الصفحة الرئيسية  | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان  | مؤلفات أبي اليقظان  ماكتب عن أبي اليقظان  |

  أصدقاء أبي اليقظانعائلة أبي اليقظان  | صور من بلادي  | مواقع تهمك  |  اتصل بنا|  

الشيخ أبو اليقظان

وكتابه [سليمان الباروني]

                                                                أ. محمد الهادي الحسني

مقدمة: يقول محمد العيد آل خليفة -حسّان الحركة الإصلاحية في الجزائر-:

                  إن الجزائر لم تزل في نسلهـا          أُماًّ ولودا خصبـة الأرحـام

سيقول غير العارفين بتاريخ الجزائر: هذا قول شاعر هائم، وسيقول الذين عندهم علم من تاريخها، المتقصّون لحوادثه: إن محمد العيد ماقال إلا الحقيقة في لفظ جميل، وما سجل إلا الواقع في تشبيه بديع، لأنهم يعلمون أن الجزائر أنجبت -منذ أشرقت أرضها بنور الإسلام، ودخل الإيمان قلوب أبنائها- كثيرا من الرجال في شتى الميادين، بلغوا -كل في مجاله- أعلى عليين.

وإذا كان كثيرا من أولئك الرجال لم ينالوا حظهم من الدراسة، ولم يأخذوا نصيبهم من البحث العلمي فالملوم في ذلك هو هذا الخلف الذي قصر في حقوق أولئك الرجال، ولم يرعها حق رعايتها. وإن من أكبر عيوبنا -نحن الجزائريين إلا ما رحم ربي- أننا نكبر غيرنا ولو كانوا شموعا، ونزهد في رجالاتنا ونبخسهم أشياءهم ولو كانوا شموسا شارقة، ولا نقدرهم حق قدرهم ولو كانوا كواكب درية.

من هؤلاء الرجال الذين أنجبتهم الجزائر -هذه الأم الولود الودود- رجل لم يؤته الله بسطة في الجسم، ولم يرزقه سعة في من المال، ولكنه آتاه بسطة في العلم، وهداه إلى التي هي أقوم، وربط على قلبه، فكان  من أولي العزم من عباده الصالحين، إنه الشيخ أبو اليقظان "ذلك الكاتب القدير والصحفي البارع" كما وصفه أخوه في الجهاد الحضاري الإمام عبد الحميد بن باديس.

ولو كان لي من الأمر شيء لسمّيت هذا الرجل "أبا الأيقاظ"، لأنه أيقظ الجزائريين من نومهم، وفتّح أعينهم على حقائق دينهم ووطنهم، فوعوها وعيا جيدا بعد أن كانوا مخدّرين دينيا من أفراد زكّوا أنفسهم، واسترهبوا الناس، وجاءوهم بما هو أقرب إلى الشرك منه للإيمان، وبعد أن كانوا وطنيا يلهثون وراء أناس يعدونهم ويمنّونهم، وما يعدونهم إلا غرورا، إذا بأبي اليقظان يؤذّن في الجزائريين بأن: ((الحرية كالشمس لابد منها للحياة... والحرية جزء لا يتجزأ، فإما أن يكون كله وإما أن يذهب كله، وهي بطبيعتها تؤخذ ولا تعطي شأن الشيء الغالي الثمين)).

لقد ردّ أبو اليقظان بهذه الكلمات القليلة على عدة أطراف كانت تخوض في القضية الوطنية بغير علم ولا هدى، ردّ على الفرنسيين وأشياعهم الذين كانوا ينكرون حق الجزائريين في الحرية، وردّ على من حصر القضية الوطنية في الحرية، وردّ على من حصر القضية الوطنية في الحصول على بعض المطالب الاجتماعية كالمساواة بين الفرنسيين والجزائريين في الأجور والمنح العائلية، والضرائب، ومدة الخدمة العسكرية... ورد على من كان يطالب باستقلال خال من المضامين الحضارية التي تميز بين الشعوب والأمم من دين، ولغة، ونظم، وتاريخ، وقيم... ورد على الذين كانوا يحسنون الظن بفرنسا، ويرون بأنها ستخرج من الجزائر طوعا، فكانوا كمن يطلب الفصّ من اللص ويتمنى الحصول على الشمس.

