الصفحة الرئيسية  | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان  | مؤلفات أبي اليقظان  ماكتب عن أبي اليقظان  |

  أصدقاء أبي اليقظانعائلة أبي اليقظان  | صور من بلادي  | مواقع تهمك  اتصل بنا|  

 
 
  • محاضرة الدكتور محمد ناصر

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

تاريخ صحف أبي اليقظان، قراءة تحليلية

 

محاضرة للدكتور محمد ناصر

1.       مدخل:

يطيب لي بمناسبة هذه التظاهرة الثقافية بمناسبة ثلاثين سنة على وفاة أحد أبرز رواد الصحافة  العربية الجزائرية أن أعيد كلمات جاءت في مقدمة كتابي "أبو اليقظان و جهاد الكلمة" الصادر سنة 1979م، و هي:

ثمة قناعة جعلتني أؤمن بأن الجانب الصحفي من شخصية أبي اليقظان هو الأولى بالبحث و الدراسة قبل غيره من الجوانب الأخرى، لأنه فيما أحسب هو الجانب الذي اتضحت فيه شخصيته أكثر، و برزت في ميدانه خصائصه  الفكرية و النفسية، و هو الميدان الذي تفانى فيه، فأعطاه زهرة شبابه، و عصارة جهاده.

هذا بالنسبة لي باحثا، أما بالنسبة للقارئ الكريم، فإنه يبدو لي هو الجانب الأجدى نفعا أيضا، لأن البحث في هذا الموضوع لا يعني التأريخ لحياة شخص، أو التعرض لنشأته و مرباه، بقدر ما يعني التأريخ لحياة أمة كاملة من خلال صحافة مجاهدة، فإن صحافة أبي اليقظان التي تغطي فترة ما بين الحربين العالميتين (1926-1938م) تعد من أهم المصادر التي لا يمكن للباحث الجاد أن يستغني عنها ففي طيها شهادة حية لفترة من أغنى فترات تاريخنا صمودا و مقاومة، و حصيلتها مادة غنية متنوعة عن الحياة الجزائرية آنئذ في جميع مجالاتها الإنسانية دينا، و اجتماعا، و ثقافة، و سياسة، و اقتصادا"

و ما من شك في أن الاستفادة من تلك المقالات التي كتبها أبو اليقظان طيلة اثنتي عشرة سنة لا يمكن أن تكتمل إلا بالاطلاع على مؤلفه الذي ألفه سنة 1961م، و سماه "اقتحام الصعاب في نشوء صحف الجزائر و وادي ميزاب" و لم يكتب له أن يرى النور إلا بهذه المناسبة  اليوم، أي بعد حوالي أربعين سنة، و هو أمر يوضح إلى أي مدى نحن بعيدون كل البعد عن خدمة الفكر و الثقافة في بلادنا. و مهما يكن من أمر فإن أهمية نشر هذا المخطوط اليوم تعود  إلى كونه يجيب على الأسئلة المهمة التالية:

1.  ما هي الأسباب التي دفعت بأبي اليقظان إلى اقتحام الميدان الصحفي كاتبا في الجرائد العربية المختلفة، ثم صحافيا مقتدرا له صحافته الخاصة به؟

2.  من هم أهم الأعضاد الرئيسيين الذين آزروه في جهاده الصحفي إدارة، و تحريرا، و تمويلا، و دعاية؟

3.  من هم أولئك الذين عرقلوا مسيرته الصحفية بالحجز، و الملاحقة، و الوشاية، و الغرامات المالية، و النفي، و السجن؟

4.  كيف كان يواجه الأزمات المالية الخانقة التي تعترضه مع ضعف الإمكانات المادية و التقنية؟ و كيف استطاع أن يصدر جريدة (وادي ميزاب) مدة سنتين كاملتين دون توقف، و هي تحرر بالجزائر، و تطبع بتونس، ثم توزع في الجزائر و المغرب العربي و غيرها من الأقطار الإسلامية الأخرى؟

5.  ما هي أهم المقالات التي تركت صدى واسعا في الحياة الجزائرية، فبعثت روح الحمية و الجهاد فيها، و بالتالي هزت الإدارة الاستعمارية الفرنسية و أرعبتها؟

6.  كيف كان موقفه من الاستجوابات البوليسية، و القضائية التي تعرض لها، و كانت سابقة أو لاحقة لمصادرة صحفه الثماني واحدة تلو الأخرى: وادي ميزاب، ميزاب، المغرب، النور، البستان، النبراس، الأمة، الفرقان؟

7.  ما هي الآثار السياسية، و الاجتماعية، و الفكرية التي تركتها صحافة أبي اليقظان في المجتمع الجزائري، بل المغاربي و الإسلامي، و شهادات بعض المفكرين في العالم الإسلامي لصحافة أبي اليقظان؟

8.  ما الأسلوب و المنهج الذي اتبعه أبو اليقظان في كتابة مقالاته و شعره، و أهم الصحف العربية و الصحفيين الذين تعلم الكتابة الصحفية منهم، و انتهج نهجهم؟

2.  لمحة وصفية للمخطوط:

لا بد من الإشارة هنا إلى أن الشيخ انتهى من تأليفه في 14 نفمبر سنة 1961م، و كان العنوان الأصلي لهذا المخطوط هو "اقتحام الصعاب في نشوء صحف الجزائر و وادي ميزاب"، ثم في نسخة كتبت في سنة 1967م ذكر العنوان هكذا "تاريخ صحف الجزائر العربية في الشمال و الجنوب"، و بعد أن اطلعنا على محتويات المخطوط و أبدينا للشيخ ما لاحظناه من عدم استجابة العنوان لمحتوياته، و لا سيما فيما يخص تاريخ الصحف العربية الجزائرية الاخرى، إذ لم يحتو إلا على صفحة واحدة بها معلومات مقتضبة غير دقيقة عن تاريخ بعض الصحف  الجزائرية، مما جعلها تفقد الدقة و الشمولية، و حينها اقترحنا على الشيخ أن يكون العنوان "تاريخ صحف أبي اليقظان" ما دام الموضوع خاصا بصحفه وحدها، فاستجاب للاقتراح (رحمه الله) و قبل التعديل، و هكذا أصبح العنوان "تاريخ صحف أبي اليقظان"، نذكر هذا للأمانة العلمية و التاريخية معا، حتى لا يختلط الأمر على الباحثين، إذ ربما يعثرون في قائمة مؤلفات الشيخ على العنوان الأول أو الثاني، فيتخيل إليهم بأنه كتاب آخر غير الذي نحن بصدد الحديث عنه.

