الصفحة الرئيسية  | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان  | مؤلفات أبي اليقظان  |  ماكتب عن أبي اليقظان  | محاضرات المهرجان

مؤسسات باسم أبي اليقظان |  أصدقاء أبي اليقظانعائلة أبي اليقظان  | صور من بلادي  | مواقع تهمك  اتصل بنا

 

 

 

محطات فكرية في صحافة أبي اليقظان

للدكتور محمد زغينة

   

إن أبا اليقظان أديب ومفكر وعى حركة الفكر الحديث وصراعه في المجتمع فدعا إلى الفعالية والاتحاد والتمسك بالأصالة والتفتح على المعاصرة بأساليب الحياة لتحصين الأمة بموروثها الحضاري الإيماني والعلمي والعملي والاتحادي؛ لأنه استنتج بأن الرأي العام لهذه الأمة فاسد والجهل فيها سائد وسوق الرياء والكذب والمداجاة رائجة مما جعل الشر متقبلا بينها فإذا هذه الأمة تنشط فيها مشاريع الغواية والفساد والترف ويحارب فيها كل ما هو خير، وهذه النظرة التصورية العامة استنتجها من خلال ملاحظاته ضاربا أمثلة على ذلك تتمثل في:

أ-إن أمة ينشط فيها عشرات المصلحين زمنا طويلا ثم يأتي مشعوذ واحد فترقص لشعوذته لأمة فسد رأيها.

ب-إن أمة لا يباع فيها كتاب علمي بينما تباع فيها قرعة الأنبياء وقرعة الطيور وحرز مرجانة لأمة رأيها فاسد.

ج-إن أمة لا تعيش إلا على الدسائس وقلب الحقائق لأمة رأيها فاسد.

د-إن أمة تسخر من مصلحيها وتضطهدهم وتكفرهم وتنسب إليهم كل ما يشوه سمعتهم لأمة أمة رأيها فاسد.

و-إن أمة شريعتها التقلب لأمة رأيها فاسد.

ز-إن أمة أصيبت في إيمانها الصادق وشعورها النامي وإحساسها الفائق ولم يكن للحق فيها كلمة مسموعة ولا للعلم قيمة ولا للفضل منزلة ولا لأصحاب الحق مقام وكان المقام الأول للباطل والمكانة الرفيعة لذوي المال والوجاهة والمظاهر الخلابة فهي أمة مريضة (1).

ومن خلال هذه الملاحظات طرح أبو اليقظان إشكالية كبرى للإصلاح؛ هذه الإشكالية تستلزم من المصلح فهم المجتمع ومعرفة رأيه العام وأهم عوامل انحرافه وسقوطه لأن هذا المجتمع الذي لاحظه أبو اليقظان أصبح تربة صالحة لكل ما هو دخيل لأن أبا اليقظان رأى بأن الحق صعب التقبل، والشر سريع التقبل من طرف المتلقي. يقول: "يقوم العشرات من الدعاة المصلحين في وسط يدعون إلى الخير والإصلاح عشرات السنين لما أوتوا من قوة وبيان ثم يقوم في ذلك الوسط نفسه مشعوذ واحد يدعو إلى دعوة زائفة شيطانية فسرعان ما يتأثر به ذلك الوسط ويتناسى كل ما مر على سمعه وبصره من الآيات والعبر".(1)

ولذا رأى أبو اليقظان أنه لا يمكن أن يستقيم الظل والعود أعوج إذ يجب إعادة النظر في الطرق التي يعتمدها المصلحون وتصحيح التفكير؛ لأن طريقة التفكير هي الأساس سواء بالنسبة للدعاة أم لأفراد الشعب. وبذلك لابد من تكوين رأي جديد يقف على أرض صلبة (2) وهذا التكوين حسب رأيه يكون بغرس الفكر الصحيح في التربة الصحيحة بالتعليم الصحيح وإشراب النفس الأخلاق الفاضلة والتعاليم السامية، وهذا لا يكون إلا إذا تحملت الأمة مرارة النصح والإرشاد وإقصاء العابثين والدجاجلة وعدم إقرارهم على ما هم عليه من أباطيل وأراجيف(3).

ولبناء هذه الأمة بمثل هذا التصور استلزم منه أن يقف وقفات فكرية هامة يمكن أن نختصر أهمها في هذه المحطات:

1-إخفاق الفكـرة يؤدي إلى إخفـاق رموزهـا:

إن سقوط المسلمين ميدانيا أدى بهم إلى الانهزام حضاريا بحيث أصبحوا رهينة لمدارس الغرب المخابراتية التي قولبت أبناءهم وفق المخطط الصهيوني الصليبي. يقول أبو اليقظان: فكانت "تلك التي تقذفها المدارس والكليات والجامعات الأوروبية من أبناء المسلمين... يلعنون الإسلام ويتبرؤون من القرآن وينتقصون تشريعه وأحكامه" (4).

وبذلك أصبحوا أعداء لوطنهم، وتخلقوا بأخلاق الغرب مدعين لأنفسهم الحرية المطلقة في التهتك والخلاعة والمجون، فيجاهرون بالفسوق ويعاقرون الخمور ويلازمون موائد القمار (5).

وبذلك تجذرت الأفكار الغربية في العالم العربي الإسلامي وضرب الاستعمار بجيرانه في الأرض عن طريق غسل الأمخاخ بتعليم "قوامه إعلاء مجد أوروبا وإحياء عظمتها ونشر لغتها وإتقان آدابها (6) وبخاصة من "أغرار الشباب من المسلمين الذين كانت ترنو إليهم بلادهم بعين الأمل والرجاء،... فأصبحوا رسلا وطلائع لنشر ثقافتها ومزرعة حصينة لبذر بذورها" (7) بل تعدى الأمر إلى أنهم "يسخرون من تاريخ الإسلام وعظماء الإسلام وأزياء الإسلام، ويعافون اللغة العربية ويهجرونها ويخجلون من التخاطب بها ويأنفون من واجبات الإسلام وبكل ما له علاقة بالدين" (1) وبذلك نشر هؤلاء كل مذمة في بلاد الإسلام، وأعلنوا الحرب على كل شعارات الإسلام وأزياء المسلمين، وتلك قمة الحرب النفسية التي أعلنت على الأمة الإسلامية من قبل أبناء الأمة نفسها يقول أبو اليقظان عن هذه الفكرة: "ألم أقل لك دع كل ذا برنوس، دع عنك المسلم... ترافاي آراب" (2).

