الصفحة الرئيسية  | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان  | مؤلفات أبي اليقظان  |  ماكتب عن أبي اليقظان  | محاضرات المهرجان

مؤسسات باسم أبي اليقظان |  أصدقاء أبي اليقظانعائلة أبي اليقظان  | صور من بلادي  | مواقع تهمك  اتصل بنا

 
 

صحافة أبي اليقظان في عين الشيخ عبد الرحمن

 

إعداد: د. مصطفى صالح باجو


الشيخ صالح حدبون يلقي محاضرة الدكتور مصطفى باجو بالنيابة و بجانبه منشط الفقرة الأستاذ أحمد أولاد بهون


ترى الرجل النحيف فتزدريه       وفي أثوابه أسد هصور

كلمة صادقة على علم بارز دوّى فأسمع الصم والمتصاممين، وهزّ فأيقظ السكارى والنائمين.

أبو اليقظان، كلمة دخلت قاموس الحركة الوطنية، والحركة الإصلاحية، وعالم الصحافة العربية من أبوابها العريضة، وركزت لها بندا خفاقا، وأعلت صرحا باذخا، وغدت معلما شامخا، لما تحمله كلمات الوطنية والإصلاح والصحافة من معاني ودلالات.

لا يسع الباحث المنصف إلا الاعتراف بالعجز عن إيفاء هذا الرجل العظيم حقه من الإنصاف أزاء ما قدّم وأعطى لدينه وأمته ووطنه، باعتبار الظروف الزمانية والمكانية التي حاصرته حصارا شديدا، لا يثبت فيها إلا أولو العزم وراسخو الإيمان.

استعمار عسكري متسلط، وفقر مادي مدقع، وجهل مستشرٍ في كل الأوساط، وإخلاد لحياة الموت والفناء، في عالم يمور بالأحدث المزلزلة، تهز أركانه في كل المجالات، وتسعى كل أمة لتحتل صدارة الدنيا، وإلا سحقتها مطاحن الزمان.

من رحم هذا الثالوث الأسود ولد أبو اليقظان الصحفي، وقام يهز الرقود ويحيي الموات، يبعث في الأمة صرخة الإنذار، ويقارع وحيدًا أعزل جبروت الاستعمار.

يدفعه إيمان بقضية أمته ووطنه، ويقين بمعية الله، وثقة بصواب الوسيلة، وإصرار على مواصلة المسير، وأمل بنجاح المهمة وبلوغ المرام.

لماذا اختار أبو اليقظان ميدان الصحافة مجالا للجهاد المقدس، بالكلمة الطيبة، والنصيحة لله ورسوله والمسلمين، ومقارعة للظلم وجنوده المبطلين، ودفعًا للفساد وفضحًا للكائدين.

لم يكن اختيار أبي اليقظان لمجال الصحافة قرارا ارتجاليا، ولا نزوة تبتغي شيئا من مطامع الحياة وإشباعا لغريزة الظهور والزعامة.

بل كان ذلك نتيجة فكر مستبصر، ورؤية نافذة، تستكشف البواطن، وتسبر العلل والأسباب، وترى في الصحافة الوسيلة الأنجع، والكلمة الأسمع، والعصا الأقرع، والمنبر الأوسع، للوصول إلى كل إنسان، من وليّ وعدو، وقريب وبعيد. وإبلاغ المطالب لكل مسؤول مهما علا به المقدار، وتحصّن بالحجب والأسوار.

ومن نافلة القول التذكير بمولده، وأنه كان بالقرارة، (ميزاب)، يوم 29 صفر 1306هـ الموافق لـيوم 5 نوفمبر 1888م. وبها وافاه أجله المحتوم يوم الجمعة 30 مارس 1973 الموافق ليوم 25 صفر 1393 على الساعة العاشرة ليلا، وبلغ من العمر سبعا وثمانين سنة قمرية، إلا أربعة أيام.

نشأ يتيم الأب فقده قبل أن يتم رضاعه (1307هـ)، فكفلته أمه المسلمة البارة، وإن في عيش ضيق، وشاء الله ربنا أن يثمر غرسها، ويبارك في هذا اليتيم الفقير، فيجعل منه علما من أعلام الإصلاح في زمانه.

أما صورة الرجل في معترك الصحافة وأتونها، فندعها للشيخ عبد الرحمن بكلي( [1]).  يتولى بيانها.

وليس كالأقران الأصفياء مرآة صادقة في تصوير أنفس العظماء،

الشيخ عبد الرحمن بكلي

وإليكم صورة أبي اليقظان وتحليل دور صحافته التاريخي في مجال الوطنية والإصلاح، رسم ملامحها وألوانها وشكّل ظلالها الشيخ عبد الرحمن، ثم نتبعها برسالة بعث بها إلى رفيقه وصديقه أبي اليقظان، يستحثه لمواصلة المسير، بعد انقطاع عن الصحافة أربى على عشر سنين. علّه يعاود الكرّة، وينازل الأعداء بعد أن نجم قرنهم واستأسدوا حين آوت الأسود إلى عرينها.

وكلا اللوحتين صادقة رائعة، دبجهما الشيخ عبد الرحمن بأسلوبه الطلي، وأدبه النديّ، وهما منجم غنيّ ومادة ثمينة للدارسين والباحثين.

يذكر الشيخ عبد الرحمن بواكير صلته بأبي اليقظان قائلا: «وأنا كمعاشر ملاصق له سنين عديدة يضمنا منـزل واحد في تونس أيام البعثة العلمية الميزابية، وفي الجزائر أثناء خوض معركة الصحافة، وتأسيس المطبعة العربية في دوره العصيب، بل وحتى بعد أن انصرف عن الصحافة إلى التأليف، كنت بجانبه ولم أفارقه، مساعدا له ومناصرا، أبادله الرأي وأشاطره المعونة»( [2]).

ويصف خصائصه النفسية والخلقية والإيمانية، وصفا يحمل في مطاويه الإعجاب والتقدير مع التحليل والتفسير.

يقول الشيخ عبد الرحمن: «عاشرته مدة طويلة، وتمرست به في شتى حالاته، وخبرت نفسه بما يفضي إليّ به من حين لآخر، فكان الرفيق في عشرته، النـزيه في معاملته، ضحوك السن، بارع النكتة، مرحًا إلا إذا حزبه أمر يسيء، فيتحمله صابرا راضيا بقضاء الله تعالى وحكمه محتسبا، متواضعا، كثير الاحتمال لأصدقائه، منصفا إذا أخطأ، يقبل الحق ولا يكابر، سليم الصدر لا يضغن ولا يحقد ولا يغضب، إلا إذا انتهكت حرمة من حرمات الله.

وبالجملة فقد كانت أخلاقه أخلاق السلف الصالح، وعشرته عشرة المسلم الذي سلم الناس من لسانه ويده، والمؤمن الذي أمنه الناس على دمائهم وأموالهم.