بدأ تأليف كتابه هذا في جويلية 1961م، و فرغ منه في نفمبر من السنة نفسها، كما تدل على ذلك المقدمة المكتوبة بخط يد الشيخ نفسه، و توجد نسخة أخرى بخط كاتبه علواني ابراهيم مؤرخة بسنة 1967م، و بها تنقيحات طفيفة أدخلها الشيخ على هذه النسخة و أجازها. و أحسب أن هذه النسخة الأخيرة أضبط و أصح و أدق، و هي التي كانت معتمدنا في طبع الكتاب.

كما ينبغي أن نلحظ أن الكتاب ألفه الشيخ بعد إصابته بالشلل النصفي سنة 1957م، مما كان له تأثير مباشر أو غير مباشر على معلوماته و أسلوبه و منهجه.

3.  محتويات المخطوط:

قسم أبو اليقظان كتابه إلى مقدمة و تمهيد و مباحث، و اشتمل التمهيد على ذكر العوامل الذاتية و الموضوعية التي دفعت به إلى معترك الصحافة رغم ضعف  الإمكانات و الوسائل، و استعرض أسماء بعض الصحف التي سبقت تجربته إلى الظهور، و تعرض إلى ذكر القانون الفرنسي تجاه الصحافة العربية الجزائرية، و هو إنما فعل ذلك ليوضح السند القانوني الذي كان معتمد السلطة الاستعمارية في مصادرة الصحافة العربية الجزائرية و ملاحقتها و تضييق الخناق عليها. و بعد هذا التمهيد توالت المباحث الأساسية على النحو التالي:

      ·    تاريخ صحف الجنوب، جريدة وادي ميزاب، أسباب و نتائج.

      ·    ما هي أسس الجريدة؟

      ·    مصاعبنا في إدارتها.

      ·    مختارات من فصولها التي زعزعت الاستعمار.

      ·    مواقفنا الحرجة حول فصولها لدى الإدارة.

      ·    تعطيل جريدة وادي ميزاب.

      ·    الهزة العنيفة الكبرى حول تعطيلها.

      ·    الموقف الخطير الحاسم بدار العمالة بالجزائر.

      ·    كيف ألغي أمر الإبعاد بعد وضع خطته.

      ·    مضايقات عمال (بورد) للأمة.

      ·    مقتطفات من أقوال الصحف الفرنسية حول تعطيل جريدة وادي ميزاب.

      ·    مقتطفات من رسائل المراسلين.

      ·    كلمات ذهبية من أفذاذ مصر فيها و في مديرها.

      ·    صحفنا الأخرى.

      ·    مقتطفات  من مراسلينا حول تعطيلها.

      ·    ماذا تركت هذه الصحف من الآثار في الأمة الجزائرية.

      ·    أعضادنا الرئيسيون.

      ·    طريقتنا في الكتابة.

هذه هي عناوين المباحث كما وردت  في المخطوط، و سنحاول الوقوف وقفة متأنية عند أهم تلك المباحث.

4.  أهم مباحث المخطوط

قسم أبو اليقظان مؤلفه إلى تمهيد و عشرين مبحثا. و قد ذكر في التمهيد العوامل الذاتية و الموضوعية التي كانت الدافع إلى ولوج ميدان الصحافة رغم ضعف الإمكانات و فقدان الوسائل، و عدد من بين هذه العوامل ما يأتي:

·    أولا: ميوله الغريزية الفطرية إلى الصحافة منذ طفولته، و شغفه العظيم بمطالعة الجرائد العربية، و كان دافعه إلى ذلك في البداية رغبة في تتبع مجريات الحرب الطرابلسية (1911-1913م)، ثم أشعلت جذوة شعوره الوطني جرائد الشرق و مجلاته، و هو يتابع في صفحاتها أحداث حرب البلقان، و كان يقرأ فصولها على إخوانه و مشايخه، و على رأسهم الشيخ الحاج عمر بن يحي.

·    ثانيا: الجو السياسي و العلمي بتونس، بعد سنة 1914م وجد نفسه منغمسا في أجوائها الثقافية و السياسية، مما كان له الأثر الكبير في توجهه هذا، و قد وجد في الصحافة التونسية  التي كانت تتمتع بنوع من الحرية مجالا واسعا للقراءة و الكتابة، و ازداد انغماسا فيها عندما أصبح عضوا فعالا  في الهيأة التنفيذية للحزب الدستوري التونسي ما بين 1917م و 1920 تحت زعامة صديقه الحميم و مربيه الروحي الشيخ عبد العزيز الثعالبي، الذي كان كان يتلقى منه دروسا مباشرة في السياسة

·    ثالثا: اشتداد المعارضة في وادي ميزاب ضد البعثات العلمية الميزابية من بعض المتزمتين  الذين كادوا أن يؤثروا في توهين حماسة الأمة في هذا المجال، فأخذ بعض الآباء يسترجعون أبناءهم إلى الوطن، و من ثم كان لابد من مواجهة هذه المعارضة في الصحافة التونسية و الجزائرية.

·    رابعا: الوضعية السياسية التي كانت فيها الجزائر بعامة، و الصحراء بخاصة، حيث كان المواطنون يحكمون بإدارة محلية فاسدة و حكام عسكريين جورة، و كان من أسوأ تلك الأحكام التي أثارت الرأي العام آنئذ التجنيد العسكري  الإجباري و ما نتج عن هذا من آثار سلبية في الحياة الاقتصادية و الاجتماعية لدى فئة واسعة من الشباب.

بعد أن يستعرض أبو اليقظان هذه العوامل يحدد الأهداف قائلا:

"فرجعت إلى نفسي أفكر في السبات العميق و ذلك الحكم القاسي، و بعد الإغراق في هذا البحر  البعيد الغور تراءى لي أن هذه الحالة  في الأمة ليست إلا لأنها لم تكن لها جريدة توحد رأيها و توجه تفكيرها إلى وجهة واحدة بما يجب من الانسجام حتى يتكون لها رأي واحد."

و إضافة إلى هذه العوامل المباشرة و غير المباشرة كان هنالك هذا التوجه الذي أصبح ينظر إلى الصحافة  على أنها أداة ضرورية للنهضة و الإصلاح، هذا التوجه الذي عرف عند النخب المثقفة آنئذ مشرقا و مغربا، فقد كانت الصحف آية من آيات ذلك العصر على حد تعبير شوقي:

لكل زمن مضى آية     و آية هذا الزمان الصحف

فلم يكن صدفة إذا أن تلتقي على الصحافة خطط المصلحين في الجزائر شمالا و جنوبا، عرفنا مثل هذا التوجه عند الشيخ ابن باديس و الإبراهيمي و عند الشيخ بيوض و أبي اليقظان، و غيرهم من رجالات الإصلاح. لقد كانت الحركة الإصلاحية عندهم مبنية على وسيلتين آجلة و هي إعداد الجيل بواسطة التعليم  الإسلامي، و عاجلة و هي بث  الوعي القومي بواسطة الصحافة.