والملاحظ إن هذه الفكرة من أهم أفكار أبي اليقظان التي آمن بها وحللها في معظم مقالاته السياسية والاجتماعية والتي تتمثل في إن إخفاق الفكرة يؤدي إلى إخفاق رموزها وهي من الأفكار التي ناقشها مالك بن بني بعد ذلك في كتبه الحضارية (3).

فإخفاق الفكرة أدى بالمستعمر إلى إرسال هؤلاء "إلى قلب التشريع الإسلامي، وتحوير نظمه باسم التمدن، ومقتضيات الحضارة"(4). وبذلك يرى أبو اليقظان بأن إخفاق الفكرة أدى أيضا إلى خراب الأمة الإسلامية وانحطاطها. يقول: "هل تجد لتلك الأسقام من سبب غير المسلم الذي هو العين والمعين، وهو اليد وهو الرجل وهو الظهر وهو وهو... وهل البلاء النازل على عموم المسلمين والمصائب المتساقطة على رؤوسهم كانت من غير عين مسلمة ويد مسلمة، ونفس مسلمة" (5).

فإخفاق الفكرة أدى إلى تقويض الأمة لنفسها بنفسها. وهذه الفكرة طبقها على معظم ما كتب.

          2- عزل المكـافح وتحويله عن مبادئـه:

هذه من أهم المبادئ النفسية التي يستخدمها الاستعمار وأذنابه من المشعوذين والقابلين للاستعمار "فهم كاللصوص لا يعيشون إلا في الظلام يستشعرون فيه بساطة القوم وسذاجتهم، فيكذبون ويقلبون الحقائق ويقاطعون طرق الإصلاح، ويشوهون سمعة المصلحين، كل ذلك بعنوان الصدق وقصد الخير والصلاح وقمع الفساد فيصدقهم أولئك المساكين ويهرولون وراءهم ظانين أنهم إنما يجرون إلى مثلهم الأعلى" (6).

وبذلك يستطعون أن يبعدوا المناضل والمجاهد الحقيقي عن الساحة ومن ثم يتباهون باقتراف الجرائم والموبقـات، فآل الأمر إلى أن كان العفيف المنكر لذلك كأنما هو الجاني وأن ذلك الجاني الفاجر هـو الرجل المصلح الشجاع وأن الصمت عن هذه الفعلة الشنعاء هو من السياسـة والكياسة (7).

ويروح أبو اليقظان مبينا كيفية عزل المكافح عن ميدانه وما ينجر عنه من الصمت وبخاصة من قبل علماء السلطة، يقول: "يناقش العلماء ويتبارى الخطباء في فنون الكلام وشتى المواضيع ولكنهم غالبا لا يحومون حول هذا الموضوع كأنهم يرونه أمرا عاديا والدخول فيه فضولا ومصادمة للرأي العام" (1). ولذلك يقول متهكما على لسان هؤلاء الجهلة: "إنك تعلم يا أخي فساد هذا الزمان وفساد نيات أهله وخبث نفوسهم وفساد قلوبهم ومرض ضمائرهم فيجب عليك أن تأخذ حذرك منهم، وأن تتوارى عن عيونهم ولا ترى وجوههم ولا يروا وجهك" (2). بل إن الأمر يتعدى إلى مناصرة المفسدين وأعوان الاستعمار وأذنابهم يقول أبو اليقظان: "تقع الخصومة بين محق ومبطل وقد ظهر فيها الحق من الباطل عيانا وعوض أن يناصروا المحق على المبطل فإنهم بالعكس يتحامون على المحق ويناصرون المبطل ما وجدوا لذلك سبيلا وإلا أنزلوهما في مستوى واحد وسووا بينهما؛ أما أن يقولوا للمبطل مبطلا ويكفوه عن باطله فهذا مما ليس في عرفهم". (3)

وهكذا يبين أبو اليقظان بأن الأمة أصبحت قابلة للباطل وهذا من أكبر ما وصل إليه السقوط الحضاري من المسخ والانحراف وكل ذلك لأن العدو عزل المصلح بكل الوسائل وأصبح في نظر المجتمع مفسدا. يقول: "ومن العار الفضيع أن يهيم المبطل في أودية أباطيله ولا تتحرك منكم شفة ولا ينبض منكم عرق ولا يفور منكم إحساس وإذا قام أحد لدحض باطله وإحياء الحق قمتم في وجهه قومة عنتر أمام أخصامه لعرقلة أعماله وإبطال مساعيه فكممتم فمه وكسرتم قلمه وقيدتم يده، وأمسكتم عنه كل قوة"(4).

وهكذا استطاع المستعمر عن طريق عزل المكافح عن ميدانه عن طريق القصف والمسخ وسياسة التجويع والتطويع وإيجاد الأذناب إلى إسكات بعض العلماء فأغرت من أغرت وكمت فم من حاول أن يجهر بالحق وأن يقف أمام هذا المخطط الجهنمي. يقول أبو اليقظان: "وعلماء المسلمين يلجمون بلجام الصمت والسكوت ينزوون في قعر بيوتهم مرتدين رداء الجمود والخمول جبنا أو طمعا في لقب أو مرتب أو وظيف" (5).

وبهذا استطاع المستعمر أن يعزل المصلحين المكافحين ومكن لقيادات مفبركة فغرس فيها ما لا يمكن قلعه قبل قرون.

وهذه الحرب الاستبدادية أدت بالعامة إلى الانزواء والانكماش والجمود وفساد الرأي مما قيد الألسنة وأبكم الأفواه وجفف الرؤوس فامتلأت الأمخاخ هوسا ووسوسة فأصبح المجتمع مشلولا جامدا شعاره الجبن والخور ودثاره السكوت والصمت ورائده الأياس والقنوط، وسار بعض العلماء على منواله فاتخذهم معظم الناس حجة على أحقية تلك الحالة المحزنة فماتوا لموته (1).   