عرفت فيه المسلم الصحيح العقيدة، المخبت دينه لله، الذي لا يفتر عن تلاوة كتاب الله، اتخذه ورده الراتب، يستهل به يومه، متنسكا خاشعا لله، يوحي منظره الخشوع والتقوى والاستقامة. لم يأل جهدا في بث هذه الروح الطاهرة في نفوس معاشريه من أبناء البعثة التي كان يشرف عليها، زيادة على الدروس الدينية التي كان يلقيها عليهم دراكًا، يطعّم بها نفوسهم ويثبتهم بها على نهج الاستقامة.

عرفت فيه المؤمن القوي: قوي في إيمانه، قوي في أخلاقه وإخلاصه، قوي في موقف الحق لا يحيد عنه ولا ينثني، قوي على أعداء الله، لا ترهبه قوتهم ولا كثرتهم، معتصما بالله الذي كتب لنفسه العزة ولرسوله وللمؤمنين. غيور على الإسلام ومؤسساته ووحدته، ويسوؤه أن يرى المسلمين أنىّ كانوا مضطهدين مختلفين جاهلين.

%  هذه النفسية الكبرى هي التي حملته على  الهجرة إلى يسجن ليتلقى معلوماته عن مجتهد الأمة الشيخ امحمد اطفيش رحمه الله.

%   وإلى تونس سنة 1912، و1916 لملازمة حلقات الزيتونة.

%   وإلى تأسيسه مدرسة قرآنية على الطراز الحديث بالقرارة سنة 1915.

%   وإلى الإشراف على البعثة العلمية في تونس من سنة 1916 إلى 1926.

% وإلى المشاركة في تأسيس الحزب الدستوري بها في سنة 1917، وبلائه الحسن في نصرة زعيمه يومئذ الشيخ عبد العزيز الثعالبي، إسعادًا لأمة مسلمة شقيقة في قضيتها المصيرية.

% وإلى المشاركة في تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين سنة 1931، فانتخابه عضوا في إدارتها نائبا لأمين ماليتها.

%   و إلى إنشاء المطبعة العربية على حين فقد الطباعة الوطنية بالجزائر، سنة 1931.

وهكذا نجد سر ما حققه من أعمال، وبلغه من أهداف يكمن في هذه الروح القوية التي تقمصها ذلك البدن الضعيف. ولم يكن فقيدنا رحمه الله أغزر أهل مجتمعه علما، ولا أقواهم بنية، ولا أغناهم مالا، ولا أكثرهم أنصارا، ولكنه كان من أصحهم عقيدة، وأكثرهم إخلاصا، وأبعدهم همة، وأصفاهم نية، وأشدهم غيرة على الإسلام والمسلمين.

«ما فضلكم أبوبكر بكثرة الصلاة والصيام، ولكن بشيء وقر في صدره»([3]).

وما إن فاز أغـزنا علومـــا    ولكن فازأسلمنـا ضميـرا([4])».

«ساءه أن يرى أمته تسام خسفا، وتساق سوق الأنعام إلى المجازر، وهاله الجور المطبق الذي عمّ طبقاتها، ورأى إدارة الاستعمار الغاشمة، وقد استعانت على إذلال الأمة بخِـوَنة وتحُوتٍ من أبنائها منحتهم وظائف خيالية (قياد، وأغوات، وبشغاوات) أوهمتهم أنهم الحكام بأمرهم، تجب طاعتهم على كل حال، ويحرم عصيان أمرهم وإن بلغوا ملمس العفة والحياء، فسلَّطَتهم على بني جلدتهم كلابًا مسعورة، ، وقذائف يحرقون ويدمرون، فأشغلت البعض بالبعض وتفرغت لإذلال الكل.

لا مدارس صالحة تنشئ جيل المستقبل، اللهم إلا على شبه خرافات "الصوالح" و"ابن سيدوه" و"قصص جحا" تذهب أعمارهم سدًى، وتحبب إليهم المستعمر وحياة الذل والاستعباد. ولا هيئات ودعاة ملّيّة أو أحزابا سياسية توقظ الشعور في الأمة وتدعوها إلى الحياة، ولا صحافة نزيهة تعبر عن آلامها وآمالها، وقد توثق المستعمر لإدامة موت الأمة، بسدّ منافذ الحياة، وغلق معاهد العلم في وجه أبناء البلاد، اللهم إلا  أبناء بعض عملائها المدللين، ثم أغرقتهم فوق ذلك بسيل من أبنائها الغلاة، فمكنتهم من خيرات البلاد يمتصونها، ويسخرون أربابها عبيدا، فحرمت الإدارة العسكرية بغطرستها وظلمها الأمةَ الجزائرية أدبيا، وأبناءه النازحون إليها بامتصاصهم  خيراتها ماديا، فأصبح أبناء البلاد كالغثاء يُرمى على الشاطئ.

أزاء هذه الحالة  الأسيفة تحركت دماء الغيرة في عروق أبي اليقظان، فدفعت به إلى ميدان الصحافة يخوض غمارها ببسالة وشجاعة القائد الماهر، واستطاع بفضل إخلاصه ابتغاء وجه الله بعمله أن يبلغ بعض أهدافه، ومن الأمة بعض ما يريد منها، فتظافرت صحافته وصحافة العلامة ابن باديس رحمه الله على حياة الأمة، فاستيقظ نائم وانتبه غافل، وانبعث عامل، فسرت الحياة في منابت عودها، وشقت طريقها نحو غايتها، الأمر الذي أقلق المستعمر الطاغية، رغم اعتزازه بقوته...»( [5]).

ولم يكن حديث البكري عن صحافة أبي اليقظان كحالنا في هذا الزمان، نصور المشهد من مدرجات المتفرجين، غير مدركين لما يكابده المتنافسون أو المتصارعون. بل كان البكري مع صاحبه في خندق واحد، وإن تشرّف أبو اليقظان بحمل اللواء وتصدر المعركة.

أجل لقد ظل الشيخ عبد الرحمن

فكان نعم المعين للشيخ أبي اليقظان في نضاله الصحفي، سيما ما يتعلَّق بتعريب المهمِّ من المقالات التي تصدر في الصحف الفرنسية بالجزائر وبفرنسا، لتضلُّعه في اللسانين؛ وقد نشرت له العديد من المقالات، وكانت ممضاة غالبا باسم «البكري»، أو باسم «عبد الرحمن بن عمر».