5.  (جريدة وادي ميزاب) أسباب و نتائج

بعد هذا التمهيد الضروري يشرع في الحديث بالتفصيل عن تاريخ صحفه و ما اكتنفها من ظروف و أحداث، بادئا بظهور أول جرائده وادي ميزاب، إذ نجده يستعرض  تحت عنوان (جريدة وادي ميزاب) أسباب و نتائج  البداية الفعلية لظهور جريدة وادي ميزاب باستعراض أسس الجريدة و قواعدها و برنامجها، و حقيقتها، و شعارها، و مبدئها، و سياستها الخاصة و العامة، و مسلكها و غايتها، يذكر كل ذلك نقلا عن الوثيقة الأصلية  التي حررها بمدينة تونس ليلة السادس من محرم 1345هـ الموافق للسابع عشر من جويلية 1926م هو و زميلاه اللذان كانا ساعديه القويين منذ البداية في تسيير الجريدة و هما الشيخ محمد بن الحاج صالح الثميني، و الأديب قاسم بن عيسى بن الشيخ، و كانت رخصة الامتياز باسم السيد قاسم  العنق، و هكذا تحقق أمل طالما راود أبا اليقظان الذي يعبر عن هذه الفرحة العارمة بقوله:

"و في أول أكتوبر من سنة 1926م 3 ربيع الانور عام 1345هـ كانت جاهزة تجوب الربوات، و تروي الوهاد، و تنعش الصحراء، فاهتزت الأمة الجزائرية جمعاء جنوبا و شمالا ببروزها، و أعشت العيون الرمداء بأنوارها اللامعة، و احتار الاستعمار من سياستها الغامضة، فلم يفهم أهي في جانبه أم هي في اتجاه آخر؟"

6.  مصاعبنا في إدارتها

لكن هل طالت حيرة الاستعمار أم أنه سرعان ما تفطن إلى أهداف الجريدة و غاياتها؟ ذلك ما يحدثنا عنه في المبحث الثالث الذي عنوانه "مصاعبنا في إدارتها" و فيه يعدد أبو اليقظان المصاعب الجمة التي واجهته في الميدان و هي كثيرة و متنوعة، و يكتفي بذكر المصاعب الرئيسية و هي:

·    أولا: الاستعمار الفرنسي الذي حارب الصحافة العربية في الجزائر محاربة شديدة، و لو تظاهر بالديمقراطية و حرية التعبير، و هو الذي قيد الحرية منذ البداية بذلك القانون الاستثنائي الجائر الذي يعد الصحافة العربية و هي في بلادها صحافة أجنبية تعامل بما تعامل به أية صحافة أجنبية أخرى كالإسبانية و الإيطالية رغم ادعاء الإدارة الفرنسية أنها ألغت القوانين الاستثنائية بمناسبة الاحتفالات المائوية سنة 1930م.

·    ثانيا: عدم امتلاك أبي اليقظان اللغة الفرنسية، و هو عائق طالما عرضه لمشاكل عويصة لدى الإدارة الاستعمارية سواء أكان ذلك عند التحقيقات البوليسية أم عند ترجمة بعض مقالاته بما لا تتماشى مع حقيقة النص و روحه، و هي قبل هذا و ذاك لغة الإدارة التي يقول عنها: "لا حركة و لا سكون  في هذه البلاد إلا بها، و رغم ملاحقتنا لها في مناسبات مختلفة فإنها ظلت تتمنع عنا كما تفعل الغادة الحسناء صاحبة الجمال و الدلال، و لعل الخير في ذلك، أن صقل هذا القلم بلغة القرآن، و لم يصقل بلغة الشيطان، فنحمد الله و نشكره على ذلك."

·    ثالثا: أمية الأمة، التي كانت تناصر الجريدة بشعورها لا بغرامها، و هو يقصد بالغرام هنا عدم الإقبال  على قراءة الجريدة و التفاعل مع محتوياتها و إمدادها بالمال اللازم، مما كان له الأثر السلبي على تسيير مشاريعه سواء أكان ذلك بالنسبة للجرائد أم المطبعة العربية، و هو أمر أذاق أبا اليقظان  الأمرين، و ظل يعاني منه معاناة شديدة، و بذلك لم يستفد من الجانب  المادي شيئا، على أن المادة أو الجاه لم يكونا ذات يوم من أهدافه إطلاقا، و كان على علم بذلك منذ البداية كما يوضح ذلك، حيث يقول متسائلا: " كيف تجد جريدة من أمة لا يقرأها غالب أبنائها قوة و نشاطا و ذيوعا و انتشارا؟"

".. و نكبتنا في ذلك كله أن نبذل  في الجريدة ما نبذل مسبقا من مهج الحياة جهودا مضنية، و أموالا كثيرة مدة تقرب من عام، ثم إذا تعطلت و ذهبنا نستخلص معلوم اشتراكها من حرفائنا تواروا عن الأنظار أمام وكيلنا، و اعتذروا له بأن الجريدة قد تعطلت و أن ليس لها علينا من حق، و تجاهلوا حقوقها السابقة فذهبت جهودنا و أموالنا المسبقة أدراج الرياح. و لا تنس النكبة التي تلحقنا في حساباتنا و ميزاننا الذي ننظمه لضروريات و مصاريف العيال، و الحرمان الذي يلحقنا نحن و إياهم من ذلك، و ليس لنا صندوق إحتياطي نلجأ إليه في أمثال هذه الظروف إلا الصندوق الإلهي (رحمة الله) هذا هو الذي أرهقنا و قصم ظهرنا و أصابنا في الصميم.."

و لكننا نتلقى ذلك بصدر رحب، و صبر جميل، و ثغر باسم إزاء غايتنا العليا من إيقاظ الأمة الجزائرية  العربية المسلمة، و نهضتنا شمالا و جنوبا نحو واجبها و نحو الحياة الحقة و جمع كلمتها حول العمل المثمر للدين و الوطن.."

