الصفحة الرئيسية  | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان  | مؤلفات أبي اليقظان  ماكتب عن أبي اليقظان  |

  أصدقاء أبي اليقظانعائلة أبي اليقظان  | صور من بلادي  | مواقع تهمك  اتصل بنا|  

 

 

 

يتقمصون في تبشيرهم بوادي ميزاب[1]

كنا كتبنا في عدد 18 من وادي ميزاب فصلا نحرض فيه على العمل و نبذ الكسل، و ننعى فيه على الكسلاء و المتواكلين الذين يعتذرون عن العمل بقرب نزول سيدنا عيسى عليه السلام و حلول الساعة الخ، ما أسهبنا في الموضوع إذ ذاك تنشيطا للنفوس الجامدة و تحريكا للهمم الفاترة.

و لم نشعر إلا و أوراق المبشرين تتساقط على الناس كأوراق الخريف، و قد اتصلت بأيدينا ورقة منها فقرأناها، فكدنا نموت من الضحك على سخافة عقول هؤلاء و سفاهة أحلامهم.

ضاع على هؤلاء رشدهم و فقدوا صوابهم و أفلسوا من وسائل الإقناع بدعايتهم، و لم يبق لهم من أساليبها إلا أن يتقمصوا جريدتنا (وادي ميزاب) و يستثمروا نفوذها، و يستخدموا سمعتها لإلفات ضعفاء الإيمان من المسلمين إلى تبشيرهم بالمسيح. اغتصب هؤلاء من فصلنا لفظة نزول سيدنا عيسى عليه السلام و اتخذوها سلما لتعليق شروحهم الزائفة عليها، و قد فعلوا ذلك توصلا إلى بث مهازلهم بين عموم المسلمين من بنوة عيسى و ألوهيته من جهة، و فديته بدمه للخلق من جهة أخرى، و كونه واسطة لهم تقربهم إلى الله زلفى و تدوين أسمائهم في سجل تلاميذه إلى آخر خرافاتهم الركيكة السمجة التي لا تدخل تحت المعقول و لا في دائرة المنطق، تعالى الله عما يخرصون علوا كبيرا.

نحن لا نعجب من هؤلاء و مزاعمهم الفارغة، فقد مل منها كل زمان و كل مكان حتى لفظها أبناؤهم و طاردوها، و لو لم تخدم دعايتهم السياسية في المستعمرات لأبادوها من الوجود، و لكنا نعجب من صفاقتهم و متاجرتهم  باسم (وادي ميزاب) حتى يظهروا للضعفاء أنهم و وادي ميزاب على وفاق المشرب و النزعة، فيسهل لهم مساغ دعايتهم الخبيثة ليهضموها.

و أغرب من ذلك أن يصدروا ورقتهم البائرة بالبسملة الشريفة، حتى إذا قرأها قارئ و قرأ بعدها وادي ميزاب و ما يليها من التعليق ظن أنه إنما يكلمه أحد من إخوانه المسلمين الناصحين، فعند ذلك يحشون له السم في الدسم، و لا يشعر إلا و قد امتزج في عقيدته الصحيحة الناصعة بنوة عيسى و ألوهيته و قدسيته الخ.

و إلا فما السر في تصدير ورقتهم بالبسملة و هم لم يؤمنوا بها، و إذا آمنوا بها فيلزمهم أن يصدقوا بكل ما نزل معها، و إذا فعلوا لزمهم أن يكذبوا أنفسهم في تلك المزاعم السخيفة.

إذا كانت معيشتكم لا تقوم إلا على بث دعايتكم الفاسدة، فهاتوا براهينكم  و أدلتكم في وضح النهار لا تحت أستار الظلام. و إذا ما أعوزتكم الحجة و البرهان فاخضعوا لحجة الإسلام القطعية، و إذا كان و لا بد من المكابرة و العناد مع الإفلاس التام من الدليل و البرهان فليكن على حسابكم لا على حساب (وادي ميزاب) فإن اختفاءكم به في اقتناص  العقول في الحث على العمل و نبذ الكسل لا في شرح نزول المسيح عليه السلام، فإذا كان لكم شيء من تعليق فليكن على الموضوع لا خارجه إن كانت لكم نوايا حسنة.