ونتيجة لهذه الحرب النفسية فقد أخرجت لنا الأمة "صفوفا وصفوفا من المخنثين والخلعاء الماجنين ولم تزدها نارها إلا ميوعة (2) وكانت النتيجة أن باع هؤلاء " قوميتهم وبلادهم ويرضون لها بحياة العبودية والذل والسقوط، ولأعدائها بحياة العزة والسيادة ويقتنع لنفسه معيشة الذل"(3).

3- الفكـر المؤسســاتي:

          آمن أبو اليقظان بالفكر المؤسساتي وكتب عنه يقول: "نحن معاشر المسلمين قد أصبنا بمرض التواكل والاعتماد في جليل أحوالنا وحقيرها على الغير، نحيا حياة الأفراد ولا نكترث بالحياة العمومية والمؤسسات العامة حتى إذا مات أحدنا ماتت مؤسساته معه واكتفينا في فقدانه بقولنا: ثغرة لا تسد إلى يوم القيامة" (4).

          إن الفكر المؤسساتي عند أبي اليقظان سبيل من سبل تربية الأمة ووسيلة لإيجاد رأسمال جزائري ليكون ذخرا للأمة وقوة دافعة لها نحو التقدم وحافظا لها من طوارئ الزمن وذلك وفق قواعد علمي الاجتماع والاقتصاد؛ لأن المشاريع التي تؤسس على الأفراد تبقى مرهونة بمدى صدق هؤلاء الأفراد ومدى نجاعة الأسلوب الذي يتوخونه بل إن خطر الأفراد قد يعرض هذه المؤسسات إلى الإفلاس يقول عنها: "وهذه معرضة على الدوام للتبديل والتغير بالمرض الحسي، والمعنوي والموت الجسمي أو النفسي وإنما بقاءه ببقائهم وذهابه بذهابهم إذ لا ضمانة هنالك تحفظ وجوده وحياته بعد انقراضهم، وهل يسوغ عقل أن يبقى البناء صحيحا وأساسه مهدوم ؟" (5). إن الكاتب يحلل حركة المجتمع والتاريخ ويحاول أن يستفيد من سنن الكون، ونظامات الوجود، لبعث هذه الأمة من سباتها العميق عن طريق المشاريع التي سترفع هذه الأمة إلى مستوى التحدي، وهذا ما يقوله عن قاعدة الاعتماد على المؤسسات: "هذه قاعدة كلية انتزعها علماء الاجتماع من كثير من المشاريع العمومية التي في ذمة التاريخ، فإذا استعرضنا أمامنا نماذج منها دامت واستمرت حتى أثمرت وأخرى ذبلت أوراقها وذويت أغصانها؛ نجد أن السبب في بقاء الأولى هو غرسها في أرض قارة، موطدة بأوتاد من القواعد، مسيجة بسياج من النظام، والسبب في ذهاب الثانية إنما غرسها في أرض مترجرجة موضوعة على رؤوس أشخاص لا ضمانة للعالم حملهم لها إلا بمقدار ما تقتضيه الصدفة والاتفاق، وهذه عقيمة فلا تلد الأبطال، والعبقريين اللهم إلا بعد خراب البصرة !!"(1).

بمثل هذا التفكير العميق والبحث الدقيق والغوص في الأمور كان أبو اليقظان يعالج قضايا الأمة، وينظر إليها ويعود إلى التاريخ ويستخرج منه العبر والدروس، ولكنه لم يجد أمامه إلا أولئك الذين يقدسون الأفراد ولذا يقول: "وقد حاد غالب المسلمين عن العمل بهذه القاعدة -المؤسساتية- حسن ظنهم بعواقب الدهر، وقصور نظرهم عمـا سيلده الغد، وتقديس للأشخاص إلى درجة العصمة". (2)

فأبو اليقظان من المصلحين الذين يؤمنون بمؤسسات المشاريع العامة المنظمة والتي توحد الأمة وتوجهها وترسي قواعدها وليس من أولئك الذين يؤمنون بالأفراد لأن أبا اليقظان يحاول تحرير العقل العربي الإسلامي عموما والجزائري خصوصا من بعض الأفكار التي سادت قرونا لأنه مفكر واع لمسؤوليته فهو يدعو إلى تجديد فكر هذه الأمة وطرق معاشها فهو أبعد ما يكون عن الترقيع، ولذلك يقول: "أو ليس من أوكد الواجبات وأوجــب المفروضات السهر على الحياة المهددة من كل جانب ؟... فلماذا لا تتعاضد قوات البناء على الحق".(3)

وفي حقيقة الأمر إن أبي اليقظان يعتبر من المحللين للواقع الاجتماعي كابن خلدون ومالك بن نبي وغيرهما؛ لأنه يؤمن بالمؤسسات الحديثة "إذا لم تقفوا أمامهم مواقف مشرفة بتنظيم جموعكم وتشكيل هيئاتكم على النظم الحديثة والوقوف إزائهم وقف البصير الحازم".(4) لن تتقدموا وهذه الفكرة ركـز فيها على تأسيس النقابات الاجتماعية والمؤسسات والجمعيات الخيرية والإسلامية عموما .

4- وسائــل النهضــة:

فوسائل النهضة حسب رأيه تتمثل في عدة مسائل إذ تبتدئ بإصلاح المصلح نفسه أولا ووضع نفسه على محك الإيمان والصبر وتقبل الأذى ومعاملة الناس معاملة حسن لكي يستطيع أن يؤثر فيهم، ومن هنا فإن الأسلوب الأنجح هو أسلوب الأنبياء الذين أخذوا بقلوب الناس وسلبوا عقولهم بالكلمة الطيبة التي تبقى ترن في آذانهم وقلوبهم لا بالتشويش والتهويش، وبالكلام الذي لا يجني صاحبه إلا شوكه وكل ذلك لأن أبي اليقظان قد حلل المجتمع الجزائري وبين سماته وخصائص مشكلاته واهتدى إلى وسائل رآها أنها يمكن أن تنبهه وتوقظه إذا عمل بها أناس مؤمنون حقا، وهذه الوسائل بناها على أساس العلم، والمال، والأدب، في إطار الدين، ولعل أبا اليقظان في ذلك يرى مسايرة العصر هي الأهم لأن الأمة لا تزال من الناحية الدينية متمسكة بدينها ولو داخله شيء من الشعوذة ولذلك كان العامل الأول هو المدرسة ثم الجريدة التي تنشر ما تبثه هذه المدرسة، ثم يلي ذلك الناحية الاقتصادية، إذ العلم لا يكفي لوحده لأنه لا بد له من مال، والمال لا يكفي مع العلم فقط، إذ لا بد له من أدبا، وكتاب وعلماء، أي الأخلاق وبذلك تبدو هذه العوامل التي اقترحها أبو اليقظان لإحياء هذه الأمة عبارة عن "علم + رجال + أخلاق + اتحاد" وبذلك أعطانا تصوره الحقيقي الذي يعتبر مفتاح شخصيته المجددة المؤمنة بالتوازن بين الروح والمادة، كرجل ثوري في إطار المبادئ الإسلامية، كما أنه يؤمن بالتحرر المرحلي الذي يقتضي ربط الماضي بالحاضر(1) والعلم بالمال والأخلاق، لأن العلم هو الجناح الأدبي للنهضة والمال هو الجناح المادي له، والدين هو المهيمن عليهما، والمسير لهما معا دون الميل نحو اليمين أو اليسار.

فالنهضة لا تكون إلا إذا وجد الرجال المخلصون الأكفاء: "والعلم والثراء والاتحاد، ولن يحصل شيء من هذا بالأماني والأحلام، وبمجرد القول، وفوار الفم، ولكنه يحصل بتوجيه العزائم وتحريك الهمم، وصدق الطلب، والإخلاص، والصبر، والثبات" (2)

وهذه الشروط لا يمكن أن تحقق النهضة ما دامت الأمة قعيدة الجهل، مسلوبة الإرادة لأنها: "حاولت تأسيس الشركات فأخفقت، وعقد الجمعيات فخابت، وفتح المدارس فلم تفلح، وفتح النوادي ولم تنجح، وإنشاء الصحف ولم تصلح، فضاعت أثناء ذلك أموال وأوقات وذهبت ضحية التجربة والاختبار" (3)، وكل ذلك لأن الأمة تقف أمام أعتى الأعداء الذين تحصنوا بكل ما يمكن أن يتحصن به عدو؛ إنها الحركة المضادة للإصلاح، حركة الطرقيين والانتهازيين، وأعوان الاستعمار فهذه الحركة المضادة "راسخة الأصول، مشعبة الفروع، تغذيها وتمدها قوة أخرى وسواعد مختلفة لا يمكن التغلب عليها، إلا بتوحيد الجهود، وجمع ما تشتت من القوى، وما بذر من المواهب، وأنى يتمنى هذا والمصلحون قليل وهم أنفسهم تنقصهم الكفاءة والمران ؟" (4).

فتلك الوسائل لا يمكن نجاحها إلا إذا عملت الأمة على توحيد صفوفها، ورص جهودها في سبيل القضاء على العدو الداخلي الذي ينبع من هذا الشعب، هذا من جهة، ومن جهة أخرى لابد للأمة وبخاصة علمائها أن يتآزروا ويتآخوا ويكونوا صفا واحدا وكتلة متينة لعلهم يستطيعون انتشال الأمة من هذا الاضمحلال الذي يتهددها، ومن الافتراق الذي يدق مساميره في ظهرها، ومن العبودية التي أسدلت ستائر الجهل والفقر على الجميع. وأهم ركيزة لكل العوامل السابقة هي المال، ولذا يضيف قائلا: "إن بذل المال هو مقياس الرجال فإذا أردت أن تسبر غور فرد أو أمة فلا تسبره من ناحية الشقاشق وهدر الكلام ولكن أسبره من ناحية بذل المال وكرم النفس". (1) فالمال أساس الرجولة وأساس تكوين الأمم ولذلك يردف قائلا: "من الغرابة بمكان أن يجعل الإسلام بذل المال دعامة من دعائمه الأولية التي يقوم عليها بنيانه، فتأخذ عنه أوروبا وأمريكا هذه الدعامة تبني عليها عظمتها وعزتها فيظهر من بين أبنائها من يبذل لها مئات الآلاف، ثم لا يجد الإسلام اليوم من بين أبنائه من يعمل بمبدئه لتشييد صرحه إلا القليل النادر، فهل انعكست القصة وصار الإسلام كفرا، والكفر إسلاما معاذ الله معاذه ؟". (2)

فالمال دعامة كبرى لهذه الوسائل يشد أزرها، ويرفع من قيمتها، ولا يمكن أن تنجح كل تلك العوامل إلا متعاضدة، كما يذهب إلى ذلك أبو اليقظان إذ يربطها جميعا بالمدرسة، كما يؤمن بنظرية الإفراغ والإملاء إذ لا يمكن إصلاح المجتمع وهو فاسد، إذ لا بد له من حملة واسعة لغسله من أدرانه أولا، ثم إعادة تربيته من جديد وفق المقاييس العصرية والتقليدية معا. فلا يمكن أن يقوم فيه الإصلاح ورأيه الاجتماعي العام فاسد، ومن هنا كان لزاما على المصلح والأديب معرفة المجتمع وأسباب مرضه ثم مداواته.

وهو في كل ذلك متأثر بالكاتب الفرنسي غوستاف لوبون وبخاصة في تحليله النفسي للمجتمع، كما هو متأثر بعبد الرحمن الكواكبي وبخاصة في كتابه "طبائع الاستبداد".

وعلى العموم فإن أبا اليقظان استطاع أن يلج المجتمع الجزائري العربي الإسلامي وأن يعالجه وفق رؤيته الاجتماعية النفسية الإسلامية، ويعطينا أهم العوامل التي رآها صالحة لإنهاضه وتنبيهه.