ومن وحي هذه المعاناة يسجل البكري «بمداد الفخر والإعجاب جهاد أبي اليقظان العظيم في ميدان الصحافة، وبطولته النادرة في مضمار الوطنية، والثبات على مبدإ الحق والتصريح به. فلقد رفع عقيرته بالحق ونعى على الاستعمار ظلمه، وعلى الطغيان عتوه، وعلى التبشير تضليله، وعلى الجمود خموله وتنطعه، بكيفية أكسبته إعجاب الصديق والعدو، في وقت استحكمت فيه حلقات الاستبداد، وأَصْلَتَ الجبروت سيفه على رؤوس العباد، وخنقت فيه أنفاس الحرية: حرية الصحافة والنشر، وأصبح من يخوض غمارها من الأهالي كمن يقطع مسبح التماسيح، فهو معرّض للخطر في كل لحظة وحين، لا يدري أي داهية تُصَبِّحه أو تمُسِّيه.

أبرز جرائد ثمانية في فترة تتراوح من سنة 1926 إلى 1938، هي: وادي ميزاب، ميزاب، المغرب، النور، البستان، النبراس، الأمة، الفرقان.

سقطت الواحدة تلو الأخرى في ميدان الكفاح، وكانت كلّمـا تمكنت الواحدة منها في السير وأتيح لها النشر والرواج، وأدتها إدارة الاستعمار الجزائرية التي تقوم أبدا سدًّا منيعا دون تقدم المسلمين ويقظتهم([6]).

ولقد آزرته في جهاده هذا نخبة صالحة من علية كُتّاب الأمة، أبلوا معه البلاء الحسن، منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلا. كالأستاذ الجليل زعيم الإصلاح الشيخ بيوض، والشيخ الثميني، والشيخ ابن الشيخ قاسم بن الحاج عيسى، والشيخ عدون بن بالحاج شريفي، والشعراء: مفدي زكرياء، ورمضان حمود، ورستمي بكير، والبكري كاتب هذه السطور، والأديب المخلص تاعموت عيسى، بدعايته وتوزيعه، وغيرهم كثير ممن لا تزال أسماؤهم مسجلة على صفحاتها.

هزهزت هذه الصحف أقطار الأمة ورجَّتْها رجًّا عنيفا، ورفعت من قيمة الإصلاح الذي يعتبر صاحبها أحد أعلامه، وذللت العقبات ومهدت الصعوبات أمام العاملين، وشدخت رؤوسا عالية أعلاها الطغيان، فأطارت من أنوفها غنـزوانتها، وجففت دموعا كاذبة كان يتخذها الجامدون سلاحا يُغرون به بسطاء الأمة، وساذجيها. وربطت صلات الأمة الميزابية بالمجتمع الإسلامي، فعرفها كثير من قراء العربية بعد أن كانت مجهولة لديهم تماما. ورفعت للجزائر رأسا في عالم الشرق والغرب، وشقت طريق الصحافة الوطنية أمام الأمة الجزائرية. وحلت مشاكل اجتماعية وعلمية كانت أعقد من ذنب الضب. يستمسك بها خصوم الإصلاح، ويتخذونها ذريعة لاصطياد العامة. فاستبانت الأمة طريق الرشد، ونزع الكثير رقبته من ربقة الذين يصطادون في الماء العكر، فزاد ذلك في الإصلاح بقدر ما نقص من جانب خصومهم.

وبالجملة فقد نزعت الصحافة التي أشرف على تحريرها الشيخ أبو اليقظان أشواكا كثيرة من طريق الإصلاح، وصاولت دونه حتى تأتّى له أن يتقدم تقدما لولا الصحافة ما كان يتقدمه.

ودونك أبرز المواضيع التي طرحتها وأعطتها كامل عنايتها، فأتت بثمرات لا يجحدها إلا كافر النعمة ولا ينكرها إلا ناكر الجميل:

  1.    صرخت في الأمة صرختها الداوية إلى العلم، فاستفاقت من سباتها نوعا، وسار تيار هذه الدعوة في أوساطها فأقبلت على مناهله، وإن كان إقبالا في فتور، وشربت وإن كان شرابها ارتشافا، وشفًّا لا اشتفافا، ولا عبًّا ولا اكتراعا.

  2.   نازلت بعض طواغيت الحكام، الذين يظنون أنهم بنجوة عن القانون، ويخيل إليهم أنهم الحاكمون بأمرهم، لا معقب لحكمهم ولا راد لأمرهم، فكشفت القناع عن مخالفاتهم، وأسمعتهم كلمة الحق قاسية، وناقشتهم الحساب في عدة مواقف، الأمر الذي قيد اندفاعهم وتركهم يتفكرون قبل أن ينبعثوا، ويرتدون أحيانا مخافة التعقيب والمناقشة والتشهير.

  3.   تناولت بالنقد بعض الأغنياء الذين بطرتهم النعمة، فتعدوا حدود ما أنزل Q على رسوله، وحاولوا إذلال أمتهم، وتسخيرها لمصالحهم وأغراضهم الخاصة، وتسليط بعضهم على البعض الآخر إشغالا للطرفين، وتأسيا بالاستعمار في أساليب استغلاله، شأن من تربى في أحضانه وعاش تحت ظلاله. فأرسلت عليهم صواعقها المحرقة، وأنزلتهم من صياصيهم، وقذفت في قلوبهم الرعب، وألفتت نظر الأمة إليهم، حتى عرفهم الخاص والعام، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيي عن بينة.

  4.   خاضت معارك الاقتصاد فعقدت الفصول الضافية في مختلف مباحثه، وشرحت مسألة التجارة، التي انغمست فيها أمتنا على اختلاف طبقاتها إلى الناصية، شرحا أوضح غامضها، وشخص أدواءها، وأبان فائدتها والغاية منها. وألفتت نظر الأمة إلى المحتكرين اليهود الذين يريدون أن يتخذوها بقر نمل يمتصون دماءها، ويستنـزفون جهودها، ويعقّدون مشاكلها، ثم يضحكون على أذقانهم. فأيقظت فيهم الشعور بالذاتية، ودعتهم إلى الاعتماد على النفس، والاستغناء عن هذه الوسائط الطفيلية، وفتحت عيونهم  إلى ما يراد بهم، وإلى الأساليب التي تنقذهم وتنعشهم.

  5.   عالجت كثيرا من المسائل العلمية الهامة، فأفسحت المجال لأقلام الباحثين التي نفت الشبه وبددت الأوهام، وأوضحت المحجة، فمكنتهم من ركوب ظهر سماسرة العلم وأدعيائه، الذين يحاولون احتكاره لأنفسهم، وتحجير عرائسه عن غيرهم بالحجة والبرهان، والإيضاح والتبيان. حتى اختال الحق بين أعمدتها اتضاحا، وتضاءل الباطل افتضاحا.

  6.   نافحت عن هذا الوطن كثيرا من خصومه الطاعنين فيه خبثا وبغضا، وأَصْلَتْهُم بما أظهرت من باطلهم نارا حامية، وتركتهم مضغة في فم التاريخ، تلوكها الأجيال، ثم تلفظها لأنها ميتة لا تستساغ.