و قبل أن تخوضوا في مسألة نزوله و أن تدخلوا فيما استأثر الله به، يلزمكم أن تجردوه من الألوهية المزعومة وأن تؤمنوا به أنه بشر رسول و بقوله تعالى:

} قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم و لا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله و كلمته ألقاها إلى مريم و روح منه فآمنوا بالله و رسوله و لا تقولوا ثلاثة انتهوا خير لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السموات و ما في الأرض و كفى بالله وكيلا . لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله و لا الملائكة المقربون... { النساء/171 و172

} ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل و أمه صديقة كانا يأكلان الطعام أنظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يوفكون { المائدة/75

و قبل أن تخوضوا  في شرح نزوله و أن تدخلوا فيما لا يعنيكم يلزمكم أن تصدقوا أنتم و أممكم بكل ما جاءكم به تبشيركم برسول يأتي من بعد اسمه أحمد، أما أن تكفروا به و بما جاء به ثم تبشروا بألوهيته و تدعوا الناس أن يكونوا تلاميذه فهذا نهاية الجنون، و أنتم أحوج الناس لأن ندعوكم إليه و نحملكم على الإيمان به.

و إذا تبلدتم عن كل هذا و أبيتم إلا أن تتطفلوا على الدخول فيما لا يعنيكم و أن تتجاسروا على الخوض في غيب الله، فلماذا تناولتم  هذا البحث من ناحيتكم الزائفة  المقررة لبنوته و ألوهيته و وساطته و قدسيته الخ، و لم تتناولوه من نواحيه الحقة من أنه ينزل من السماء على شريعة الإسلام كأحد أبنائه و يدعو الناس إلى اعتناقها و اتباع هدي أخيه محمد صلى الله عليه و سلم و أنه يستمد الوحي من القرآن و سنة محمد القويمة لا أنه ينزل هو أو على شريعة أخرى حديثة ضرورة أنه لا نبي بعد محمد، و لا شريعة بعد شريعته و لا أمة بعد أمته r أغفلتم كل هذا و تمسكتم من البحث بقشوره لا لأجل شرحه و الاستدلال على صحته، و لكن لأجل الإدلاء به على إثبات بنوته و فديته و غفرانه الخطايا و دعوة الناس إلى تسجيل أسمائهم في دفتر تلاميذه الخ. و ليس وراء هذا من طائل غير اتخاذ اسم المسيح عليه السلام متجرا و هو بريء منكم لقوله تعالى: }سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته { المائدة/116.

فلا عجب إذا اتخذتم (وادي ميزاب) إذا مطية لبث دعايتكم بين المسلمين.

إن في وجود هؤلاء الجماعات بين المسلمين أضرارا مزدوجة للأمة و الحكومة معا، أما أضرارهم للأمة فإفساد عقائدهم التي التزمت الحكومة في كثير من المناسبات باحترامها، و إفساد أخلاق أبنائهم و جرح عواطفهم بطعنهم في أعز ما لديهم و غير ذلك من التدخلات الغريبة و المضايقات المقلقة.

و أما أضرارهم للحكومة فإن من صالحها أن تسود الثقة و الإخلاص نحوها في قلوب رعاياها المسلمين و هؤلاء الجماعات بإفسادهم عقائد المسلمين و التلاعب بعقول أبنائهم و تشويه أخلاقهم و آدابهم و الطعن في دينهم و رسولهم يحفرون هوة عميقة بين الأمة و الحكومة، و يخلقون بين الجانبين جوا قاتما، سيما إذا علموا أنهم يعملون تحت رعاية  الحكومة و حمايتها و بفضل قوتها و نفوذها.