6- الإيمان بمبـدأ القـوة:

إن القوة من المبادئ التي آمن بها أبو اليقظان يقول: "يا قوم ليس الوقت؛ وقت الجدال والمراء، ولا هو زمن الكل والخمود والانزواء وقد أصبح العالم مرتبطا بعضه ببعض ارتباطا متينا بحيث صارت الأمم كالعائلة الواحدة في مكان واحد؛ فالواجب علينا أن نسير والأمم جنبا لجنب والله يريد أن تكون كذلك، وإلا داستنا الأرجل، إذ الحياة لا تكون إلا للقوي، أما الضعيف فحظه الموت" (3).

فأبو اليقظان يقرر حقيقة كبرى، تتمثل في حقيقة القوة وأن الحياة للأقوى، فهذه الفكرة تسيطر على ذهن أبي اليقظان وتقض مضجعه فلا يملك إلا أن يقول عن هؤلاء الذين نسوا كل ما  كرمهم به الله تعالى به، وصار الضعف خاصية من خصائصهم، يقول: "إن الضعيف جرثومة تلد آلافا من الجراثيم فيسري الضعف في المال إلى الدين، والأخلاق، والمدارك والعقول والنفوس، ويصبح صاحبه ضعيفا في كل ذلك إلى أن يصير وهو يردد الأنفاس في حكم الميت تتقاذفه القوة من هنا وهنالك" (1).

هكذا يبرز لنا أبو اليقظان الصراع الفكري الحضاري بين الإنسان وأخيه الإنسان؛ لأن الواقعية الفكرية عند أبي اليقظان واقعية العمق الفكري، والصدق الفني وشمول التصور، ووضوح الهدف. ولذلك يصف القوي المتمثل في الغرب بقوله الاستشرافي "يخدم القوي كل شيء، ويؤاتيه كل حظ، ويلائمه كل ريح؛ البر يرتجف منه، والبحر يخضع له والجو يمد إليه بساطه، والأرض تنبت لملء مطاميره والسحاب يمطر لسقي زروعه، والمعادن تفيض بالتبر لخزائنه والبحار تجود بالجواهر واللالئ لترصيع تاجـه وتحلية جيده البخار يذلل شم الصعاب، والكهرباء تسخر له ما عجز عنه أولو الألباب" (2).

فهذه واقعية التصور الإنساني حين يتجبر منذ فرعون مرورا بهامان وقارون، ووصولا إلى عصرنا؛ عصر النظام العالمي الجديد؛ إنه التصور الإنساني لحركة التاريخ السياسي والاجتماعي للقوة، وعلاقة القوي بالحياة، واكتشاف واقع الضعيف؛ واقع الذل والهوان، الذي يقول عنه الشيخ "أما الضعيف فإنه يخونه كل حظ، ويعثر به كل جد، ويعاكسه كل ريح وتقف في سبيله كل عقبة وينغلق أمامه كل باب إن نهض قعد به فقره، وإن سعى أخره ضعفه، وإن طرق بابا أو صده دونه وهنه، وإن استغاث خانه خفوت صوته حسنه سيئة، وصلاحه فساد، وصوابه خطأ، وحقه باطل جماله دمامة، وعبقريته طيش، وتجاوز لطوره، إن تكلم الحق سفه وإن صدق القول كذب وإن أبدى رأيا سديدا لغا فيه" (3).

فالقوة من أهم مبادئ أبي اليقظان لأسباب اجتماعية سياسية تصويرية نتيجة لظروف كثيرة تاريخية تارة، دينية أخرى، وهذا نتيجة تحليله للمجتمع فوجد أن الناس منقسمون إلى ثلاث فئات:

أ- "من يموت كمدا أو يهجر العالم بأسره، كما تموت الطيور الحرة في أقفاصها" (4) وهي فئة الأحرار الذين حاولوا المقاومة ولكنهم ماتوا كمدا لأن الأمة لا تستجيب لهم؛ ولأن وضعهم لا يسمح لهم بالمقاومة أو الاستكانة للاستعمار، فكانت مقاومتهم مقاومة سلبية، أو ما يمكن أن نسميه بالانتحار الإرادي البطيء.

ب- ومنهم من يكد ويكدح ويتلمس أسباب الخلاص على غير طائل (1). وهؤلاء هم المقاومون أصحاب الثورات الذين استبسلوا في مقاومة الاستعمار الأوروبي؛ لكن دون جدوى وهم فئة قليلة جدا، ولذلك فشلوا لأسباب سياسية واقتصادية وعسكرية؛ لأن موازين القوى لم تكن بجانبهم، بل كانت مع الأقوى.

جـ- ومنهم من يرضى بالذل والهوان "والخنوع ويستسيغ منه لقما ملوثة بصديد المن، والإهانة ويرى السعادة كل السعادة في استرضاء سيده وابتسامة مولاه، والعز كل العز في التمجد به، والاعتزاز بقوله" (2).

إن هذا الصنف الأكبر من الأمة ضعفت ثقته بنفسه، ولم يقدر قيمتها حق قدرها، فهان عليه أمره، ورضي بكل صغار، واحتقار، وأصبح لا يبالي أصفعه زيد أم داسه بكر ؟ وعاش معيشة الحشرات في مستنقعات الخسة والمهانة (3) لأن القابلية للاستعمار تمكنت منه، واستولى عليه الوهن مما حوله إلى "لا شيء" لا أمل له ولا رجاء، ولا غاية وكل غايته: "استحصال شعاع من ابتسامة سيده أو كلمة معسولة من ثنائه كلفهم ذلك ما كلفهم؛ من بيع أعز ما لهم من ذمة، أو عرض أو شرف أو وطن أو قومية أو دين، إن هذه كلها لا تساوي عندهم جناح بعوضة ما دامت لا تكفل لهم ابتسامة ذلك من نيل شهوة، وقضاء لبانة، ولهذا يمنعون في الهدم، والتخريب ويتنافسون في ذلك وينظرون أيهم أسبق منهم فيه؛ وأيهم أنجح في نيل بغيته من سيده، وأكثر حظا وأوفر نصيبا، إذ كل ما كان أقل حيلة وأضعف أثرا في الهدم كان أقل حظا من أخيه" (4).