قلت آنفا: إن الله آتى أبا اليقظان بسطة في العلم وقوة في العزم، فأما دليل سعة علمه وغزارة معارفه فهو هذا التراث العلمي الذي ورثه لنا في عدة مجالات من تفسير، وفقه، وتاريخ، واجتماع، وشعر، وهو إنتاج يزيد "على ستين مؤلّفا بين رسالة وكتاب عدا الصحف والمذكرات"، وأما دليل قوة عزمه فهو إنشاؤه ثمان جرائد، ما إن يردي الاستعمار الفرنسي واحدة حتى تخلفها أخرى أسدّ قولا، وأقوى حولا، وأعظم نبلا، كل ذلك في ظروف بالغة القسوة من مال يسير، وانعدام نصير، ومكر بالليل والنهار من الفرنسيين الذين لا يرقبون في الجزائري البسيط إلاّ ولا ذمة، فضلا عن شخصية كبيرة كأبي اليقظان يقتدى بها ويصغى إليها، ولذلك كان "ظهور مجلة أو جريدة وطنية في هذا الجوّ الشائك أشبه بالمعجزة"، وهذا ما أثار إعجاب الإمام محمد البشير الإبراهيمي بأخيه الشيخ أبي اليقظان فبعث إليه رسالة يشيد فيها بثباته والعواصف هوجاء، وثباته والطريق عوجاء.

كتاب [سليمان الباروني باشا]: من مؤلفات الشيخ أبي اليقظان كتابه "سليمان الباروني باشا"، وهو يتكون من جزأين يحتوي أولهما على 253 صفحة، ويحتوي الثاني على 245 صفحة، وقد شرح فيه أبو اليقظان أطوار حياة المجاهد سليمان الباروني، أحد قادة جهاد الشعب الليبي المسلم ضد الصليبيين الإيطاليين.

الباعث على التأليف:

1- وفاء الشيخ أبي اليقظان لرجل جمعت بينهما الأقدار، ووحدت بينهما المبادئ والأفكار. والوفاء صفة من أنبل الصفات التي يتحلى بها الرجال، وأفضله ما كان وفاء للأموات الذين لا يرجى نفعهم ولا يخشى بأسهم. وقد اعتبر الشيخ أبو اليقظان الكتابة عن الباروني: ((فرضا عينيا عليّ دون غيري، لما توثق بيني وبينه من حبل المواصلة، وامتد من أسباب المراسلة من لدن سنة 1325هـ إلى سنة 1375هـ)).

2- إعجاب أبي اليقظان بالباروني الذي كانت حياته عامرة بالمفاخر، ملآى بالمآثر، وهذا جامع، فأبو اليقظان -بعلمه وتدينه- أكبر من أن ينساق وراء الهوى، أو يميل إلى تعصب مذهبي عرقي، فإعجابه بالباروني وثناؤه عليه هو ثناء بالتّبع، لأن ذلك الثناء في أصله منصرف إلى الأعمال الجليلة التي قام بها، وإلى المكارم النبيلة التي تحلى بها، وإلى القيم السامية التي جاهد في سبيلها.

3- إيمان أبي اليقظان بحاجة الأمة الإسلامية إلى معرفة هذا النوع السامي من الهمم والعزائم، تشد بها ما ارتخى من أوصالها، وتمتّن بها مارثّ من حبالها، وتقوّي بها ما وهن من أمورها، وإلى هذا الطراز العالي من الرجال تقتدي بهم، وتنهج نهجهم، وتتطلع إلى آفاقهم، لأن استعراض حياة عظماء الأمم وأبطال الشعوب "لممّا يحفز الهمة، ويوقظ الشعور، وينبّه الإحساس، ويلهب الفطنة، ويذكي الفؤاد، ويوقد الذكاء، ويشع النفس، ويسدّد الخطى، ويرشد الحائر، ويهدي الضال، ويرد الشارد، ويسترجع التائه، ويكبح الجامح، ويستنزل الطائر، ويكبت الكنود".

