هل يسوغ عقلا أن يبقى البناء صحيحا و أساسه مهدوم؟

أجل في إنشائه على منهاج قار و تسييره عليه ضمانة تامة على حفظه و حمايته من كل الطوارق، فإذا ما حاد بعض مسيريه به عن ذلك المنهاج وجب بمقتضاه تعويضهم ممن فيه اللياقة للسير به في منهاجه و هكذا على الدوام.

هذه قاعدة كلية انتزعها علماء الاجتماع من كثير من المشاريع العمومية التي هي في ذمة التاريخ فإذا استعرضنا أمامنا نماذج منها دامت و استمرت حتى أثمرت، و أخرى ذبلت أوراقها وذويت أغصانها، بلا شك نجد أن السبب في بقاء الأولى هو غرسها في أرض قارة موطدة بأوتاد من القواعد مسيجة بسياج من النظام، و السبب في ذهاب الثانية إنما هو غرسها في أرض مترجرجة موضوعة على رؤوس أشخاص لا ضمانة لدوام حملهم لها إلا بمقدار ما تقتضيه الصدفة  و الاتفاق، و هذه عقيمة قلما تلد الأبطال والعبقريين اللهم إلا بعد خراب البصرة، و بالرغم من كل ذلك فإنها تعتمد في المشاريع على هياكل الأشخاص و يتكلون في حياتها  و دوامها على وجود زيد أو عمرو و هذا لا يلبث أن تصيبه نكبة فيعجز عن القيام بمهمته فيتدهور بسببه المشروع و ينهار، و قد أخفقنا في كثير من مشاريعنا قديما و حديثا لهذا السبب عينه، و لا نزال كذلك مادمنا نعتمد على الأشخاص لا على المؤسسات ولو أننا نعتمد فيها على القواعد و تحكم في تسييرها نظاماتها التي نضعها لها لا عواطفنا و خواطر أشخاصنا فهل تموت قبل الولادة و تصاب بالعقم يوما ما؟ أو لا تدوم وتستمر ما دامت تلك النظامات. نعم قد يعرض لها عائق من الخارج يقضي بتعطيل سيرها أو بإبادتها ولكن ليس من العسير على المسيرين له حسب تلك النظم تمهيده و تذليله كما نرى في كثير من المشاريع الكبرى المرتكزة على النظام لا على الأشخاص، على أن هذا نادر جدا في جانب ما يضمحل  و يزول بسبب الهمجية و الفوضى الداخلية التي تنشأ بطبيعة الحال عن عدم ارتكاز المشروع على القواعد و النظامات.

و قد حاد غالب المسلمين عن العمل بهذه القاعدة حسن ظنهم بعواقب الدهر و قصور نظرهم عما سيلده الغد و تقديسهم للأشخاص إلى درجة العصمة و جعلهم أياهم في مأمن من الخطأ و الغلط و المرض و الموت ووهمهم أن في تقييد المسيرين بالقواعد  و النظامات ما يقلل ثقتهم و يلصق بأعراضهم و صمات مختلفة   

كما أن كثيرا من العاملين لا يرتضون أن يتقيدوا بشيء من ذلك و ليس هذا بسديد فليس معنى تقييد المسيرين بذلك كما يظنون  و لكن معناه تأسيس حماية و اتخاذ ضمانة للمشروع تقيه عوادي الدهر و حوادث الزمان بصرف النظر عن مقام زيد و مرتبة عمرو، و قد يتسرب إلى كثير من الأوهام لما ذكرنا أن فساد القائمين بمشروع ما موجب لفساد المشروع، قاض بهدم بنيانه و لو كان هو عين السعادة و الحياة كما يتوهم بعض أغرار المسلمين بالقطر الجزائري، إن فساد كثير من قضاته موجب لنزع القضاء بتاتا من أيدي المسلمين ووضعه في يد غيرهم  و الغير أدرى بمصالحهم منهم و أرحم منهم لهم فيما يظنون و هم بهذا يحسبون أنهم يحسنون صنعا  و أنهم يقدمون إلى أمتهم خدمات جليلة يستحقون منها شكرهم عليها و لم يتفطنوا أن القضاء شيء و القضاة شيء آخر، و أن مثار الفساد و منبع الجور إنما هو ناشئ عن عدم كفاءة القضاة، لا من أصل القضاء الإسلامي الذي هو آخر أثر بقي في أيدي المسلمين من معالم الإسلام.