·    رابعا: فقدان الطباعة العربية، و هو ما دفع به إلى تحمل مشاق طباعة جريدة وادي ميزاب  في تونس، و هي تحرر و توزع في الجزائر مدة سنتين و نصف دون توقف أو تأخر، و هذا ما دفع به إلى مغامرة تأسيس المطبعة العربية في فيفري من سنة 1931م في ظروف اقتصادية محلية و عالمية صعبة، و قد عرضته  هذه الأزمة إلى معاناة صعبة تجلت واضحة في مراسلاته و مقالاته، و لا سيما في بداية الثلاثينيات، حيث كان يذكر مساعده السيد تعموت عيسى دوما برأس الشهر أو رأس البغل، كما كان يعبر عنه، ففي رسالة إلى السيد تعموت عيسى مؤرخة بـ:25/09/1931م: بعد البسملة و الحمد له نقرأ ما يلي: الجزائر 25 سبتمبر و لا ألف  في الكيس لدفع نحو 10000، ثم يقول لقد كادت روحي تخرج من هذه الضائقة الشديدة."

و الحق إن المطبعة العربية تاريخ حافل آخر من الجهاد و النضال لا يقل ثباتا و صمودا عن تاريخ صحفه.

7.  مختارات من فصولها التي زعزعت الاستعمار

و من أهم مباحث الكتاب مبحث عنوانه "مختارات من فصولها التي زعزعت الاستعمار" و فيه يستعرض عناوين المقالات المهمة الصادرة بجريدة وادي ميزاب التي كان لها أثر مباشر في مصادرة الجريدة و وأد توجهاتها.

و من أهم تلك المقالات مقالة صدرت بالعدد السابع عشر بتاريخ 21 جانفي 1927م تحت عنوان "الاعتماد على النفس"، هلعت الإدارة منه، مما جعل السيد .. ميرانت مدير الشؤون الأهلية يستدعي أبا اليقظان و يجري معه تحقيقا بوليسيا دقيقا و بحثا محرجا يتطاير منه شرر التهديد و الوعيد. و لعل العبارة التي أثارت حفيظة الإدارة في ذلك المقال قوله: "هل استفاد الجزائريون شروى نقير من اعتمادهم على عطف فرنسا و أمومتها و حنوها؟ و هل أفاد المغاربة اعتمادهم على الأولياء و الصالحين و سكان القبور؟ نعم استفاد أبناء الثورة  الأحرار فخلصوا فرنسا من الحكم الفردي لما اعتمدوا على أنفسهم، و استفاد أبناء السماء فخلصوا جزر اليابان، و استفاد الكماليون فخلصوا. البلاد العثمانية من الأسد البريطاني..

هذا المقال الذي هز دوائر الحكومة عامة، و به بدأوا يفهمون مشرب  الجريدة، و إلى أين تتجه نزعتها، و قد كانوا من قبل في ارتياب تام من منهجها.

بدأ المدير في التحقيق و قال: ماذا تعني بهذا الفصل؟

قلت: بما أن أمتنا ضعيفة فقيرة، وطننا لا ينبت زرعا و لا ضرعا، فإني عقدت لها هذا الفصل أحرضها على الاعتماد على نفسها بالتجارة، و ألا تتكل على خزانة الدولة لئلا تكون كلا عليها مثل القياد و الموظفين، و لا على الأولياء و الطرق مثل أصحاب الزوايا.

فقال: نعم، إذا كنت تقصد بهذا هذا، لكن ما الذي ساق الكلام عن المصريين و السوريين؟

قلت: تلك أمثلة عملية أضربها لهم لتقريب المعنى إلى أذهانهم.

ثم احتد معي مع اتزانه، و قال متوعدا و مهددا: عوض أن تستفهم ماذا استفاد الجزائريون من اعتمادهم على الأم الحنون؟ أو ماذا استفاد التونسيون من اعتمادهم على كتلة الشمال؟ أو ماذا استفاد المغاربة من اعتمادهم على الأولياء و سكان القبور، عوض أن تستفهم عن ذلك كله، اسأل نفسك عن جزاء من يشاقق فرنسا هل النفي؟ أم السجن؟ أم الشنق؟

فقلت له: أنا لا يهمني إذا قمت بواجبي من النصح نحو أمتي و حكومتي النفي أو السجن أو.. قال: ليست الحكومة في حاجة إلى نصحك بل انصح نفسك.

و يذكر أبو اليقظان عناوين هذه المقالات التي نجد من بينها : ذلك الفصل الذي نشر فيه حادثة تمزيق الجواز من ضابط فرنسي، و انتقد فيه عجرفته، و كان هو السبب المباشر في تعطيل الجريدة فيما يظهر، حيث ضاق صدر الإدارة  الاستعمارية ذرعا، و رأته مسا مباشرا بالشرف العسكري الفرنسي في الصميم، و رأته تطاولا جريئا من جويدة مسلمة عربية، و قد كبر عليها هذا التطاول إلى ذلك الحصن العالي العاجي..

و منها ذلك الفصل الذي هز أعصاب أوروبا الاستعمارية بعنوان "الإنسانية بين غضب الله و غضب أوروبا) و قد نشر في عدد 109 (24/10/1928م) و قد جرى له بحث دقيق من أجله.

ومنها فصل "الإسلام يحتضر و المسلمون يهزلون" و فصل "أمات الرجال أم رفع القرآن" و "الإسلام بين شقي المقراض" و "الشريعة الإسلامية شريعة الخلود" و "إنما المؤمنون إخوة" و غيرها من المقالات الاستنهاضية.

و الحق إن القارئ عندما يعود  إلى هذه المقالات بالقراءة المتأنية يدرك إلى أي حد كان أبو اليقظان يركز دوما على الصراع الحضاري بين الإسلام و المسيحية، و يذكر أبدا بأنه لا نهضة للدول  العربية و الإسلامية إلا بالرجوع  إلى القرآن و السنة  النبوية الشريفة إيمانا و تطبيقا، و هي الأفكار و الرؤى نفسها التي نجدها عند رجال الإصلاح آنئذ.

و لعل من الطريف أن ندرك مدى أهمية تلك المقالات و مدى التأثير  الذي أحدثته  في الدوائر الاستعمارية  الرسمية من تتبعنا لذلك  الاستجواب الدقيق الذي أجراه معه قاضي التحقيق بدار العمالة بعد صدور  قرار تعطيل جريدة وادي ميزاب، و الضجة التي أثارها هذا التعطيل  في أوساط الأمة الجزائرية، حيث نقرأ تتبعا دقيقا لكل محتويات تلك المقالات و محاولة الغوص إلى المقاصد التي ترمي إليها، و الإلحاح المستمر على توريط أبي اليقظان و إظهاره بمظهر المشوش الخطير الذي ما انفك يؤلب  الرأي العام ضد الإدارة الاستعمارية  الفرنسية شمالا و جنوبا.