إننا نتتبع جميع أعمالهم و مخازيهم، و نتطلع على أسرارهم و دخائلهم، و كنا نتغاضى عن ذلك علهم يرعوون و يقفون عند حدودهم، و إذا أبوا إلا التحكك بالإسلام و المسلمين فإننا سنبدي عوراتهم و نكشف للناس حقائقهم حتى يكون الناس على بينة من أمرهم.

و إرخاء الحكومة العنان أو تنشيطها لهؤلاء بعد التزامها على نفسها باحترام ديانة المسلمين و بعد إعلانها أنها لا دينية مما يزلزل ثقتهم بها و يجرح قلوبهم و هي في حاجة  إلى امتلاكها.

و نحن مع تأملنا في هذا الصنيع منها لم ندرك سره، و لا وجدنا له سببا يبرره، فإذا كان قصدها بذلك تمهيد الطريق لها فقد تمهدت و ملكت على المسلمين ديارهم و أموالهم و أي شيء بقي لها لم تصل يدها إليه، و إذا كان قصدها به امتلاك قلوب المسلمين فإن هذا يبعدها جدا عن المقصود، و لا تزداد به إلا بعدا، و لن تملك قلوب المسلمين بغير العدل و المساواة و الإحسان.

و مراعاة لمصلحتها و مصلحة المسلمين فإننا نحتج ضد وجود تلك الجماعات التبشيرية بالبلاد لا سيما في وادي ميزاب، و نرجو منها بكل إلحاح إلغاءها و حلها، فإن دوام وجودها بين المسلمين و سلوكها مسالك مشينة مما لا تحمد عقباه.


[1] وادي ميزاب، ع:76، (30/03/1928م)

المسلسل

عنوان المقال

المسلسل

عنوان المقال

1   أيها الجزائري 26   رأينا في التجنيس
2   العلم و العمل 27   التمدن الممسوخ
3   الإصلاح 28   يتقمصون في تبشيرهم بوادي ميزاب
4   الإسلام يحتضر والمسلمون يهزلون 29   الإسلام بين شقي المقراض
5   الاعتماد على النفس 30   وصايا كذاب لابنه
6   الثبات على المبادئ 31   وباء الفجور (1)
7   الثقة بالنفس 32   وباء الفجور (2)
8   أين المفر؟ 33   وباء الفجور (3)
9   نحن و أنتم 34   وباء الفجور (4)
10   الحق و مذاهب الناس فيه 35   وباء الفجور (5)
11   آخر سهم في كنانة المعمرين نحو الإسلام 36   حادث تمزيق الجواز
12   يجب الاعتماد على المؤسسات لا على الأشخاص 37   الصراحة خير علاج للأمة
13   الغيرة 38   مقياس الأمة برجالها
14   شعور الأمة نائم فماذا  ينبهه؟ 39   الانتخابات الأهلية
15   مستقبل جزيرة العرب 40   الدين و الإلحاد
16   سياج جزيرة العرب 41   الأمية في الأمم شلل
17   علي أن أعمل وليس علي أن أنجح 42   النفوس الرخوة
18   الوطنية الحقة 43   الإنسانية بين غضب الله و غضب أوروبا
19   اللغة العربية غريبة في دارها 44   افتحوا عيونكم أيها الغافلون
20   أخلاق الدجاجلة 45   العدالة تحتضر (1)
21   الألم يحرك العزائم 46   العدالة تحتضر (2)
22   الإعجاب بالنفس 47   كيف يكون الإحسان ؟
23   ضعيف النفس 48   إنما المؤمنون إخوة
24   جمعية الشبان المسلمين بمصر 49   وظيفة العقل في الإنسان
25   ماذا يراد بسكة حديد الحجاز؟ 50   أمات الرجال أم رفع القرآن؟
       
 

 

الصفحة الرئيسية  | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان  | مؤلفات أبي اليقظان  ماكتب عن أبي اليقظان  |

  أصدقاء أبي اليقظانعائلة أبي اليقظان  | صور من بلادي  | مواقع تهمك  اتصل بنا|  

 
 

أعلى الصفحة