و إنما حملهم على ذلك ظنهم أن لا عبرة بالمؤسسات، و إنما العبرة بالأشخاص، و الأشخاص كما يقولون غير أكفاء فلو كان لهم شعاع من نور البصيرة لطلبوا بكل إلحاح إعداد القضاة الأكفاء، و فتح أبواب المحاكم لهم  و تضييق الخناق على المتطفلين على منصات الأحكام و إغلاق الأبواب دونهم، فلو كان لهم بصيص من التوفيق لاحتجوا قديما ضد تأخير الأكفاء و إقصائهم و تقديم الجهلة و تقريبهم، كي لا يكونوا سوادا في وجه القضاء الإسلامي و حجة في أيدي أخصام الإسلام، على أن أحكامه لا تلائم روح هذا العصر الحاضر فتصبح الأمة أمام أمر واقع كما هي الآن تستغيث ولا مغيث وتسترحم ولا راحم، وتستصرخ ولا مجيب، فلو كان لهم ذرة من الغيرة الإسلامية لملؤوا الدنيا صراخا و عويلا  و احتجاجا مع الأمة على انتزاع آخر حجر من حصن الإسلام، لا أن يكونوا معولا في أيدي الهادمين لها. وإذا فروا من قضاة المسلمين لجهلهم وجورهم فنزعوا قضاء الإسلام من يد الأمة الإسلامية ووضعوه في يد غيرها، ـ و هي طبعا غريبة عن الإسلام وعن تقاليد المسلمين و عوا ئدهم ـ فهل يرون هذه نقية نزيهة مما وصموا به أخرى؟ و هل يرجون من هذه من العدل و المساواة ما فقدوه من تلك؟ وإذا ما أيسوا من أن تقطر من بنان تلك قطرة من الرحمة فهل أيقنوا بفيضان منبع الرحمة و الشفقة من بنان هذه؟ ليس اندهاشنا و استغرابنا مما يكيده أخصام الإسلام من المكائد المبيدة له، فان لهؤلاء مصالح و غايات يعملون لتحقيقها ويسيرون إلى مثلها الأعلى بأساليب و نظامات بكل ما أوتوه من القوة و المهارة فلا عتب عليهم ولا ملام، ولهم عذرهم في ذلك إذ لم يعملوا في نظرهم إلا صالحا ولم يقصدوا إلا تأييدا لنفوذهم و توطيدا لقدمهم وخدمة لأمتهم فيما يظنون و هذه نتيجة طبيعية نحو الإسلام و إن ذروا من البخور أحيانا ما ينوم النفوس و يسكن الأعصاب، ولكن اندهشنا و استغربنا من بعض الذين يدعون أنهم أبناء الإسلام و هم في الحقيقة أدعياء فيه، لا في العير و لا في النفير، فلقد أخذتنا الحيرة من هؤلاء الذين يصفعون وجوههم بأيديهم و يغمدون خناجرهم في صدورهم، و يرون عزتهم في ذلهم، و سعادتهم في بؤسهم و حياتهم في موتهم، و هم فيما يزعمون عقلاء في حالة الجواز.

و ليت شعري كيف يجنون لأمتهم ودينهم الحنيف تلك الجناية الفضيعة وهما لم يجنيا لهم شيئا و إذا لم يعجبهم منهما شيء و أرادوا الانسلاخ منهما فلينسلخوا   و كفى، و ليبرؤوا منهما فحسب، أما أن يحاولوا نزع أعز شيء بالإسلام و أقدس مأثرة بيد الأمة باسم نفع الأمة و خدمتها فليس من العقل ولا من الحصافة في شيء. و إذا كانت لهم بعض حزازات نحو بعض الموظفين فهم وشأنهم معهم فما بال مصلحة الأمة وما جرمها؟ وهل من الإنصاف أن يضحوا بتلك المصلحة الكبرى العامة انتقاما لأغراضهم الذاتية من أصحابهم؟ أين الإسلام يا قوم؟ أين الغيرة؟ ومالي أرى حرارتكم الدينية و الوطنية قد انخفضت إلى ما تحت الصفر بخمسين درجة؟ أو تظنون أنكم ـ وأنتم في الإقليم المعتدل ـ تعيشون في جو بارد بخمسين درجة تحت الصفر، فانتبهوا من غفلتكم وتوبوا إلى رشدكم، وتداركوا حالتكم التي تعالج أخطار النزع قبل أن تلفظ النفس الأخيــــر.


[1] وادي ميزاب ع : 31 ( 13/05/1927)

 
المسلسل

عنوان المقال

المسلسل

عنوان المقال

1   أيها الجزائري 26   رأينا في التجنيس
2   العلم و العمل 27   التمدن الممسوخ
3   الإصلاح 28   يتقمصون في تبشيرهم بوادي ميزاب
4   الإسلام يحتضر والمسلمون يهزلون 29   الإسلام بين شقي المقراض
5   الاعتماد على النفس 30   وصايا كذاب لابنه
6   الثبات على المبادئ 31   وباء الفجور (1)
7   الثقة بالنفس 32   وباء الفجور (2)
8   أين المفر؟ 33   وباء الفجور (3)
9   نحن و أنتم 34   وباء الفجور (4)
10   الحق و مذاهب الناس فيه 35   وباء الفجور (5)
11   آخر سهم في كنانة المعمرين نحو الإسلام 36   حادث تمزيق الجواز
12   يجب الاعتماد على المؤسسات لا على الأشخاص 37   الصراحة خير علاج للأمة
13   الغيرة 38   مقياس الأمة برجالها
14   شعور الأمة نائم فماذا  ينبهه؟ 39   الانتخابات الأهلية
15   مستقبل جزيرة العرب 40   الدين و الإلحاد
16   سياج جزيرة العرب 41   الأمية في الأمم شلل
17   علي أن أعمل وليس علي أن أنجح 42   النفوس الرخوة
18   الوطنية الحقة 43   الإنسانية بين غضب الله و غضب أوروبا
19   اللغة العربية غريبة في دارها 44   افتحوا عيونكم أيها الغافلون
20   أخلاق الدجاجلة 45   العدالة تحتضر (1)
21   الألم يحرك العزائم 46   العدالة تحتضر (2)
22   الإعجاب بالنفس 47   كيف يكون الإحسان ؟
23   ضعيف النفس 48   إنما المؤمنون إخوة
24   جمعية الشبان المسلمين بمصر 49   وظيفة العقل في الإنسان
25   ماذا يراد بسكة حديد الحجاز؟ 50   أمات الرجال أم رفع القرآن؟
       
 

 

الصفحة الرئيسية  | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان  | مؤلفات أبي اليقظان  ماكتب عن أبي اليقظان  |

  أصدقاء أبي اليقظانعائلة أبي اليقظان  | صور من بلادي  | مواقع تهمك  اتصل بنا|  

 
 

أعلى الصفحة