  7.   بالغت في تربية الأمة وغرس مكارم الأخلاق فيها، وتنفيرها عن الأخلاق المدنسة، والعود بها إلى هدي القرآن وسيرة السلف الصالح، والرجوع إلى حظيرة الدين الذي لا تدرك السعادة إلا من سبيله.

     8.       انتقدت سلوك بعض الإدارات التي قصرت في أداء مهمتها، بكيفية أعادتها إلى رشدها.

  9.   أثارت ماضي تاريخ الأمة وأشعرتها بسابق عزها وسالف مجدها، لتبعث الأبناء على الاقتداء بالآباء في الجلائل والعظائم.

 10.  رفعت مطالب الأمة إلى الحكومة في شتى المناسبات، فشخصت الداء ووصفت الدواء، وشرحت حال الأمة شرحا تاما، فكانت بذلك لسانها المبين وترجمانها الأمين.

 11.  أطلعت الأمة على اللجان التي كانت ترسلها الحكومة لدراسة الوطن ومعالجة أزماته، فحفزتها إلى مقابلتها  وبسط حالتها أمامها، وتقديم مطالبها عساها تصادف على يد بعضها إسعافا أو إسعادا.

 12.  وبالجملة فقد شرّفَت الأمة بأسرها، إذ أصبحت بها أمة ذات لسان يعبر عن آمالها وآلامها، وينافح دون حقيقتها. وينشر بين سمع الدنيا وبصرها صحائف خالدة من تاريخها وصورا رائعة من مظاهرها.

إلى غير ذلك مما لم نأت له على بيان.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن صراحة الشيخ أبي اليقظان النادرة، وانتقاداته اللاذعة، وإيمانه القوي الذي يدفع به إلى بحبوحة المعمعة، قد أثارت سخط صحافة الاستعمار في الشمال الإفريقي، وفي فرنسا معا، إذ أخذت تلمس في الأمة أثر دعوته، وتحسب لمستقبل صرخاته ألف حساب. لذلك رأت من واجبها أن تلفت إلى خطره نظر أولي الأمر، وتنعته إليهم بالعدو رقم 1، ليسكتوا هذا الصوت الندي. أو بعبارة أصرح، ليقضوا على هذا العدو اللدود.

ودونك شاهدا ما نشرته الجريدة الكبرى الباريسية "لكسيون افرنسيز" في عددها الصادر تاريخ 18 أبريل سنة 1933، بقلم "فرناند غويه" تحت عنوان "الوطنية الإسلامية في القطر الجزائري" قالت في معرض الكلام عن المزابيين، ما تعريبه باختصار:

«إن الميزابيين كتلة ممتازة بين العنصر العربي والبربري، وغالبهم أغنياء مثقفون عاملون، فقد استطاعوا أن يصيّروا بجهودهم رقعة ميزاب الجرداء جنة غناء وارفة الظلال، وإنهم يعتبرون أنفسهم أهدى سبيلا من بقية الطوائف الإسلامية، ومنهم عدد وافر يشتغلون تجارا في مدن الشمال، يحترفون القصابة والعطارة والبزازة، لكنهم مع تزمتهم وتشددهم في الدين لا يبغضون النقود الأروبية !!! ثم قال:

لا يزال الميزابيون من زمان بعيد يشهرون ضدنا على أعمدة صحفهم حملات الكذب والطعن في سياستنا، ومن جهة أخرى فإنهم يعتزون ويفخرون بأنهم يمتازون بدائرة عن غيرهم، وخصصوا بعدد من الجنود معيّن سنويا، وإنهم يستطيعون أن يمنعوا غير المسلم أن يبيت في بني يسجن "البلدة المقدسة"، بل حتى المكتب الفرنسي فقد بنوه خارج أسوارها، الأمر الذي جعلهم يرون في إغضائنا وتسامحنا معهم ضعفا، لذلك تراهم يهاجموننا بكل وسائل الهجوم. .. .. إلى أن قال:

ومن المقرر الثابت أن الميزابيين هم المهيّجون الحقيقيون والمنسقون لمظاهرات الشوارع، وقد شهد بعض من يوثق به أنه رأى وسمع أحد هؤلاء الميزابيين يقول للعمال العرب: "لا تبرحوا الميدان، (البطحاء) ولكن جولوا فيه حتى لا يستطيع أعوان البوليس طردكم".. .. .  إلى أن قال:

"وهو محل الشاهد"

وهنا لص رابع "لص عقول" ميزابي الأصل، مشهور لدى مكاتب الأمن العام، هو إبراهيم بن الحاج عيسى أبو اليقظان، وهو بلا شك من ضمن هذه العصابة (يريد بالعصابة الزعماء الذين تصدوا لإيقاظ الشعب أمثال العقبي وابن باديس والإبراهيمي المتكلم عنهم في الأصل) وهو ألد أعدائنا. تلقى دروسه في تونس، وأنشأ هناك مدرسة لتعليم الناشئة الميزابية، ثم استقر بالجزائر، فأبرز جريدته "وادي ميزاب" التي لم تلبث الإدارة أن عطلتها كما عطلت لاحقتيها "ميزاب، والمغرب". وأنه الآن بصدد إبراز جريدة "النور" التي هي لسان حال الوطنيين، فهي تنتقد السلطات العامة انتقادا مُرًّا لاذعا، وقد أخذ المسلمون الذين يتصلون بهؤلاء يقلقون المسلمين الذين لا يزالون يحافظون على مودتنا إلخ إلخ»

نشرت كل ذلك تحريشا وإغراء للسلطات العامة لتضرب على يد الشيخ أبي اليقظان، ولكن كلما حاولت هذه إسكاته بوأد جريدة من جرائده، طلع عليهم بنغمة جديدة، وأفهمهم بالبرهان المحسوس أن صوت الحق لا يخنق، وروحه لا تكبت، وأن العمل إذا قصد به وجه Q لا يعطل، أو تستقر معانيه بِـحبّات القلوب، ثم لا تلبث تلك البذور أن تنبت فتثمر ثمراتها المطلوبة في المجتمع.

هذا ولا أدل على نفسية الشيخ أبي اليقظان من محادثة دارت بينه وبين م. مرانت، مدير الأمور الأهلية الذي استطاع بمكره ودهائه أن يخمد في الأمة الجزائرية الروح الوطنية جيلا أو يزيد، ويضرب بعضها ببعض، فيهدم هذا ما بناه ذاك، ويطلع بواسطة الواحد على ما يُبَيِّتُه ويدبّره الآخر في الخفاء، فيَبِيتَ هنيئ البال قرير العين من الاثنين.