فهذا الضعف الأخير هو الذي أرسى دعائم الاستعمار الحديث -بخاصة- وقوض الوحدة الوطنية، وكان نقمة على الأمة في جميع أطوارها، لأن أصحابه هم العدو الحقيقي للأمة، فهم لا يمثلون إلا التبعية للمستعمر، ولا يتصفون إلا بالخيانة، فهم جرثومة يجب القضاء عليها، لأن هذه الفئة لا تقف موقفا سكونيا، حياديا وإنما هي طاقة هدم لأنها تتناسل؛ إنها النموذج الذي وقف ضد الأنبياء والرسل؛ إنهم أتباع أبي جهل، ورغاليو إبرهة الحبشي.

7- الحـــوار:

إن الحوار وسيلة حضارية فكرية تكشف لنا الواقع المعيش من جهة وتقنع الناس بالمنطق والعقل من جهة أخرى، وتبعث في نفوس المتلقين نكهة خاصة، كما أن الحوار يحمل قيما تربوية إيمانية، ولذا كان الحوار رؤية المصلحين والعلماء والمثقفين بعد الأنبياء والرسل عليهم أفضل الصلاة والسلام، لأنه قبسة نور تحرك الهمم، وتفتح العيون على الحكمة وحسن الإقناع وقد كتب أبو اليقظان محاورات كثيرة يربط فيها بين الماضي والأصالة والمعاصرة، لأنه يؤمن بقناعة الماضي وتقنية الحاضــر وهو في حوارياته هــذه يحاول التوفيق بين الثنائيات الشهيرة: الروح والمادة، العلم والمال ،... (1) لأن المجتمع جعل إحداهما أحسن وأفضل من الأخرى، وبهذه المحاورات استطاع أبو اليقظان أن يعيد القيم إلى نصابها ويعطي لكل هذه الثنائيات حقها الطبيعي.

وهذه الحواريات منهج وعاه أبو اليقظان واختاره عن دراية لأن الأمة انقلبت فيها المفاهيم، وشاعت فيها الازدواجية واختلط فيها الفساد بالصالح.

8- إشكاليـة القـوة والاستضعــاف:

يرى أبو اليقظان بأن القوي المستعبد سيستعبد هذا العالم وسيكون نظاما عالميا جديدا يجعل الإنسانية قاطبة تابعة له، ولن يمكن لأي نظام أن يقف أمامه:

"يغتصب القوي أمما ويبتلع شعوبا ويقتل عشرات ومئات الآلاف، فقال له مرحى، وإذا ما تطاول الضعيف فند يده إلى رغيف أو قام في وجه القوي لمطالبته بجزء قليل من حقه، قامت الدنيا في وجهه صخبا، وصراخا، وضجيجا وسلقوه بألسنة حداد؛ ووصموه بجميع الوصمات، وأنهالوا عليه بوابل من السباب واللعنات، وأرمقوه بجمرات النظرات؛ كأنه طلعة أو رأس من رؤوس الشياطين، وليس له من جرم غير أنه ضعيف الحال، يائس البال" (2).

بهذا الفكر السياسي المحنك، المدقق في الأمور؛ كان أبو اليقظان يلج المجال السياسي، وبهذه النظرة العميقة كان يفتق قضايا عصره؛ وكأنه يعيش بيننا، وبهذه الشجاعة يكتب في العشرينات من هذا القرن، وكأني به يرى بمنظار إلهي، وإلا ما معنى هذا الكلام ؟: "يخدم القوي كل جد ويؤاتيه كل حظ ويلائمه كل ربح، البر يرتجف منه، والبحر يخضع له، والجويمد إليه بساطه، والأرض تنبت لملء مطاميره، والسحاب يمطر لسقي زروعه، والمعادن تفيض بالتبر لخزائنه، والبحار تجود بالجواهر واللالئ لترصيع وتحلية جيده.

البخار يذلل له شم الصعاب، والكهرباء تسخر له ما عجز عنه أولوا الألباب؛ نتاج الحيوان مادته، والضعيف من الإنسان عبده وكل ما في الأرض حق له وملك في يده، يعطي منه ما يشاء لمن يشاء، ويقبض منه ما عمن يشاء" (1).

إنا أبا اليقظان يصف هذا النظام العالمي الجديد الذي سيتكمن من رقاب سكان الأرض، إن لم يتحرك الضعفاء –وهو ما رأيناه رأي العين فعلا بعده بسنوات طوال- ولا عجب إذن أن يكمل أبو اليقظان تصوره هذا قائلا: "يرى أنه لا قوة غير قوته، ولا دين غير دينه، و شريعة غير شريعته، ولا عقلية غير عقليته، والمرضى من رضي عنه، والمغضوب منه من غضب هو عليه، ويرى بموجب ذلك أنه يجب عزل الله –تعالى الله- من أرضه ومزاحمته في ملكوته؛ يجب نسخ دينه وشريعته، ويجب فسخ نظامه في الكون، وتأسيس نظام عصري جديد على أنقاض نظامه؛ هكذا القوي وهكذا آثار القوة العمياء" (2).

وهذا ما جعل الضعيف –حسب رأي أبي اليقظان- عبدا لهذا المستعمر الجديد أفرادا وجماعات؛ لأن الإنسان يخضع دائما للقوة؛ وهذا التصور الذي حول الضعفاء إلى عبيد جعلهم لا يفكرون إلا في إرضاء هذه القوة الاستعمارية العمياء؛ فباعوا دينهم، وتخلوا عن اعتقادهم، ورهنوا أوطانهم، ويتسارعون كما يقول: "إلى بيع أعز ما لهم من ذمة، أو عرض، أو شرف، أو وطن أو قومية أو دين، إن هذه كلها لا تساوي جناح بعوضة" (3).

إن أهم ما جعل الأقوياء أقوياء هو هذا الضعف وهذه الاستكانة من سكان الأرض الضعفاء الذين أصابهم الوهن، واعتراهم الخوف، وسارت قابلية الاستعمار في نفوسهم، ولذلك فهم لا يستطيعون أن يفعلوا شيئا: "فأما الضعيف فإنه يخونه كل حظ، ويعثر به كل جد، ويعاكسه كل ربح، ويقف في سبيله كل عقبة، وينغلق أمامه كل باب إن نهض قعد به فقره، وإن سعى أخره ضعفه وإن طرق بابا أوصده دونه وهنه، وإن استغاث خانه خفوت صوته، سنته سيئة، وصلاحه فساد وصوابه خطأ، وحقه باطل جماله ذمامه، وعبقريته طيش وتجاوز لطوره، إن تكلم الحق سفه، وإن صدق القول كذب، وإن أبدى رأيا سديد لغا فيه" (4).