4- إلحاح إخوانه عليه ليضع "مؤلفا جامعا لما تشتت من حياة المجاهد الكبير فخر العربية والإسلام الشيخ سليمان باشا الباروني".

دوافع نشر الكتاب: إن نشر أيّ كتاب يستهدف صاحبه أحد أمور ثلاثة:

أ- نيل شهرة وإحراز سمعة.

ب- جمع مال ونشدان ثروة.

ج- نشر فكرة وخدمة مبدإ.

فما هو الداعي الذي دعا الشيخ أبا اليقظان إلى نشر هذا الكتاب؟.

أما الشهرة والسمعة فما أعنى الشيخ أبي اليقظان عنهما، فقد كان علما في وطنه، مشهورا في أمته بكتاباته في صحف المشرق والمغرب، وبعلاقاته المتينة والمبدئية بأعلام عصره الذين كانوا يراسلونه وينشرون كتاباتهم في صحفه، كالأمير شكيب أرسلان، ومحمد علي الطاهر السياسي والصحفي الفلسطيني، وعبد العزيز الثعالبي، والأمير خالد الجزائري، ومحب الدين الخطيب، وأبي إسحاق اطفيّش، ومحمد أمين الحسني، ومحمد الشاذلي خزنة دار، وغيرهم، كما أن أبا اليقظان لم يكن من الذين يراءون بأعمالهم، فله من العلم وعنده من التقوى ما يحصّنه من وسوسة وسواس وخنس خنّاس.

وأما المال فقد رغب عنه عندما كان في سن الشباب التي تغري به وتدفع إلى جمعه، ولو كان قلبه معلقا بالمال لاختار لنفسه سبيلا غير التي سار فيها، كما أن الكتاب بما يحمله من أفكار كان مزعجا لفرنسا مما يجعله معرضا للمصادرة، وبالتالي إلى الخسارة المادية، والمساءلة التي قد تفضي إلى التغريم.

فلم يبق -إذن- إلا الأمر الثالث، وهو نشر فكرة، وخدمة مبدإ، وتحقيق هدف.

إن أبا اليقظان المتميز بوعيه الإسلامي العميق، وشعوره الوطني الفياض، وحسه السياسي الدقيق، لا يقدم على نشر كتاب "محرض على الجهاد" في أوج الجهاد الجزائري ضد فرنسا -1956م- من غير أن يكون قد فكّر في الأمر، وقدّر نتائجه، وتدبّر في أبعاده.

والراجح عندي هو أن أبا اليقظان -وهو يأخذ قراره بنشر هذا الكتاب، في هذا التاريخ بالذات- إنما كان يوجّه ثلاث رسائل:

أولا: إلى أبنائه المجاهدين الجزائريين الذين كانوا يخوضون حربا شرسة غير متكافئة في العدد والعُدَدِ ضد الفرنسيين، ليحرضهم -بصوره الجهادية- على مواصلة القتال، ويقوي معنوياتهم بما يقص عليهم من أبناء الباروني وجنده ما يثبّث به أفئدتهم، ويربط على قلوبهم، وليبرهن لهم -بمثال ليس بينهم وبينه أمد بعيد- أن الفئة المؤمنة القليلة العدد الفقيرة في العدد تستطيع أن تذيق الفئة الكافرة الكثيرة الأفراد الوفيرة العتاد بأسا شديدا، وتسقيها ماء صديدا، وترهقها من أمرها عسرا.