أما عن الشيخ أبي اليقظان فإنه لما عجم عوده وأبلى عقيدته وجده أصلب نبعا وأسمى عقيدة مما كان يظنه ويقدره، ولقد طالما حاول أن يدرك منه ما أدركه من غيره فلم يفلح. لم يستفزه وعده ولا  نهنهه وعيده، فلما أعياه أمره حاول مساومته جهارا فجرت بينهما شبه المحاورة الآتية:

مرانت: ماذا تطلب من وراء مهاجمتكم سياستنا، وسعيك في إيقاظ من لا يطلب منك إيقاظه؟

إن كنت تريد بذلك مالا أو وظيفا أو نيشانا أعطيناكه، وكُفّ عنك  من هذا التعب المضني الذي لا يفيدك شيئا، ولا يجرّ لك سوى سخط الحكومة ونقمتها، ففي إمكانها أن تبطش بك وتشمت بك الأعداء.

أبو اليقظان: أنا لا أطلب مالا ولا نيشانا ولا وظيفا، وإنما أطلب رضاء ربي وراحة ضميري، بالقيام بما أراه فرضا حتما عليّ، وشيئا من حرية العمل. وحاشا الحكومة أن تؤذي من لا يتعدى حدود الحق والقانون.

مرانت: ولكن لابد وأنك ترمي من وراء ذلك إلى غاية مادية، فما هي هذه الغاية التي ترجوها؟

أبو اليقظان: أرجو أن يدخلني Q جنة رضوانه في دار جزائه. فهل يمكنك أن تمنحنيها لأترك عملي؟

]فبهت الذي كفر، والله لا يهدي القوم الظالمين[.

بهذه الروح الجبارة كان يقابل الشيخ أبو اليقظان رحمه الله، طواغيت زمانه، وجلادي عصره، فكم نصبوا له من حبائل مكر، ليقع في شبكتها، فأنجاه Q منها، وكم أججوا نيران كيد ليلقوه فيها فكانت بردا وسلاما على إبراهيم.

وهكذا استرسل في طريقه لم تثن عزمه العراقيل، ولا عطلت سيره العقبات، حتى بلغ عدد الجرائد التي أغلقت له ثمانية، هنالك رأى أن الإصرار على هذه الخطة ربما كان ضرره أكبر من نفعه، وليس من المصلحة العامة التمادي على ذلك. ورجا أن يكون قد فتح له بهذه الأعلاق أبواب الجنة الثمانية، والله ذو فضل عظيم.

وإذ تبيّن له أن الاستمرار في ميدان الصحافة لا يفيد الأمة كثيرا فقد أصاب إدارة الاستعمار نقرس منها، وكلَب من الظروف العصيبة التي تنذر بنشوب حرب عالمية، فالاستمرار والحالة هذه إلقاء بالأمة إلى التهلكة، إثمه أكبر من نفعه، فانكبّ رحمه الله على التأليف، فأبقى لنا ثروة نفيسة أمدّ بها المكتبة الإسلامية، أبقى عشرات المؤلفات من كتب ورسائل نثرية وشعرية، أفرغها أحاسيسه وأفكاره، نصحًا للأمة وإرشادًا لها إلى تدبير سلوكها معاشًا ومعادًا، ودعا فيها إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، لا سيما بعد أن أقعده الشلل الذي أصاب شقه الأيسر، سنة 1957، وأشعره بدنوّ الأجل، فقد أرسل صرخات من أعماقه وعظات بالغات، ذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

لم تقر له همة، ولا انقطع عن العمل رغم ملازمته الفراش، ومعاناة المرض الذي يسري في مفاصله ويشتف معين حياته شيئا فشيئا، مثال المؤمن الصميم الذي يرجو من الله حسن الخاتمة.

وهكذا ظل ملتزما متقربا إلى الله حتى وافاه أجله المحتوم بالقرارة يوم الجمعة 30 مارس 1973 الموافق ليوم 25 صفر 1393 على الساعة العاشرة ليلا، وكان عمره سبعا وثمانين سنة قمرية، إلا أربعة أيام. ولكل بداية نهاية.


رسالة إلى الشيخ أبي اليقظان

الصحافة ودورها في يقظة الأمة


لقد كان البكري صحفيا لامعا، اقتحم ميدان الصحافة اقتناعا بخطورة الموقف، وقدسية الرسالة، وأمانة الكلمة، وكان ساعدا قويا لأبي اليقظان في جهاده الصحافي.

آزر أبا اليقظان وشد عضده بمقالات غزيرة، تعد من عيون الأدب العربي الحديث بالجزائر. سموا في الفكر، وبعدا في النظر، ودقة في الوصف، وعمقا في التحليل، في أسلوب أدبي طليّ، زاوج بين حجة العقل وصدق العاطفة، وكأنه قبس من التنـزيل.

ولما منيت صحف أبي اليقظان بالإعدام تباعا، من قبل الحكم العسكري الاستعماري، كان آخرها سنة 1938م؛ وبعد مضيّ فترة من الزمن، بعث الشيخ عبد الرحمن برسالة إلى عميد الصحافة الجزائرية تحفيزا له على بعثها من جديد، والاستمرار في دكّ معاقل الاستعمار، والعمل لنسف معاهدة الحماية مع فرنسا، التي تتشبث بها هي وأذنابها لتتمادى في الاستبداد والاستغلال.

وفي هذه الرسالة بيان لمفهوم الصحافة ودورها الحيوي في بعث الأمة، وتفجير طاقتها للحاق بركب الأمم المتطورة.

ومما جاء فيها:

تمهيد البكري للرسالة:

«لما وضعت الحرب العالمية أوزارها واستيقظت الأمم على دوي مدافعها، فهبت تتواثب لاسترداد حقوقها الضائعة بل لاكتساب ما أمكنها من حقوق استغلالا للظروف وانتهازا لفرصة هذه الرجة العالمية، التي طأطأت رؤوسا مرتفعة، وخزمت أنوفا شامخة، وذللت نفوسا جامحة، إذا بطغمة من أبناء أمتنا العاقّين الانتفاعيين تحوت الاستعمار وسماسرة الاستبداد، يحاولون العودة بها إلى العهد البائد، والاستمساك بحبل الحكم العسكري الغاشم، إبقاء لها تحت وطأته أغناما  للجز والحلب والسلخ. فكان حقا لزاما على كل غيور أن يعمل وسعه لإنقاذ البلاد من ويلاتهم وشرورهم، ويهيب بجموعها إلى المطالبة بحياة سامية، تستستيغها ظروف الزمان والمكان، ويحمدها العقلاء الأحرار.

فرأيت من واجبي أن أرسل صيحة داوية لشيخ الصحافة  الوطنية، الأستاذ أبي اليقظان، ليستأنف حركتها ويصرخ في الأمة مغيثا، عساها تستيقظ من غفوتها، وتنتبه لما يراد لها، لتعمل لخيرها وسعادتها. والله الموفق.

