الصفحة الرئيسية  | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان  | مؤلفات أبي اليقظان  ماكتب عن أبي اليقظان  |

  أصدقاء أبي اليقظانعائلة أبي اليقظان  | صور من بلادي  | مواقع تهمك  |  اتصل بنا|  

أسلوب الدعوة ووسائلها

 عند الشيخ أبي اليقظان

                                                                        أ. يوسف حسين

مقدمة: لاشك أن المهتم بأمر الإسلام والمسلمين في العالم، الرامي إلى النهوض بالمسلمين من وهدتهم وتغيير حالهم نحو الأحسن والأفضل، يجد نفسه بحاجة إلى الاطلاع على جهود رجال النهضة في العالم الإسلامي حتى لا ينطلق في عمله من فراغ أولا، وحتى يستفيد من تجاربهم الناجحة فيأخذ بها ويقتدي بهم فيها، ومن تجاربهم الفاشلة فيتجنبها ولا يضيع وقته في الخوض فيها ثانيا.

فالمهتم إذن بهذا الأمر العظيم الشأن، أمر الإسلام والمسلمين، مطلوب منه أن يدرس دراسة عميقة وافية أعمال وجهود رجال النهضة في العالم الإسلامي أمثال الأئمة الأعلام محمد بن عبد الوهاب، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ومحمد إقبال، وحسن البنا، وعبد الحميد بن باديس، ومحمد البشير الإبراهيمي، وأبي الأعلى المودودي، ومالك بن نبي، وغيرهم كثير.

وفي هذا الجانب، ومن أجل تحقيق هذا الهدف، عقدت مجلة "الموافقات" للمعهد الوطني العالي لأصول الدين بالجزائر عزمها على أن تخصص ملف عددها الخامس لعلم من أعلام النهضة الإسلامية في الجزائر هو "العلامة الشيخ أبو اليقظان إبراهيم" الذي بقي مغمورا إلى يوم الناس هذا، وبقيت معظم آثاره العلمية والجهادية والفكرية مخطوطة لم تعرف طريقها إلى المطبعة، على الرغم من كونه هو نفسه كان يملك مطبعة يصدر فيها صحفه في زمن ندرة المطابع العربية.

فحريٌ بتلاميذ الشيخ أبي اليقظان وطلبة العلم والباحثين أن يعملوا على نشر أعماله المخطوطة وإخراجها إلى الوجود ليستفيد منها كل مسلم، ففيها العلم الغزير والتجربة الواسعة، والمواقف الإسلامية الشجاعة، والإخلاص في النية والعمل، والأمل العريض في استعادة الإسلام مجده والمسلمين كرامتهم وعزتهم، والإيمان الثابت بأن الله عز وجل سيحقق وينجز وعده في إظهار الدين الإسلامي على الأديان كلها مصداقا لقوله: }هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا{.

ولا يفوتني هنا أن أقر بأني قبل أن أقرأ للشيخ أبي اليقظان إبراهيم كنت أسمع عنه بأنه مجرد صحافي وشاعر، وأنه كان في فترة ما عضوا في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بوصفه نائبا لأمين المال، غير أني اكتشفت بعد اطلاعي على مؤلفاته المطبوعة منها والمخطوطة، وكذا ما كتب عنه وهو قليل جدا، أنه كان في الحقيقة داعية كبيرا عقد العزم على سلوك سبيل إنقاذ المسلمين مما هم فيه من زيغ وضلال في الدين وفساد في الأخلاق.

ويهدف هذا البحث المتواضع إلى بيان أسلوب الشيخ أبي اليقظان إبرهيم في الدعوة أولا، وإلى بيان الوسائل التي اعتمدها في تبليغ الدعوة إلى الناس ثانيا، وإلى بيان مدى ضيق دعوته أو رحابته في الخاتمة.

أولا: أسلوبه في الدعوة: يرى الشيخ أبو اليقظان: ((أننا كلفنا (في هذه الحياة) بوجوب العمل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر "مما يقتضي" تطهير المجتمع الإسلامي من أدران الخلق الفاسد وتوجيهه إلى وجهة السعادة الأبدية الخالدة الحقة، وهي حياة العزة والكرامة بحق))، خاصة وأن الشيخ أبا اليقظان قد درس واقع المسلمين في العالم فساءه ما آلوا إليه من زيغ وضلال في الدين وتدهور وفساد في الأخلاق.