و الذي يبدو أن الصراحة و القصد اللذين اختارهما أبو اليقظان منهجا لجريدته كانا من وراء صدور قرار التعطيل، و ذلك ما يوضحه بنفسه، حيث يقول:

"منذ بروز جريدتنا وادي ميزاب إلى عالم الصحافة في أول أكتوبر 1926م، و الوشاة يهرولون  لتهويشها و مناوشتها و التحريش عليها بنحت النقائص، و اختلاق المعايب و الارجافات لها عسى أن يسقطوها، فيريحوا أنفسهم المريضة من أدويتها الناجعة، و أبصارهم العشواء من أنوارها الساطعة. تذرعوا إلى غاياتهم الدنيئة بكل ما لديهم من وسائل ممقوتة.. كتبوا العرائض العريضة و ذيلوها بمئات الإمضاءات حتى أنهاها بعضهم إلى 400 إمضاء.. استثاروا حفائظ المبشرين و الترجمان الذين كان لنا معهم مواقف، و استثمروا ضغائنهم و أحقادهم ضد الوادي، فدفعوا هؤلاء إلى الميدان و اختفوا وراءهم.

..لعبت في رؤوس هؤلاء جميعا الحمية المسيحية، و النشوة العسكرية فتقدموا تحت ستارهم تحت الظلام لتسميم جو الولاية العامة، و إيغار صدور المسؤولين على الوادي، فلما أتموا دورهم هذا قام أولئك الذوات بدورهم فشكلوا لهذا الغرض لجنة تركبت من بضع عشرة ذاتا من الرجال العسكريين و السياسيين و مديري المصالح، فبيتوا فيها للوادي ما بيتوا، و كانت نتيجة ذلك صدور قرار من الوزارة الداخلية مؤرخ بـ: 18 جانفي 1929م يأمر بتعطيل "وادي ميزاب" و تحجير بيعها و طبعها و توزيعها، و ذلك لشدة لهجتها كما أمر بتعطيل كل ما سيصدر مما يشبهها في شدة اللهجة سواء باسم أبي اليقظان أو غيره، سواء أطبع في تونس أم في غيرها.

8.  الهزة العنيفة الكبرى حول تعطيل الجريدة.

يستعرض أبو اليقظان في هذا المبحث الموقف التضامني المشرف الذي وقفته الأمة ضد ذلك القرار  الجائر، و يبين كيف واجهت ذلك بحركة واسعة من الاحتجاج بالبرقيات من سائر نواحي البلاد شرقا و غربا، شمالا و جنوبا، و قد تهاطلت على الولاية العامة بالعاصمة، و الوزارة الداخلية بباريس 450 برقية في اليوم الواحد احتجاجا و تنديدا بهذا القرار التعسفي، و تلا ذلك عرائض احتجاج من أصحاب المهن في العاصمة و من سائر المدن  الأخرى، و صاحب كل ذلك حملة واسعة شاركت فيها صحف عربية على مختلف نزعاتها و مشاربها باللغة العربية و الفرنسية. و كان من تأثير ذلك أن قام الوالي العام (بيار بورد) بجولة في بعض المدن و لا سيما إلى غرداية، حيث التقى بالأعيان، و التقى بالجماهير، كما استدعي عمال (بيار بورد) أعضاء الجماعة الميزابية في كل بلدة من البلدان التي شاركت في هذا الاحتجاج مثل قسنطينة و عنابة، و باتنة، و المدية، و قالمة، و سانت أرنو، و تقرت، و غيليزان، و بسكرة، و غرداية، و القرارة. و كان من تأثير ذلك كله أن استدعى قاضي التحقيق أبا اليقظان و أجرى معه استجوابا مضيقا و حوارا ساخنا دام ساعة كاملة، حاول فيه أن يلصق به تهمة التحريض و الإثارة و تعكير الأمن العام، و هدده بالسجن و النفي و الإبعاد. و قد أورد أبو اليقظان جزيئيات و تفاصيل ذلك الحوار، و هو يعد من أهم مباحث الكتاب لأنه يوضح رؤية حاكم مسؤول في الإدارة الاستعمارية، و يبين إلى أي حد كانت الإدارة الاستعمارية متخوفة من الأفكار الداعية إلى الرجوع إلى الذات و الاعتماد على الرصيد الحضاري دينا و لغة و وجودا، لأنها كانت تعلم علم اليقين أن هذه الأفكار هي البدايات الحقيقية للمطالبة بالحرية و الاستقلال.

9.  مواقفنا الحرجة في شأنها لدى الإدارة

و من مباحث الكتاب مبحث عنوانه: "مواقفنا الحرجة في شأنها لدى الإدارة" يفصل فيه الحديث عن الحوارات الساخنة  التي جرت بينه و بين المسؤولين  في السلطة الاستعمارية من أمثال الوالي العام بيار بورد، و قاضي التحقيق لوسيل، و مدير الشؤون الأهلية جان ميرانت، و غيرهم من أعوان البوليس السري، و يذكر الوشايات و المحاكمات التي جرت له و هي تهدف كلها إلى التأثير في نفسه، و تثبيط عزيمته، و تجاوز ذلك إلى التضييق على القراء من أفراد  الشعب الذين آزروه و ساندوه، و كيف أصدر وزير الداخلية أمرا بتتبع كل الذين شاركوا في الاحتجاج على مصادرة جريدة وادي ميزاب، مما أداه إلى قطعها عن وادي ميزاب نفه مدة، و يورد ما جاء في تلك الجلسات التي كانت تجري بين عمال الوالي العام بورد و أعضاء الجماعات الميزابية في مدن التل. و يورد في مؤلفه هذا المراسلات العديدة التي كانت ترد عليه من داخل الوطن و خارجه من قرائه و المعجبين بجرائده، نقرأ من خلالها ذلك الأثر الكبير الذي تركته جرائد أبي اليقظان في النفوس و تأثرهم العميق لحرمانهم منها.

و الواقع أن القارئ ليلمس ذلك الترابط الأخوي  العميق الذي كان بين المثقفين و العلماء و رجال  الإصلاح داخل القطر و خارجه، و يحس بتلك المشاعر الاسلامية الفياضة  التي تتفاعل مع أبسط الأحداث و تبدي موقفها منها، كما ندرك من خلال انطباعات بعض الشخصيات الوطنية و المفكرين المشهورين من أمثال محمد رشيد رضا صاحب المنار، و أحمد زكي باشا شيخ العروبة، و محب الدين الخطيب صاحب الفتح و الزهراء، و محمد علي طاهر صاحب الشورى، و سليمان الباروني باشا، و شكيب أرسلان، و عبد العزيز الثعالبي، و أبو اسحاق إبراهيم اطفيش، و غيرهم.

ندرك تلك المكانة التي اكتسبتها جرائد أبي اليقظان، و هي تصور إلى أي حد كانت الروح الدينية و القومية تربط بروابط الصداقة و التآزر الأخوي الصادق بين أفراد الأمة الإسلامية مشرقا و مغربا على الرغم من ضعف وسائل الاتصال و طغيان الاستعمار.