وإذا كان الفرنسيون رغم كثرة عددهم وكثافة معداتهم ووفرة حلفائهم لم يستغنوا عن الجوانب المعنوية في تلك المعركة الضارية، فإن المجاهدين الجزائريين الأقل نفرا والأفقر آلة أحوج إلى مراعاة تلك الجوانب المعنوية، وهذا ما حاول أن يوفره الشيخ أبو اليقظان -بطريقته الخاصة- في هذا الكتاب، "لنفح روحه في أرواح أجيالنا الحاضرة والمقبلة إن شاء الله".

ثانيا: إلى الأشقاء الليبيين يذكرهم بما قاسوه من محن، وما تعرضوا له من كروب، وما أصابهم من سوء على أيدي الإيطاليين، فيدركون معاناة إخوانهم الجزائريين، -من تدمير شامل وتقتيل جماعي- على أيدي الفرنسيين، فيدفعهم ذلك إلى مواصلة دعمهم لهم، واستمرار مساعدتهم إليهم، حيث كان الليبيون من أسبق الشعوب تأييدا لجهاد الجزائريين، وأكثرها إمدادا لهم بالمساعدات والأموال رغم الفاقة والخصاصة، وقد كانت ليبيا معبرا رئيسيا للأسلحة التي يحصل عليها الجزائريون.

ثالثا: إلى الفرنسيين ليغيظهم، لأنهم ضايقوا المجاهد سليمان الباروني وظاهروا الإيطاليين عليه، فأخرجوه من تونس عندما لجأ إليها متحينا مواتاة الفرصة للعودة إلى جهاد الإيطاليين، كما منعه الفرنسيون من اللجوء إلى المغرب والجزائر. ووصل حقدهم عليه وخوفهم منه إلى درجة كبيرة جعلت وزير الخارجية الفرنسي يومئذ "بون مارشي" يصرح في هلع مغلف باستعلاء: ((إن الباروني لن يدخل الجزائر ولو في المنام)). ويؤكد ما ذهبنا إليه -من اعتبار نشر هذا الكتاب إغاظة للفرنسيين- تعليق أبي اليقظان على تصريح وزير الخارجية الفرنسي، حيث قال: ((ولكن لم يدر هذا وأضرابه أن الباروني وإن لم يدخلها بجسمه فقد دخلها بمبادئه، وإن بذوره التي بذرها هو ورجال التحرير قد آتت أكلها في سنة 1954م)).

والحقيقة هي أن أبا اليقظان قد برهن -مرة أخرى- على شجاعة نادرة وهو يسطر هذه الجملة، لأنه عبّر من خلالها عن إعجابه بهؤلاء المجاهدين وتأييده لهم، وكأنه يتحدى -وهو العجوز المقعد- الاستعمار ويقول له: }فاقض ما أنت قاض، إنما تقضي هذه الحياة الدنيا{.

منهجه: لم يتقيد أبو اليقظان في كتابه بما تعوده المؤلفون من تقسيم مؤلفاتهم إلى أقسام، أو تبويبها إلى أبواب، أو تفصيلها إلى فصول، ولكنه كان يضع عنوانا لفكرة أو حادثة ثم يكتب التفاصيل مسهبا حينا، موجزا حينا آخر، يتحكم في ذلك أهمية الفكرة -حسب تقديره- وكمية المعلومات التي في حوزته، ملتزما التسلسل التاريخي للحوادث، مستطردا  في بعض الأحيان لإضفاء مزيد من الضوء على فكرة، أو لربطها بفكرة أخرى لما بينهما من علاقة.

خصص أبو اليقظان الجزء الأول من كتابه للحديث عن حياة الباروني في ليبيا في مختلف مراحلها، كالميلاد والدراسة، والأوصاف الخَلْقِية والخُلقية، وفصّل القول عن منشآته ومؤلفاته، وعضويته في البرلمان العثماني، ثم تحدث عن جهاده المرير وكفاحه العسير ضد الصليبيين الإيطاليين، وما حققه من انتصارات، وما أصابه من انكسارات، وماعاناه من انشقاقات، وماحيك ضده في -الداخل والخارج- من مؤامرات، وما تعرض له من الدول الاستعمارية من مضايقات، ثم أنهى هذا الجزء بالحديث عن انتقال الباروني إلى المشرق العربي.