نص الرسالة

بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.

سعادة الأستاذ الجليل صاحب المواقف الخطيرة، الأستاذ سيدي أبي اليقظان الحاج إبراهيم، أبقاه الله وأحياه للدين والأمة، بإحياء صحيفة "الأمة" وكشف عنها بنفثات يراعه كل بؤس وغمة.

تلقيت رسالتك الكريمة، وأنا إليها عطشان حران، كما يرحب اللهفان بالبارد الزلال في حمّارة القيظ، فأضحكت وأبكت، وأحزنت وسرّت، شأن أعراض الدنيا. أما السرور المحض والنعيم الخالص، ففي مقعد صدق عند مليك مقتدر، بعد عمر مديد إن شاء الله في استيفاء العمل وإنجاز المأمورية بتوفيقه وكرمه.

سيدي! لقد أصبحنا في وقت يتحتم فيه على كل غيور أن لا يقطع حبل اتصاله بإخوانه الذين تجمعهم وإياه رابطة وحدة المبدإ والغاية، ولا يألوجهدا في التكاتف معهم لما يضمن الغاية ويحقق الأمل، سيما ونحن في مفترق الطرق، وفي أول مرحلة لحياة جديدة، يستقبلها العالم أجمع، بنفوس تطفح آمالا، وببرامج واسعة تستوجب أعمالا وأعمالا.

أفيليق بي وقد أعاد الله إلى عاصمة الحركة أخا عزيزا وبطلا عاملا ورأسا مفكرا، بل محركا عتيدا، يحرك دواليب الحركة الوطنية، أن أقف واجما مكتف اليدين، ساكنا ساكتا، ولا نتجاذب أطراف الحديث ونتبادل الآراء والأخبار، عسانا نستخلص منها ما يفيد الأمة والدين؟

فلنُعِدْ لعهد المراسلة شبابه، ولْنبعثْ رابطتنا المقدسة من جديد، باسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم.

سيدي!‍‍

إن ما يتراءى لنا من تقلب أحوال العالم وتمخضه بما سيسفر عنه وشيكا، من حوادث رهيبة ليبدولنا من بين سطور الصحف على قلتها بين أيدينا. ولكن لا نَسْتَكْنِهُ له سرًّا، ولا نفقه له مغزى على التحقيق، لقلة بصرنا بالحقائق، وبعدنا عن مصادر الأنباء، ومنابع الأخبار، كما يشاهد الأجهر تعاقب الصور على الشاشة، ولا يستبين حقيقتها لضعف الباصرة، وفقدان المكبرة.

وماذا على الأستاذ -صانه الله- لونفح إخوانه المحرومين من الصحف الدورية إلا الصدى، ومن الإذاعة العالمية تماما، بخلاصة تجعلنا على اتصال بالدنيا وحوادثها، سيما ما يتصل منا بسبب أو نسب، أو يلزّنا معه الزمن في قَرَن، فإنا جدّ متأخرين عن قافلة الحياة، عراة من وسائلها، بعيدين عن فقه لغتها، في وسط يسيطر عليه الاستبداد والأثرة واللجاج والجهل المطبق، في برودة الدم واستئساد الأفدام، وكذلك الوحدة وانعدام القاطرة التي تجر العربات.

وإلا فكيف يتصور عاقل أو من له ذماء من إحساس أو رمق من حياة، الدركةَ التي انحط                إليه شعبنا في هذه الظروف الأخيرة، ذلك الشعب الذي يُظَنّ فيه بباطل أنه أحد العناصر الحية في الشمال الإفريقي.

أتدري بماذا يطالب، ويطلب من فرنسا؟، أن تبقيه تحت ضغط الحكم العسكري. لا يريد بقيّاده ولا بشيوخه الحاليين، ولا برؤسائه العسكريين بديلا!. فهو في هناء وعافية لا ينقصه خير ولا يطلب مزيدا!. ومن طلب تبديل هذه الحالة فإنما يطلب تبديل الدين والانسلاخ من القومية، ومسخ الوضعية. إنما يريد أن يكون كالذين انسلخوا من جنسيتهم وديانتهم، فأصبحوا من المخالفين.

فمن كان ذا غيرة دينية، ذا وطنية ميزابية، ذا محافظة على ميزابيته القومية، فلا يوافق العصريين أنصار الشيوعيين، الذين يريدون أن يوصلونا إلى ما وصل إليه غيرنا، وأن يصبّحوا أعوان البوليس مرابطين في أبواب مساكننا، ونساؤنا يسرن سافرات يطالبن بحقوقهن كالرجال، وأعوان المراقبة يعطلون حركاتنا، والبوليس السري يغشى أوساطنا، ويكشف أسرارنا..إلخ إلخ...

إلى هذا الحضيض بلغنا، وفوق ذلك، فإن الدعاة إلى هذه الفكرة يعتبرون أنفسهم، أو يعتبرهم فريق من بني عمومتهم أقطاب الوطن، وقد استغاثوا بقوات الجمود، والجمود أيها الأستاذ أخ الإلحاد، وصنو المروق، كلاهما يهدم الشرف، ويمس بالدين، ويضر بالوحدة، ويجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا. فياويل أمة هذه عقلية من يزعم أنه الرأس المفكر فيها، والعرق النابض، ومذياع الدين والقيم على الوطن القاصر.

والحق أن هؤلاء ليسوا بزعمائها الحقيقيين، ولا برؤسائها الشرعيين، إنما هم حيوانات طفيلية ترتع في جسمها، وانتفاعيون يوحون بهذه الوساوس إلى سواد الأمة الساذج، ويلقون إلى أبواقهم حججا مموهة، ليقفوا حجر عثرة في سبيل يقظة الأمة التي تجعل حدا لاستغلالهم، وتحول دون امتصاص دمائها.

أجل، خافوا أن يغرز الثدي الذي كانوا يمتصّون، وينقطع الرسل الذي طالما غذى مطامعهم، وحقق فظائعهم، وأحسوا أن الأمة أوشكت أن تشعر أن تقويتهم إنما هي تقوية لبلائها، واستفحال لوبائها، شأن الميكروب الذي يعيث في جسم المريض، كلما قوي واهتاج اشتد الخطر على ذلك المريض ودنا من حفرة القبر فتوجسوا خيفة من رد فعلها.

وبعد.

فلا بد من القضاء على ذلك الميكروب الفتاك لأن بذلك تتعلق سلامة الأمة وحياتها.

نعم، لا بد من زلزلة تفيق النائمين، ورجة تزعج الذاهلين، وصيحة تنبه الغافلين، الذين لا يزالون يعتقدون فيهم الكمال، وسلامة النية، وإن ما يفعلونه إنما هو غيرة على الدين، ومحافظة على القومية.