10. كلمات ذهبية من أفذاذ مصر فيها و في مديرها

و هذا الاهتمام في حد ذاته هو الذي جعل أبا اليقظان يخصص لذلك مبحثا  في كتاب بعنوان "كلمات ذهبية من أفذاذ مصر فيها و في مديرها"

11. صحفه الأخرى

و في المبحث العاشر يتكلم أبو اليقظان بإيجاز شديد عن صحفه  الأخرى الصادرة بعد وادي ميزاب و هي: ميزاب، المغرب،  النور، البستان، النبراس، الأمة، الفرقان، و يمر بها مرا خاطفا على حد تعبيره، لا يفصل الحديث عن أسباب مصادرة كل جريدة كما فعل مع جريدة وادي ميزاب، و يعتذر للقارئ بقوله: "و كم كنا نود أن نشير إلى مختارات هذه الجرائد التي كانت لها آثارها الفعالة في الأمة و الحكومة كما فعلنا في جريدتنا الأولى وادي ميزاب، و لكن لم يتسع لنا الوقت و ظروف الحال لذلك، و حسبنا أن نحيل  القارئ إلى تتبعها  في مجموعات هذه الجرائد و خصوصا المغرب و النور و الأمة، و لكنه لا ينسى أن يورد انطباعات و عواطف و مساندة المراسلين المنبثين داخل القطر و خارجه حول تعطيل أو مصادرة تلك الصحف.

و الحق أن هذا المبحث لا يفي بما هو منتظر منه، و كأنه ألحق بالكتاب إلحاقا، لأن التركيز الشديد إنما وقع على جريدة وادي ميزاب، علما بأن تاريخ الجرائد الأولى لا يقل مقاومة و صراعا، لا سيما جريدتي المغرب و الأمة اللتين كان لهما صدى واسع في المغرب الشقيق، و كان له قراؤه الكثيرون و مراكز بيع كثيرة، و شارك في النور كتاب المغرب و شعراؤه، حتى كان ملف النور مملوءا بكتاباتهم و قصائدهم غالبا، و الكميات التي توزع في المغرب أكثر من الكميات التي توزع في الجزائر، و يذهب أبو اليقظان  إلى أنها أثرت في الحركة الوطنية هناك لما وجده من تفاعل من رجالات الفكر و السياسة فيها، و ذلك ما نلمسه بحق في رسائلهم ومقالاتهم.

كما أن جريدة الأمة رسمت تطورا هامة في صحافة أبي اليقظان و لا سيما في ميدان الحركة الوطنية فإنها تعد من أهم مصادر الحركة في هذه  الفترة، إذ استقطبت كتابا و شعراء كثيرين، و غدت في فترة من الفترات اللسان الرسمي للأحزاب الوطنية باعتراف رجالات الحزب أنفسهم، و هو ما عرضها للمضايقات و الملاحقات و أخيرا المصادرة.

و بما أن تجربته الصحفية الأولى في جريدة وادي ميزاب التي شهدت عنفوان نشاطه الصحفي  في كل الاتجاهات داخلا و خارجا في الفترة ما بين 1926-1929م، و بما أن المصادرة الاستعمارية الجائرة بدأت بهذه الجريدة بطبيعة الحال، فإن اهتمام أبي اليقظان انصب على الحديث عن هذه الجريدة و ظروف نشأتها و صراعاتها، و انجازاتها، و مكانتها، و كتابها، و موضوعاتها، ثم ردود الأفعال الشعبية و الرسمية و الصحفية بعد تعطيلها.

و كان طبيعيا أن يكون اهتمامه بها أكثر من غيرها لأنها البكر من صحفه، و هو ما جعل اهتمامه بصحفه  الأخرى في الكتاب يبدو ضئيلا قليلا إذا ما قيس بجريدته الأولى، و من ثم يشعر القارئ بفراغ في هذا الجانب، و يطرح أسئلة عديدة لا يجد إجابة لها ربما إلا بالرجوع إلى الجرائد المعنية نفسها.

على أنه يجب أن نتذكر أمرين قد يكونان السبب في هذا النقص الملحوظ في الكتاب، و هو أن  الضجة السياسية و الإعلامية و الاجتماعية التي أثارتها مصادرة جريدة وادي ميزاب لا تدانيها أو تقترب منها ما تركته مصادرة جرائده الباقية، لأن حياة مثل البستان عشرة أعداد، و النبراس ستة أعداد، و الفرقان ستة، لم تكن حافلة طويلة بالقدر الذي تترك به أثرا في القراء، و بالتالي يتأثرون بمصادرتها، و يشعرون بفراغ عند احتجابها، هذا من جهة، ثم لأن الشيخ إنما ألف الكتاب بعد مرضه، و طبيعة مثل هذا المؤلف تستدعي منه الرجوع إلى الوثائق و المراسلات و الجرائد، و هو أمر يصعب عليه كثيرا بحكم شلله النصفي، على أن المادة العلمية الخاصة بجريدة وادي ميزاب كانت قد اجتمعت عنده من قبل لأهمية الموضوع، و لعله لم يفعل مثل ذلك بالنسبة للجرائد الأخرى.

12. ماذا تركت هذه الصحف من الآثار في الأمة الجزائرية جنوبا و شمالا؟

و من أهم مباحث الكتاب مبحث تحت عنوان "ماذا تركت هذه الصحف من الآثار في الأمة الجزائرية جنوبا و شمالا؟" كان لابد أن يتساءل المرء بعد هذا الجهاد المرير، و الصراع المتواصل على جبهات عديدة، ما الفائدة العامة التي تركتها هذه الصحف في الأمة الجزائرية. و بما أن أبا اليقظان قد أخبرنا عن الآثار السلبية التي حباها في الجانب المادي على النحو الذي رأيناه سابقا، فإن معنى ذلك أن الآثار التي حققتها صحافة أبي اليقظان لا بد أن تكون معنوية، روحية، تربوية، لأن الهدف منذ البداية كان مرسوما  على هذا النحو، و لأن أبا اليقظان كان يصرح دوما سواء كان ذلك  في مقالاته أم في مواقفه في صراعه مع الاستعمار أنه لا يبغي من وراء ذلك أية منافع مادية و دنيوية، و إنما الهدف على حد تعبيره هو خدمة الأمة و الوطن و إعلاء كلمة الله تعالى.