وقد أفاض الشيخ أبو اليقظان في بداية هذا الجزء في الحديث عن أسلاف الباروني ومكانته العلمية، ومنزلته الدينية، وأدوارهم السياسية في تاريخ ليبيا، "من لدن أواسط القرن الرابع إلى أواخر القرن العاشر للهجرة". وأبو اليقظان إذ يفعل ذلك فلأنه يؤمن: ((أن للوراثة تأثيرا كبيرا في خلق الإنسان وخلقه، في مميزاته وخصائصه، في صفاته وميوله، وطابعا خاصا في مواهبه وغرائزه ومزاياه))، فللأصول الطيبة دور هام في إنبات الذرية الطيبة، وللتربية الأسرية الحسنة أهمية في توريث الأبناء قيم الشرف والمروءة والكرامة، وتوجيههم إلى معالي الأمور وعظائمها، وصرفهم عن سفاسفها وصغائرها، مصداقا لقول القائل:

ومن خطا جاد الشوك بالورد

إذا طاب أصل المرء طابت فروعه
 

إن من أهم ما في هذا الجزء -في رأيي- هو الحديث عن تأسيس الباروني -رفقه ثلة من مجاهدي ليبيا- أول جمهورية إسلامية في التاريخ المعاصر، فكان ذلك التأسيس الخطوة الأولى في طريق العودة إلى روح الإسلام في ميدان الحكم، بعد أن استمر المسلمون -منذ انتهاء الخلافة الراشدة- النظام الملكي الوراثي "الذي لا يعتز به الإسلام" ، وقبلوه طوعا أو كرها.

أما الجزء الثاني فقد خصصه أبو اليقظان للحديث عن المرحلة الثانية من حياة الباروني، وهي المرحلة التي قضى أغلبها في عُمَان وشطرا منها في العراق.

لقد لقي الباروني في مرحلته هذه نصبا، وعاش معيشة ضنكا، ومسّه اللغوب، ولم يجد لدى الحكام العرب ما يناسب منزلته كقائد عظيم، وما يليق بمقامه كمجاهد كبير، عاكسته الظروف وجرت الرياح بما لا يشتهي. ولو أن أولئك الحكام كانوا حكاما على الحقيقة لاستخلصوه لأنفسهم، ولقالوا له ما قال ملك مصر ليوسف عليه السلام: ((إنك اليوم لدينا مكين أمين))، ولكنهم كانوا كما قال أبو علي حسن بن رشيق المسيلي المشهور بالقيرواني:

كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد

ألقاب مملكة في غير موضعها
 

لأنهم كانوا صنائع للأنجليز والفرنسيين -أعداء الباروني وأمثاله- ولا يمكن لمن تلك صفته أن يستخلص لنفسه رجلا كالباروني، أو يتخذه خليلا، أو يركن إليه.

إن الأمر الجدير بالملاحظة هو أن الباروني لم يغير تحت ضغط الحاجة- مواقفه، ولم يبدل مبادئه، ولكنه تدرع بالصبر، واعتصم بحبل الله، واستمر على مبادئه المعادية للاستعمار، الدّاعية إلى الجهاد لطرده من دار الإسلام، الحاضة على الوحدة الإسلامية.. إلى أن رجعت نفسه المطمئنة إلى ربها راضية مرضية سنة 1940م.

إن اللاّفت للنظر هو أن الشيخ أبا اليقظان كان -في الغالب- ينهي الحديث عن فكرة أو حادثة باستخلاص عبرة أو عبر منها، تذكيرا للعاقل، وتنبيها للغافل، وتحريكا للخامل، وإرشادا للعامل، لأن هدف أبي اليقظان هو أن يستفيد أبناء الأمة من سيرة الباروني في مواجهة أعدائهم، وتخطي العوثير التي تنصب في طريقهم، فالباروني -بعد أن انتقل إلى الرفيق الأعلى- ليس بحاجة إلى نوح باك عليه أو ترنم شاد بفضله.