أجل، لا بد من كشف الغطاء عن مساوئ الحكم العسكري، وويلاته وسده منافذ الحياة في وجه الأمة، وعرقلة مساعيها، وقتله أسباب الرجولة والأنفة فيها، وأخذ الأبرياء بالظنة، وإذلال سراتها، وتشجيعه عناصر الفساد، وتغاضيه عن الكائدين الهادمين لشرفها، العابثين بكرامتها، واستنـزاف مواردها، وإبقائها مكبلة بسلاسل من الفقر الطبيعي. إلى غير ذلك مما يطول شرحه.

وهذه المرامي كلها لا تتحقق إلا بواسطة الصحافة، والصحافة وحدها تستطيع أن تبلغ صوت الداعي إلى كل أذن، وتقيم الحجة على كل عاقل، فقد آن أوان إصدار جريدة تتبع مخازي القوم وتكشف الغطاء  عما يمثل وراء أستار مطامعهم. فكفى عبثا بالأمة، وكفى استهانة بحقوقها، وكفى سكوتا على هذه المهازل التي صيّرتنا مضغة في الأفواه، وسخرية حتى عند الذين يستغلوننا.

ولقد آن أن نعمل بجد وصرامة، وأن نغامر كما يغامر الرجال، أولا فحقنا أن نهاجر هذا الوطن الموبوء، ونتركه للكلاب النابحة والذئاب العاوية، تأكل رأسه، إلى وطن يجد فيه الحر راحة ضميره، ويكون له مضطربا واسعا للعمل. فبلاد الإسلام كلها مهد للمسلم. أمّا أن نبقى كالمناديل تسمح فيها حثالة الناس أوساخها، وتتخذها الكلاب مبالة عند شغارها، فلا.

لقد حان وقت العمل أيها الأستاذ! فإما حياة وإما موتا، فلقد استشعر الطواغيت بما يهدد كيانهم فانصاعوا للعمل مستبسلين منازعةً للبقاء، وخيفة القضاء على سلطانهم الموهوم، وإنهم ليستيقنون أنها المعركة الحاسمة، فإما أن يفلتوا من براثن الانقلاب مؤقّتًا، ويُنسَؤوا في أجلهم مدة، وإما أن يمَزّقوا أشلاء مبعثرة جزر السباع وكل ليث قشعم.

أجل وأحسوا بحركة انتقالكما معًا: إبراهيم وإبراهيم، فتوجّسوا وراءها خيفة، وشرا مستطيرا على نفوذهم ومكانتهم المزلزلة، فهل تحققان الظن وتصيّرانه يقينا؟

أرادوا أن يعملوا قبل أن يبدُوَ منكم عمل، أو يصدر منكم للأمة إنذار، قبل أن يصل أوان الانتخاب، ويصبحوا أمام أمر واقع ما له من دافع. ففَكَّروا وقرَّروا وحرَّروا واستنفروا من استطاعوا، واسترفدوهم تواقيعهم. كل ذلك لأجل ماذا؟ لأجل إبقاء أمتهم في ليل دامس، واستغلالها تحت ذيل الظلام.

لماذا؟ لأنهم يزعمون أن إبقاءهم الأمة الميزابية تحت الحكم العسكري إنما هو تحرير لها من السلخ والمسخ، وبقاء نفوذهم فيها بقاء للاستقامة في هذه الدنيا، وعربون لحيوية الدين الإسلامي في هذا القطر!

أجل، لابد من العمل، أوَكلما حان وقت للوثوب وقطع مرحلة في الحياة، وقفت هذه التماثيل المعبودة في وجهنا، فأرهبت الرعاع بترييمها، واستهوت الغوغاء بزخرف قولها، فأعْمَلوا معاولهم في بيوتهم وهم لا يشعرون؟ فمتى تُجعل جذاذا، ولدينا إبراهيم وإبراهيم؟

إن الزمان قد استدار، وهبّ كل من في الوجود يطلب صيدا أو مكانا أو قسطا من نسيم الحرية، غير شعبنا البليد الرعديد، فإنه ترك لحيته بأيدي الانتفاعيين يعبثون بها لاهين، ويحلقونها هازئين.

أفي هذا الوقت الذي تأبى فيه الحجارة أن تبقى مداس أقدام في مجرى الوادي، ولا ترضى إلا أن تكون جزءا من بناية شامخة عالية الشرفات، يطوف بها نسيم شباب، أو شعاع جمال، نترك مقاليد الأمة بأيدي هذه الكتلة الأثيمة تتحكم في مصيرها حسب ما يمليه عليها هواها، ووفق ما تتطلبه مصلحتها؟

أفي هذا الوقت العصيب الذي يتمخض عن عصر يزدهر بأنوار ابنة الشعاع (القنبلة الذرية) ويخف فيه كل أحد لاقتضاء حقه وأخذ قسطه من الغنيمة، يطلب باسم أمتنا –وأنفُ صَفوَتِِها رَاغِم- تضييق خناقها، وتشديد الضغط عليها، ومصادرة حريتها؟ أفي هذا الوقت تجدنا نستحب العمى على الهدى، والظلام على الضياء، والاستبداد على الحرية؟ أرأيت أعمى يسأل دوام العمى؟ إن كان في عالم العمى عُمي فنحن عُمي العمُي! ] فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الاَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ[[الحج:46].

إن لدينا أقلاما توقظ بصريرها النيام، وترشد الحيران، وتترك العابث الهازئ خزيان؟ وإن لدينا رؤوسا مفكرة تحذق أساليب الكفاح، وتعلم كيف تنافح عن كرامتها، وتعرّف بآلامها وآمالها، وإن لدينا شبابا وثَّابًا يتدفق حيوية ويفيض قوة، سئم حياة الذل والمهانة، ويتمنى مكانا أسمى مما يريده عليه أولئك الانتفاعيون. فلنُوَحّد خطة العمل، ولنوقظ الأمة بكيفية صريحة لا مواربة فيها، وسديدة لا نخشى معها انتقاما من حاكم، ولا عرقلة من طاغية، ولنشكل هيأتين رسميتين، واحدة بميزاب، وأخرى بالجزائر لتسيير دولاب الحركة والإشراف على حراستها من لصوص الحقوق والعقول، الذين يحاولون إبقاءها كبقر نمل لا تصلح إلا للاستغلال والامتصاص.

وبعد‍‍! فالانتفاعيون يريدون تضليل الأمة في مصيرها، وصرفها عما فيه خيرها، وإبقاؤها تحت كلاكل الضغط، لحاجة في نفوسهم، فلا بد من إيقاف سيلهم، وجعل كيدهم في تضليل.

وذلك:

بإفهام الرأي العام ونشر مناشير تنير السبيل أمامهم، وتطلعهم على ما يراد بهم. وعلى كيفية العمل للتحرر من الرق المهين.