و من آثارها الملموسة يذكر ما يلي:

·    أولا: بث الوعي الوطني، و التفكير الجمعي لدى الأمة الجزائرية بعامة و لدى الميزابيين بخاصة، فقد كانوا من قبل مشتتين لا تجمعهم كلمة، و لا يوحدهم هدف، و ببروز جريدتهم "وادي ميزاب" توحدت آمالهم، و عبرت عن آلامهم، و غدت الناطق الإصلاحي الرسمي  الذي يعبر عن وجهة نظر الأغلبية الساحقة المنضوية تحت راية الإصلاح بزعامة الشيخ بيوض، و العمل بحماسة و نشاط و وعي و بصيرة في إطار مشروعه السياسي و الثقافي و الاجتماعي و الاقتصادي، على أن أبا اليقظان لا ينكر أن طرفا من الميزابيين كانوا يعارضونه و يقفون ضد جرائده و توجهاتها، فإن المعارضة و المحافظة أمر حاصل  في كل نهضة فكرية، و البقاء للأصلح على كل حال.

·    ثانيا: عرفت بالميزابيين تاريخا و فكرا، و لا سيما في الأقطار العربية النائية، و كانوا من قبل مجهولين مغمورين لعوامل معروفة لا حاجة لذكرها، و من هنا فقد أدت جرائد أبي اليقظان في ميدان الوحدة الوطنية دورا عظيما، و كان هذا من دواعي الترابط الأخوي بين المسلمين و لا سيما في الجزائر، و ذلك ما يحدده بقوله: ".. و بفضل الصحافة و خصوصا "وادي ميزاب" الذي كان يحمل اسمها تحت كل كوكب أصبحت معروفة القدر في سائر الأقطار حيث كانت صحافتنا تغشى سائر الأقطار القريبة و البعيدة من الخليج إلى المحيط الأطلسي. أضف إلى هذا تضاعف الترابط بين الإخوة عامة.. فأخذ ذلك الجفاء المتوارث و التوتر الحاد يجف و يتقلص شبحه، و لولا فضل الله، و فضل الصحافة لما تطورت الحالة إلى ما تطورت إليه من التقارب و حسن التفاهم، رغم ما يبذله الاستعمار و عملاؤه من اليهود و خريبي الذمم من المسلمين من زرع بذور التفرقة و الكيد و الدس و الشقاق.."

الدعوة إلى الوحدة الإسلامية و التعاون الفعال بين أبناء الأمة، كان ذلك منها في الإطار الداخلي قبل بداية جمعية العلماء المسلمين و أثناءها، و كانت تمثل وجهة نظر الجمعية في كثير من المناسبات، بل كانت منبرا رسميا لنشر منشوراتها و بياناتها إلى جانب الصحف ذات الاتجاه  الإصلاحي الأخرى مثل "الشهاب" و "البصائر" و "الإصلاح" و "السنة" و " الصراط" و غيرها. أما في الإطار الخارجي فطالما روجت للعلاقات الوثيقة بين علماء الأمة و مفكريها من أمثال الداعية الإسلامي المعروف محب الدين الخطيب الذي كان يعترف بفضل صحف أبي اليقظان في هذا الإتجاه، و الامير شكيب أرسلان، و الباروني، و الثعالبي، و أبي اسحاق اطفيش، مما كان له أكبر  الأثر في التقريب بين  المذاهب الإسلامية و العمل يدا واحدة ضد أعداء  الإسلام من استعماريين و مبشرين و إلحاديين (حسب تعبيرات ذلك العصر)

·    ثالثا: توجيه الأمة الميزابية نحو التعلم و غشيان المدارس، و قد كانت من قبل زاهدة في طلبه كل الزهد، بل كانت، على حد تعبير أبي اليقظان نفسه، "ترى الخبز قبل كل شيء" فجاءت صحافة أبي اليقظان منبرا صادعا للحث على معالجة هذا النقص و تداركه، تهتم به الاهتمام كله، و توليه عناية ملحوظة، و لا سيما في موسمي أكتوبر، الذي يسميه موسم البذر العلمي، و جوان موسم الحصاد العلمي، و كان لابد أن يكون على دراية و خبرة بهذه السبيل، و هو المربي القدير الذي بدأ حياته معلما لأول بعثة علمية إلى تونس، و مديرا لإحدى المدارس النظامية بالقرارة، فوضع المناهج، و شارك في تأسيس عدة مدارس، و ألف الكتب المدرسية في الفقه و التاريخ، و كانت نتيجة هذا التوجه كما يقول: "تنبيه الشعور العام نحو العلم، و البذل في سبيله، و التضحية بأفلاذ أكبادها لتغذية عقولهم بنوره، و تهذيب نفوسهم بهديه، و تزكية أخلاقهم بأشعته، حتى صارت جمعيات تتحمل ميزانيات ضخمة من أجل العلم، و أصبح لها مكان مرموق في جامعات الشرق"

·    رابعا: التطور الإقتصادي: دأبت صحافة أبي اليقظان على تحسيس الميزابيين بخاصة و الجزائريين بعامة بهذا الجانب  الهام في النهضة، و قد تمثل هذا في تلك الفصول الضافية و المقالات المتسلسلة التي نشرتها جريدة وادي ميزاب تحت عنوان "تجارتنا و تجارتهم" و الدعوة إلى تأسيس اقتصاد اسلامي بداية من تأسيس بنك أهلي إسلامي، و هو ما عرض أبا اليقظان إلى انتقادات مرة من بعض المسؤولين، و عد ذلك منه دعوة إلى التمرد على سياسة الحكومة، كما اعتبر بعض الناس الحديث  عن سلبيات التجارة و نقائصها فضح لما ينبغي ستره لأنها كما يقول: "وقعت منهم تلك الانتقادات موقع الدواء من الجرح، و من طبيعة العين المريضة أن تحس بألم الدواء أكثر مما تحس به العين الصحيحة.."