إن هذا الصنف الأكبر من الأمة ضعفت ثقته بنفسه ولم يقدر قيمته حق قدرها، فهان عليه أمره، ورضى بكل صغار، واحتقار، وأصبح لا يبالي أصفعه زيد أم داسه بكر ؟ وعاش معيشة الحشرات في مستنقعات الخسة والمهانة (1)، لأن القابلية للاستعمار تمكنت منه، واستول عليه الوهن مما حوله إلى "لا شيء" لا أمل له ولا رجاء، ولا غاية وكل غايته: "استحصال شعاع من ابتسامة سيده أو كلمة معسولة من ثنائه كلفهم ذلك ما كلفهم من بيع أعز ما لهم من ذمة أو عرض أو شرف أو وطن أو قومية أو دين؛ إن هذه كلها لا تساوي عندهم جناح بعوضة ما دامت لا تكفل لهم ابتسامة ذلك من نيل شهوة وقضاء لبانة، ولهذا تراهم يمعنون في الهدم والتخريب ويتنافسون في ذلك وينظرون أيهم أسبق منهم فيه، وأيهم أنجح في نيل بغيته من سيده، وأكثر حظا وأوفر نصيبا إذ كل ما كان أقل حيلة وأضعف أثرا في الهدم كان أقل حظا من أخيه" (2).

فهذا الضعف الأخير هو الذي أرسى دعائم الاستعمار الحديث وقوض الوحدة الوطنية وكان نقمة على الأمة في جميع أطوارها لأن الضعف لا يقف موقفا سكونيا حياديا إنما هو طاقة هدم لأنها تتناسل، وهكذا يحلل أبو اليقظان هذه الظاهرة تحليلا تتوالد وتتناسل فيه هذه الأفكار، وهذه نظرة حضارية تدل على أن أبا اليقظان قرأ التاريخ قراءة واعية وفهم ظواهره ما استطاع ولذلك يستشرف المستقبل قائلا: "هذه الحالة لا تبشر براحة العالم وسلامة البشر ولكنها تنذر بالهول والويل والخراب وليس في مستطاع البشر مهما بلغ من العقل، وسمو المدارك أن يعالج المشاكل العالمية الكبرى معالجة تامة حكيمة بمثل ما وضع الله لها من النظام والتشريع وكل دواء يستحضر في غير معمل الشريعة فهو دواء قتال إن لم يظهر ضرره اليوم فإنه سيظهر غدا" (3).

ولذلك تطورت ثنائية القوي والضعيف عن أبي اليقظان من المجال الأفقي إلى المجال العمودي، إذ إن القوي يريد امتلاك السماء والفقير يخدمه في الأرض فإذا بالإشكالية تتحول إلى إشكالية الألوهية والعبودية.

إن أبا اليقظان حين يحلل مسألة الشرق والغرب لا يحللها كما حللها بعض الاصلاحيين المعاصرين له بل تراه يغوص في عمق المأساة ويحلل خوافيها وظواهرها بكل أبعادها لأنه صاحب الفكر الرسالي لذا تراه يمسك الكرة الأرضية بين أنامله، ويقلبها ذات اليمين وذات اليسار، لأنه يؤمن بأن هذه الأمة التي يحاول أن ينهضها تعيش على هذه الكرة ولا يمكن لها أن تعالج أمورها السياسية إلا في هذا المجال: "الكرة الأرضية تدور بما فيها ومن فيها تحت تأثير المدنية الحاضرة؛ غثها وسمينها فما لم يصل اليوم فسيصل غدا وما لا يصل غدا فسيصل بعد الغد، هذا رغما عن كل أحد، بل حتى عمن لهم ضلع كبير في تكوين هذه المدنية" (4).

وكل ذلك لأن أبا اليقظان آمن بأن الغرب القوي أصبحت المدنية بيده يفعل ما يشاء ومتى يشاء "كل ما في الأرض حق له وملك في يده يعطي منه ما يشاء لمن يشاء ويقبض منه ما يشاء عمن يشاء" (1) وبذلك لا يمكن لأي كان أن ينجو من قبضة الغرب ومن آثار حضارته ولا يمكن له أن يسد منافذه أمام هذه الحضارة الغازية من الاتجاهات الستة يقول: "وأصبح البشر وكأنه يمشي في ظلام حالك لا يدري من أين وإلى أين ؟" (2).

هذا هو واقع الفكر الاستيلابي والاستعلائي والاستكبار في الأرض، ولكن ما موقف العالم الإسلامي من هذه الحضارة الغربية ؟ يجيب أبو اليقظان بقوله "وبناء على ما تقدم فماذا تدبير المسلم وما هي حيلته اتجاه هذا التيار الجارف ؟ فهل يقف موقف المتفرج ... فيجرفه التيار بما معه ؟ فيخسر سعادته في الحياتين معا أو يحتال بقدر الإمكان للسلامة والنجاة من خطره الداهم ويعمل فكره للاستفادة منه أكثر مما يكن ؟"(3).

إذن فما على المسلمين حسب رأي أبي اليقظان أن يحتالوا على الأقل ليحافظوا على أنفسهم وذلك بإعمال الفكر مما يؤهلهم إلى المحافظة على كيانهم.

وعلى العموم، هذه هي شخصية أبي اليقظان وهذه بعض مواقفه الفكرية التي منحها كل البقاء لأنه غذاها من نبضه حين أعطى لكل القضايا قيمة ومعنى.

وهو في كل ذلك مفكر واقعي النظرة؛ بعيد التحليل عميق التعليل حسن الإقناع؛ باستقراء الحوادث والوقائع، وتبيان السنن الإلهية فيها؛ مما جعلنا نقف أمام أفكار شاملة الرؤية؛ يتكامل فيها الماضي والحاضر والمستقبل.