مصادر أبي اليقظان: الحق أقول إنني كنت أظن أن كتاب أبي اليقظان -وقد وضعه إشادة بجهاد الباروني، وتنويها بخصاله الفطرية والمكتسبة، وحثا على الاقتداء بسيرته- قد تسيطر عليه النزعة العاطفية، وينأى عن الحقيقة التاريخية، ولا يعطي مسألة التوثيق ما تستحقه من أهمية، ولكنني -بعد قراءته- تبينت أن أبا اليقظان أكبر من أن يحمد الباروني بما لم يفعل، وأن ينسب إليه ما لم تصنعه يداه، وأن يمدحه بما ليس فيه، كما تأكدت أن أبا اليقظان أنبل من أن يبخص الباروني حقه، وأن يسلبه مجده، وأن يستصغر عظائمه، وأن يستقل عمله الكُبَّار، فـ "سير النوابغ كالنصوص، يجب أن تؤخذ كما هي وإلاّ أفسدت القدوة".

من أجل ذلك حرص الشيخ أبو اليقظان أشد الحرص على ذكر مصادره بأمانة علمية -لا تستغرب من عالم ديني مثله-، وعلى الإحالة إلى مراجعه بدقة الصحفي النزيه، وهذا ما أكد عليه بقوله: ((ونحن فيما سنكتب إنما نصدر عن منبع عذب ومنهل صاف لا خيال فيه ولا غلو ولا إغراق)).

يمكن تقسيم مصادر أبي اليقظان إلى قسمين رئيسيين هما:

أولا: المصادر الكتابية، وهي نوعان:

1- المصادر المشورة: وتتمثل في:

أ- الكتب: ومنها حياة سليمان الباروني، سير الشماخي، وهو مصدره الأساسي في الحديث عن أسلاف الباروني، وحاضر العالم الإسلامي، وجهاد الأبطال، وديوان عبد الله الباروني، وهو والد سليمان الباروني. وهي -كما يلاحظ- مصادر أصلية من الدرجة الأولى.

ب- الجرائد والمجلات المعاصرة للحوادث: ومنها جرائد: العالم العربي، والنور، ووادي ميزاب، والأمة، والبلاغ المصري، والحياة الجزائرية، والمقطم، والدفاع، والرابطة العربية، والصواب... أما المجلات فأهمها المنهاج، وآخر ساعة.

2- المصادر المخطوطة: وهي أساسا رسائل:

أ- من أبي اليقظان إلى الباروني.

ب- من الباروني إلى أبي اليقظان. وقد أشار أبو اليقظان إلى أن المراسلات بينه وبين الباروني كانت متواصلة.

جـ- من الباروني "إلى بعض الخواص من إخوانه وأصدقائه بوادي ميزاب".

ومن المعلوم أن الرسائل الخاصة تعتبر وثائق هامة، لأنه لا نظير لها في تصوير خلجات النفس وخواطرها، حيث ينطلق فيها صاحبها على سجيته، ولا يحترس كمن يكتب كتابا أو تقريرا أو مقالة لجريدة أو مجلة... وقد أكثر أبو اليقظان من إيراد هذه الرسائل تأكيدا منه لهذا المعنى، وحتى عندما يجيز لنفسه تلخيص رسالة فإنه يتعهد "بمحاذاة نصه، وتحري مراده منه".

ثانيا: المصادر الشفوية: وقد أشار أبو اليقظان إلى ذلك بقوله: ((نورد فيما يلي بعض طرف من أخباره الخاصة، إما مشافهة وإما مراسلة))، وبقوله: ((ومن ذلك ما قصه علينا المرحوم الباشا نفسه))، حيث التقى أبو اليقظان عدة مرات بسليمان الباروني، فقد جمعت بينهما زيارة الباروني لقطب الأئمة الشيخ محمد بن يوسف اطفيّش (1818-1914) سنة 1907، كما التقيا في تونس سنة 1914، وسنة 1923.