إبراز جريدة راقية صادقة اللهجة تتولى إرشاد الأمة وتفهيمها ما لها وما عليها، كما تفهم الحكومة ما يجب وما لا ينبغي.

تشكيل هيأتين رسميتين واحدة بميزاب، وأخرى بالجزائر يتوليان الإشراف على سير الأمة عمليا، وتوحيد خطة العمل، تحت رئاسة زعيم الأمة المحبوب، الشيخ بيوض.

تنظيم جموع الشباب في التل على الأخص، وإعداده لأن يكون ظهيرا لحركة الحياة. وحصره في إطار من الوحدة الملية، حتى لا يحرم الوطن جناه، ولا يستغله سواه.

أرجو سيدي أن توافيني بتفاصيل رحلة الأستاذ، وتجعلوني على اتصال بكم فيما تقررون من برامج، وتسطّرون من خطط، وإني لجوابك الطويل العريض في أسرع من لمح البصر من المنتظرين.

سلام الإخوان كافة، من ألفهم إلى يائهم، إلى سائر المحبين العاملين.

تحريرا، ببريان 12/4/1946.

لأخيك دائما: بكلي عبد الرحمن بن عمر([7]).


تعليق:

هذه الرسالة وثيقة مهمة تحمل دلالات عديدة، وإشارات مركزة لأحداث تاريخية، ومعارك حاسمة خاضها رجال الإصلاح على مختلف الجبهات، وربما لم يحن الوقت لتفصيل كل ذلك. ولكل أجل كتاب.

والحمد لله رب العالمين


 

([1]) الشيخ عبد الرحمن بن عمر بكلي، الشهير بالبكري؛ عالم جليل من علماء الجزائر، ولد بالعطف يوم الخميس 20 جمادى الثانية 1319هـ الموافق لـ 3 أكتوبر1901م. بدأ التعليم على مشايخ بلدته ثم انتقل إلى تونس في أواخر سنة 1922م، والتحق بالبعثة العلميَّة الميزابية التي كان يشرف عليها الشيخ أبواليقظان إبراهيم، ودرس في على مشايخ جامع الزيتونة والمدرسة الخلدونية ما بين 1926م و1929م.

كان وثيق الاتصال بطلائع الحزب الحر الدستوري: الشيخ عبد العزيز الثعالبي، والشيخ أبي إسحاق إبراهيم اطفيش، والشيخ توفيق المدني..

في سنة 1931م شارك الشيخ في الجلسة التأسيسية لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وعيِّن عضواً في لجنة صياغة قانونها الأساسي.

ودخل ميدان التجارة لعدَّة سنوات، وكان ساعدا لأبيه فيها، وظل موصولا بالحركة الفكرية والأدبية كما كان نعم المعين للشيخ أبي اليقظان في نضاله الصحفي

وكان أيضا عضوا بارزا في جماعة الإباضية بالجزائر، ومتصلا بحركة الإصلاح بالعطف.

عيِّن عضوا في حلقة العزَّابة بالعطف سنة 1934.

وفي سنة 1939م ترك ميدان التجارة نهائيا وانتقل إلى بريان بدعوة من أعيانها ليتفرَّغ للتعليم، فأدار مدرستها، وعُيِّن واعظا ومرشدا في مسجدها، فعضوا في حلقة عزَّابة بريان، ثمَّ رئيسا للحلقة.

وفي 1945م شارك في تأسيس جمعية النهضة بالعطف، وعيِّن رئيسا شرفيا لها. وفي تأسيس جمعية الفتح ببريان سنة 1946.

سجن في السجن العسكري بالأغواط سنة 1957 لمشاركته في الثورة الجزائرية.

وفي سنة 1966م عيِّن عضوا بالمجلس الإسلامي الأعلى عند تأسيسه، وعضوا في لجنة الإفتاء فيه.

تولَّى رئاسة مجلس عمِّي سعيد بعد عجز الشيخ بيوض إبراهيم عن حضور جلساته، ومَرضِ نائبه الشيخ يوسف بن بكير حمو علي.

أنشأ في أواخر السبعينيات - ندوة أسبوعية يوم الإربعاء، في منـزله، يحضرها نخبة من الأساتذة والمرشدين، استمرَّت إلى آخر يوم في حياته، ولا تزال تعقد إلى اليوم بمسجد بريان، وتعرف بـ: ندوة الإربعاء، أوندوة الشيخ عبد الرحمن.

من أعماله المطبوعة:

1.     تحقيق «كتاب النيل» للشيخ ضياء الدين عبد العزيز الثميني

2.     تحقيق كتاب «قواعد الإسلام» للشيخ إسماعيل الجيطالي.

3.     «فتاوى البكري» في جزأين.

4.      «وصية البكري».

5.     له آثار مخطوطة عديدة في  الفقه والتاريخ والأدب والاجتماع.

وفاته:

انتقل إلى رحمة الله مساء الإثنين 3 جمادى الأولى 1406هـ /13 جانفي 1986م. وشيِّعت جنازته يوم الإربعاء 5 جمادى الأولى 1406هـ/15 جانفي 1986م.

ينظر ترجمته مفصلة في:

-        جمعية التراث، معجم أعلام الإباضية، ترجمة رقم:548.  طبع دار الغرب الإسلامي، بيروت

-         مصطفى باجو، الشيخ عبد الرحمن بكلي، معالم جهاد وومضات فكر. طبع مطبعة تقنية الألوان، الجزائر.

 

 [2] –  الشيخ عبد الرحمن بكلي، " محاضرات البكري في العلم والعلماء" رتبها وأعدها للطبع، مصطفى باجو.

[3]) –  لم أجده في كتب الصحاح ولا السنن. وقد أورده ابن رجب الحنبلي غير منسوب لأحد. انظر: جامع العلوم والحكم. ج،1 ص30.

[4]) –  البيت من قصيدة لمعروف الرصافي مطلعها:

كفى بالعلم في الظلمات نوراً                             يبين في الحياة لنا الأمورا

 [5])–  الشيخ عبد الرحمن بكلي، " محاضرات البكري في العلم والعلماء".

   [6]) ينظر تفاصيل تاريخ هذه الجرائد في: د. محمد ناصر، أبواليقظان وجهاد الكلمة. المؤسسة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر. 1980.

  [7]_  تاريخ الرسالة12/4/1946 ، جمهرة رسائل البكري، ج1، ص61-67.

 

 

 

الصفحة الرئيسية  | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان  | مؤلفات أبي اليقظان  |  ماكتب عن أبي اليقظان  | محاضرات المهرجان

مؤسسات باسم أبي اليقظان |  أصدقاء أبي اليقظانعائلة أبي اليقظان  | صور من بلادي  | مواقع تهمك  اتصل بنا

 
 

أعلى الصفحة