·    خامسا: مساندة الحركات الوطنية ذات الطابع الاستنهاضي المقاوم للاستعمار، أكان ذلك في الجزائر أم في العالم الاسلامي، و هذا واضح كل الوضوح من مقالات أبي اليقظان بصفة خاصة، و قد كان هذا التوجه منه من أهم الأسباب  التي أغضبت السلطة الاستعمارية عليه كما تدل على ذلك تقارير البوليس السري عن جريدة الامة التي أصبحت منبرا لحزب الشعب في فترة من الفترات، و كما دل على ذلك صراحة التحقيق الذي أجراه معه قاضي  التحقيق السيد لوسيل سنة 1929م مشيرا إلى بعض الآراء و الأفكار التي اعتبرت من أبي اليقظان دعوة إلى الاستقلال و الانفصال عن فرنسا، و اتهامه بالبلشفية، و الشيوعية،و الوهابية، و العمل بأوامر شكيب أرسلان، و أنه هو و الشيخ بيوض كمثل هتلر و لينين بوادي ميزاب، هكذا قالت جريدة النجاح. و كانت نتيجة ذلك مطاردة جريدة وادي ميزاب و غيرها من صحفه واحدة تلو الأخرى، و تهديده بالنفي و السجن و الشنق. و عن هذا يقول:

حكى لي أحد إخواننا من أعيان ميزاب التجار بالعاصمة أن أحد كبار أصدقائه في الولاية العامة قال له في شأن جريدة وادي ميزاب يومئذ: "لو كان للجزائريين إدراك سياسي لثاروا علينا بمرور عام واحد على مثل هذه الجريدة، و لكن من حسن حظنا أنه لم يكن لهم ذلك أو بمعناه.. و لئن تأخر أمد انفجارها من سنة 1926 إلى سنة 1954م فقد طال أمدها و اتسع نطاقها  إلى ما شاء الله، و لقد كانت في هذه الآونة تعمل عملها و تتفاعل عناصرها في شغاف قلوب الشعب.. حتى حل أجلها و لكل أجل كتاب"

13. أعضادنا الرئيسيون

و من أهم مباحث الكتاب مبحث تحت عنوان "أعضادنا الرئيسيون الذين كان اعتمادنا عليهم  في إدارة هذه الصحف" و فيه يذكر فضل أولئك الاعضاد  الذين آزروه و ساعدوه و وقفوا إلى جانبه مخلصين عاملين رغم العراقيل و الازمات  الاقتصادية، و ينوه بصفة خاصة بالسيد تعموت عيسى، و الشيخ محمد بن صالح الثميني، و الاديب قاسم بن عيسى بن الشيخ، و ابنه السيد أبي اليقظان عيسى، و السيد عمر بن بكير الحاج مسعود.

على أن الشيخ نسي أن ينوه بأولئك الذين أمدوه بالمادة العلمية و هم كثر، و يمكن أن نشير بصفة خاصة إلى سعيد (الشيخ عدون)، و البكري (الشيخ عبد الرحمن)، و إياس (الشيخ بيوض) و الفرقد (سليمان بوجناح)، و غيرهم كثير.

14. طريقتنا في الكتابة

·    و من أهم مباحث  الكتاب ذات الصلة الوثيقة بالموضوع مبحث عنوانه: "طريقتنا في الكتابة" يوضح فيه المنهجية التي كان يتبعها في تحرير موضوعاتها، و لا سيما الافتتاحيات التي يراها أشق ما في عمله الصحفي، و عن أسلوبه في الكتاب يقول: "إني كثير السخاء بتشطيب ما يجب تشطيبه و تبديل ما يجب تبديله، و لا يهمني ذلك، و إنما يهمني الإجادة و مطابقة الموضوع، و جمال الأسلوب، وكمال التنسيق، و انسجام المقال .. و لا يكبر أمامي عند كتابة موضوع أي شخصية لأي رجل، بل أتخذ الحق فيها رائدي، و إصابة كبد الحقيقة و الواقع هدفي الأسمى.

و مسلكي في ذلك مسلك القرآن تقريبا، الصراحة و الصدع بالحق قدر الإمكان، سيما إذا كان ما أعالجه متعلقا بإلحاد أو خيانة أو مروق من الدين أو فسوق أو تهتك في الأعراض، و أجانب ذكر الأسماء و الألقاب قدر الإمكان، و إن اضطررت فإني أكتفي بالكناية عن ذلك، ولا أتخذ الصرامة و الشدة لنفسي إجابة للهوى، و إنما ميزاني في ذلك هو ميزان تلك الشخصية المومئ إليها.."

·    و ينهي كتابه بكل تواضع قائلا: ..في النهاية أنا لم أتتلمذ عند صحافي فآخذ عنه أسلوبه، و إنما أخذت دروسا في السياسة عن الأستاذ عبد العزيز الثعالبي بتونس، و دروسا في أساليب الكتابة بإدماني على قراءة الجرائد المصرية، و لا سيما جريدة اللواء المصري اليومية لسان حال  الحزب الوطني المصري.. ثم إني اتبع خطواتي الصحافية بما توحي به إلي فطرتي، و ما تلهمني إليه غريزتي، و إني أحس بنقص فادح بجهلي التام للغة الفرنسية رغم مغازلتي لهذه الحسناء، لأنها مادة أساسية لمن يروم مرامي، و يطمح إلى مطامحي، و لعل الله تعالى أراد خيرا لي بذلك، و الله لطيف بعباده."

·    و بعد، فهذا أبو اليقظان صحافيا مجاهدا، واحدا من هؤلاء العلماء الأعلام الذين أنجبتهم الحركة الوطنية الإسلامية بزعامة أمثال الشيخ اطفيش، و الباروني، و الثعالبي، و شكيب أرسلان، أمثال هؤلاء الذين ربتهم أحداث الحرب العالمية الأولى، و صهرتهم إرهاصات الحرب الثانية، ففهموا واقعهم، و تمثلوا تاريخهم، و استلهموا حضارتهم، و تشبثوا بحقوق أمتهم، ينازلون الاستعمار و لا ينبطحون، يؤمنون بعدالة قضيتهم و لا يترددون، يواجهون المعتدي و لا ينهزمون، لا تنسيهم هموم دينهم و ملتهم مشاكل عائلاتهم و أبنائهم، و لا تصرفهم انشغالاتهم بقضايا بلدانهم في أقطارها عن هموم أمتهم الإسلامية في أوطانها، إذا كتبوا فبلغة القرآن التي بها أعجبوا و أعجزوا، و إذا تحدثوا لقومهم منذرين فبلغتهم المحلية التي بها أفهموا فأحسنوا، و هم فوق كل هذا و ذاك يضعون رضى الله فوق كل اعتبار، و مصلحة الوطن فوق كل شعار، و من ثم فقد أصاب القول فيه صديقه و أخوه ابن باديس عن حق و صدق، حيث يقول: " و أبو اليقظان إلى جانب ميزابيته التي يفاخر بها و له الحق، عربي يجاهد و يجالد في سبيل العروبة، و وطني يناضل و يقارع في سبيل الوطنية، و مسلم أخلص لله دينه يجعل الإسلام في الصف الأول من كل أعماله"[1]

د.محمد صالح ناصر

الجزائر، 11/03/2003


 

[1] الشهاب، ج10، م7، أكتوبر 1931م

 

 

الصفحة الرئيسية  | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان  | مؤلفات أبي اليقظان  ماكتب عن أبي اليقظان  |

  أصدقاء أبي اليقظانعائلة أبي اليقظان  | صور من بلادي  | مواقع تهمك  اتصل بنا|  

 
 

أعلى الصفحة