من هذا العرض الموجز تتبين لنا قيمة مصادر أبي اليقظان في هذا الكتاب، فهي مصادر أساسية متنوعة. واهتمام أبي اليقظان بهذه المسألة يعود -إضافة إلى ما سبق ذكره- إلى حرصه على أن لا يجد خصوم هدفه وهو توجيه شباب الأمة إلى الاقتداء بسيرة مجاهد، كل فصل فيها موطن إعجاب، وكل موقف فيها محل إكبار ثغرة يتسللون منها إلى ضرب هذا الهدف، كأن يقال لهؤلاء الشباب إن أبا اليقظان اختلق رمزا على هواه، أو اصطنع موقفا لا وجود له، أو لوى عنق حقيقة، أو ضحّى بالمنهج قرباناً للمذهب، وبذلك يُعرِضُ هؤلاء الشباب عن هذه السيرة، وينصرفون عن الاقتداء بصاحبها، ويسخرون من كاتبها... وتلك أمنية أماني أعداء الإسلام.

ملاحظة وتوضيح: لفت نظري في كتاب الشيخ أبي اليقظان -عند الحديث عن القبض على الباروني في بداية شبابه- ذكره للإشاعة التي يرددها أعداء الإسلام التقليديون ومن ألقى إليهم بالمودة من أبناء جلدتنا، وهي اشتهار عهد السلطان عبد الحميد الثاني "باستفحال الجوسسة والتحام شبكة الوشاية في سائر ولايات الدولة العثمانية.

وقد ذكر الشيخ أبو اليقظان هذه المسألة من غير تشكيك فيها أو نقدها لها، أو تبرير... ولو قالها غير أبي اليقظان لما توقفنا عندها، لاطمئناننا بأن الأمة لا تلقي السمع لأعدائها والمردّدين (منا) لبهتانها، أمّا أن يقولها أبو اليقظان، وهو أحد مراجع جزء من أمتنا الإسلامية، لأنه عالم ثقة يطمئن إلى أحكامه ويوثق فيها فأمر يحتاج إلى تنبيه.

لا أحد ينفي الجوسسة عن عهد السلطان عبد الحميد الثاني ولا عن عهد غيره من الحكام والسلاطين في أي مكان أو زمان، فعبد الحميد الثاني لم يكن بدعا منهم، ولكن الأمر الذي ينبغي أن يوضع في الاعتبار هو الهدف المتوخَّى من هذه الجوسسة، والعصر الذي تمارس فيه، وبذلك نستطيع أن نصدر حكما فيه شيء من النَّصَفَة.

شهدت فترة حكم السلطان عبد الحميد الثاني (1876-1909) اشتداد تكالب الدول الأروبية على العالم الإسلامي لاحتلال ما بقي منه خارج سيطرتها، وللقضاء على آخر مظهر من مظاهر وحدة الأمة الإسلامية وهو الخلافة.

وقد توسَّل الأوروبيون لتحقيق ذلك بكثير من الوسائل، منها شراء ذمم واستنزال همم كثير من أراذل المسلمين، ورعايا الدول العثمانية من غير المسلمين، ومنها تسريب عدد كبير من الجواسيس الأوربيين في شكل تجار، ومستشرقين، ورحالين، وأطباء، وضباط مخابرات، ورجال دين، ونساء، إلى مختلف أقاليم الدول العثمانية.

وقد ازدادت شدة ذلك التكالب بعدما تبنَّى السلطان عبد الحميد الثاني فكرة "الجامعة الإسلامية"، وأطلق شعار: ((يا مسلمي العالم اتحدوا))، وهو ما يهدد -لو تحقق- أطماع الأوربيين، وبعدما وقف موقف الشرف والمروءة من أطماع اليهود في فلسطين، ورفضه الخضوع لمساوماتهم... ما كلَّفه الإطاحة به وخلعه، فهل يلام السلطان عبد الحميد الثاني إذا واجه هذا الحشد من الجواسيس والخونة بالإكثار من بث العيون ورصد الحركات؟ ولا يمكن أن يُنْكر ما حدث من تجاوزات أو مظالم قد لا يكون السلطان نفسه على علم بها.