ومهما يكن فإننا نقف أما رجل كرس حياته لإضاءة أبناء وطنه وكشف أنواع الزيف والنفاق؛ فكان معلما تهتدي به الهداة في حيرتها؛ وأضواء كاشفة لسبل الرشاد، ومحررا من قيود الجمود، وعالما طويل النفس، يناقش الموضوع الواحد جميع الجوانب والرؤى، ويستعرض الآراء الخاصة به ويقلبها على وجوهها، ويتقمص جزئياتها، ويسهب في تفاصيلها تحليلا وتعليلا؛ بتدرج منطقي؛ حيث تتوالد أفكاره وتتوالى نتائجه من الأسباب، فلا يشعر القارئ بالضجر منها أو الملل مما جعل الطول سمة من أهم سمات مقالاته لعمق تحليله وإيمانه برسالته الصحفية الإصلاحية، وقوة إرادته، ورسوخه على مبادئه وقوة صبره.  


 

(1) –ينظر: أبو اليقظان، وادي ميزاب، ع87/ 15/ 6/ 1928.

(1)- أبو اليقظان، وادي ميزاب، ع87/ 15/ 6/ 1928.

(2)- ينظر: المصدر نفسه.

(3)- ينظر: المصدر نفسه.

(4)- أبو اليقظان، الأمة، ع119 /27 /04 /1937.

(5)- ينظر: المصدر نفسه.

(6)- المصدر نفسه.

(7)- أبو اليقظان، وادي ميزاب، ع17/ 21/ 01/ 1927.

(1)-أبو اليقظان، وادي ميزاب، ع119 /01/ 02/1929.

(2)- ينظر: مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي، تر: عبد الصبور شاهين، دار الفكر، لبنان، 1981.

(3)- ينظر: أبا اليقظان، وادي  ميزاب، ع88/22/06/1928.  

(4) - ينظر: أبا اليقظان، وادي  ميزاب، ع88/22/06/1928.  

(5) - ينظر: أبا اليقظان، البستان علة الفولة  من جنبها، ع10/11/1933.

(6) - أبو اليقظان، وادي ميزاب، ع94/03/08/1928.

(7) - أبو اليقظان، وادي ميزاب، ع93/27/07/1928.

(1) -المصدر السابق.

(2) - أبو اليقظان، البستان، ع7/ 13/06/1933.

(3) -  أبو اليقظان، وادي ميزاب، ع87/15/06/1928.

(4) - أبو اليقظان، وادي ميزاب، ع32/20/05/1927.

(5) - أبو اليقظان، وادي ميزاب، ع17/21/01/1927.

(1)- ينظر: أبا اليقظان، وادي ميزاب، ع65/13/01/1928.

(2) - ينظر: أبا اليقظان، الأمة، ع35/30/07/1935.

(3) -ينظر: أبا اليقظان، وادي ميزاب، ع109/22/11/1928.

(4) - أبو اليقظان، الأمة، ع41/10/09/1935.

(5)- أبو اليقظان، الأمة، ع01/08/09/1933.

(1)- المصدر السابق.

(2)- أبو اليقظان، وادي ميزاب، ع31/13/05/1927.

(3)- أبو اليقظان، الأمة، ع01/08/09/1933.

(4)- أبو اليقظان، النور، ع23/01/03/1932.

(1)-ينظر: أبا اليقظان في حوارياته وبخاصة بين شاب وشيخ المغرب، عع03/10/06/1930.

وكذلك بين الماضي والحاضر في النور، ع02/22/09/1931.

وينظر أيضا: بين العلم والمال في النور، ع3، 4 /29/09/1931، 13/10/1931.

(2)، (3) - أبو اليقظان، وادي ميزاب، ع4/22/10/1926.

(4)- أبو اليقظان، وادي ميزاب، ع42/22/10/1926.

 

(1)- أبو اليقظان، وادي ميزاب، ع42/22/10/1926.

(2)- أبو اليقظان، الأمة، ع19/05/02/1935.

(3) - أبو اليقظان، وادي ميزاب، ع06/05/11/1926.

(1) - أبو اليقظان، وادي ميزاب، ع 09/29/11/1928.  

(2) - أبو اليقظان، وادي ميزاب، ع 109/22/11/1928.

(3) - المصدر نفسه.

(4) -أبو اليقظان، القوي والضعيف، وادي ميزاب، ع 109/22/11/1928.

(1) - المصدر السابق.

(2) - المصدر نفسه.

(3) - أبو اليقظان، وادي ميزاب، ع 17/21/01/1927.

(4) -  أبو اليقظان، وادي ميزاب، ع 109/22/11/1927.

(1)- ينظر: أبا اليقظان، النور، ع 02/22/09/1931.

                                  ع 54/25/10/1932.

                                  ع 55/01/11/1934.

                                  ع 57/15/11/1932.

                                  إلخ.......................

(2)-أبو اليقظان، القوي والضعيف، وادي ميزاب، ع 109/22/11/1928.

(1)-  أبو اليقظان، القوي والضعيف، وادي ميزاب، ع 109/22/11/1928.

(2)- المصدر نفسه.

(3)- المصدر نفسه.

(4) - المصدر نفسه.

(1) - أبو اليقظان، وادي ميزاب، ع 17/21/01/1927.

(2) - أبو اليقظان، وادي ميزاب، ع 109/22/11/1928

(3) -  المصدر نفسه.

(4) - أبو اليقظان، التليفون بوادي ميزاب، وادي ميزاب، ع 69/10/02/1928.

(1) - أبو اليقظان، القوي والضعيف، وادي ميزاب، ع 109/22/11/1928.

(2) - المصدر نفسه، ع 69/10/02/1928.

(3) - المصدر نفسه.

 

 

 

الصفحة الرئيسية  | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان  | مؤلفات أبي اليقظان  |  ماكتب عن أبي اليقظان  | محاضرات المهرجان

مؤسسات باسم أبي اليقظان |  أصدقاء أبي اليقظانعائلة أبي اليقظان  | صور من بلادي  | مواقع تهمك  اتصل بنا

 
 

أعلى الصفحة