والخلاصة أن الشيخ أبا اليقظان قدّم لنا سيرة رائعة لمجاهد أصيل لم يَطْعم الأذى، ولم يرد القذى، وسما إلى أعلى الذرى عندما لم يُرَاءِ بجهاده، ولم يستغل ذلك الجهاد لتحقيق منافع مادية، حيث رد ستة آلاف جنيه إلى الأمير المصري عمر طوسن قائلا: ((إن الإعانات للمجاهدين، والآن لا جهاد))، وصدق الإمام محمد البشير الإبراهيمي عندما قال: ((أصدق تواريخ الرجال ما يكتبه الدارسون المتقصون عنهم بعد موتهم)).

اقتراح: يؤكد الدارسون الحياديون والمؤرخون المنصفون أن جهاد الشعب الجزائري ضد فرنسا منذ 1830م إلى 1962م، كان محركه الأساسي هو الإسلام. فعلماء الجزائر هم الذين حافظوا على شعلته متأججة في قلوب الجزائريين، وهم الذين أحيوا حرف الضاد في لهواتهم، وهم الذين علموهم ما لم يكونوا يعلمون عن أمجادهم، وهم الذين رسخوا في عقولهم أن فرنسا عدو لهم فلْيُعِدُّوا ما استطاعوا من قوة للقضاء عليه، وليستعدوا إلى يوم الفصل معه. ومما يروى أن الإمام إبراهيم بيوض (1899-1981) قال لمن سأله عن دور العلماء في جهاد الشعب الجزائري: ((أي العملين أشق وأرهق، جمع الحطب أم إشعال النار في ذلك الحطب؟)).

فمن حق هؤلاء العلماء علينا، ومن واجبنا نحوهم أن نرفع ذكرهم ونُحْيِيَ ذكرياتهم، ونشيد بمنجزاتهم، ونبرز أعمالهم ليكونوا للشباب أسوة حسنة.

ومن هؤلاء العلماء الشيخ أبو اليقظان إبراهيم الذي كان أمة، لكثرة أعماله وأصالته، ولذا أقترح:

1- إنشاء متحف للصحافة الجزائرية المجاهدة، يحمل اسم أبي اليقظان، تجمع فيه الصحف الجزائرية التي دافعت عن ثلاثيتنا المقدسة: الإسلام ديننا - العربية لغتنا الجزائر وطننا. ويضم هذا المتحف -أيضا- المطابع المجاهدة وأهمها مطبعة الإمام عبد الحميد بن باديس، ومطبعة الشيخ أبي اليقظان.

2- إنشاء جائزة سنوية باسم الشيخ أبي اليقظان، تمنح للصحفي الذي ينجز أفضل عمل إعلامي، على أن لاينالها إلا الأوفياء للمبادئ التي جاهد في سبيلها أبو اليقظان، وهي -كما أسلفت- الإسلام، العربية، الجزائر.

وأقترح -أخيرا- أنه إذا لم تبادر أية هيئة رسمية لِتَبنّي هذه الفكرة أن تحققها جمعية التراث الموقرة في القرارة، وأرجو أن لا تعتذر بقلة الإمكانات وكثرة الأعمال، فلتعزم ولتتوكل على الله، وعلى قدر أهل العزم فتأت العزائم. وستجد إلى جانبها في هذا العمل الحضاري الأصيل كلّ صالح من الجزائريين وكل أصيل منهم.

مجلة الموافقات/ إصدار: المعهد الوطني العالي لأصول الدين بالجزائر.  من ص460 إلى ص472.

أعلى الصفحة