ويصرح الشيخ أبو اليقظان أن هذا الواقع السيء للمسلمين هو الذي دفعه إلى محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الناس: ((حملني حرصي على دفع إخواني المسلمين للاهتداء بهدي قرآنهم، لعلي أنقذ بعضهم من مخالب الشيطان من النار، وأدفع أفواجا منهم إلى الجنة، إذ أراد الله تعالى لهم السعادة في الجنة والنجاة من النار)).

وقصد القضاء على الخلق الفاسد عند الناس والحيلولة دون عودتهم إلى الجاهلية الأولى، فإن الشيخ أبا اليقظان اتبع أسلوب الترغيب والترهيب في الدعوة إلى دين الله. بل نجده يدعو العاملين في حقل الإصلاح والدعوة إلى سلوك سبيل الترغيب والترهيب فيقول: ((وكم كنت أتمنى أن يتخذ هذه الأهداف بالذات إخواني دعاة الإصلاح الديني في دعوتهم وإرشادهم المجتمعات فيمزجون في دعاياتهم أسلوب الترغيب في الجنة الترهيب من النار يدخلون به إلى قلوب العامة- والعامة في الفطرة كفطرة الطفل يستهويها ما يستهوي قلب الطفل من ترغيب أو ترهيب)).

وانطلاقا من هذا الأسلوب في الدعوة، أسلوب الترغيب والترهيب نجد الشيخ أبا اليقظان يقرر أن الغاية التي عمل من أجلها في هذه الحياة العاجلة ورسمها هي غاية آجلة: ((لست كأكثر الناس يعملون لغايات في هذه الحياة الدنيا -وهو متاع قليل وعرض زائل لا يوازي قيمة الإنسان الذي كرمه الله وحمله في البر والبحر ورزقه من الطيبات وفضله على كثير ممن خلقه تفضيلا- ولكني أعمل لغايات آجلة رسمت بخطوط من النور رقيقة في مخيلتي)).

إذن فالشيخ أبو اليقظان يجعل عمله في هذه الدنيا العاجلة مطية ومزرعة للدار الآخرة، ولذلك فإنه يحدد لعمله في هذه الحياة الدنيا، -وطبعا لعمل الناس- أهدافا ثلاثة خرجت فيما يخص أعمالي في هذه الحياة بأهداف ثلاثة:

أولا: الفوز بنعيم الجنة الخالد.

ثانيا: النجاة من النار وعذابها الخالد.

ثالثا: الفوز برضى الله سبحانه وتعالى)).

فالعمل الذي يقوم به الإنسان المسلم في هذه الحياة يجب أن يهدف به إلى الفوز بالجنة والنجاة من النار، ويبتغي به رضوان الله عز وجل.

ومن وضع نصب عينيه تحقيق هذه الأهداف المستقبلية فإنه لاشك ستكون عاقبته سعيدة، ذلك لأن هذه الأهداف الثلاثة قد رسمها القرآن الكريم ووضحها لكل من يريد سلوك هذا الطريق المستقيم المؤدي إلى السعادة الأبدية حيث قال الله عز وجل: }اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان{.

وقال تعالى أيضا: }زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب، قل أؤنبكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله..{.

وإذا عزم المسلم على تحقيق هذه الأهداف الثلاثة وعمل في اتجاهها فإنه سيجد من نفسه قوة عتيدة فلا يبالي بكل ما يحيط به من عدو وعتاد، ويواجه صعوبات الحياة والمحن بثبات وشجاعة، تماما كما أحس الشيخ أبو اليقظان وهو يطبق هذه الأهداف الثلاثة ويسير على ضوئها مما أكسبه آثارا إيجابية في مواجهة الحوادث كما يقر هو نفسه: ((لأجل تلك الأهداف المومإ إليها كنت أواجه المصائب الكبرى والمحن العظمى في الحياة بصدر رحب وصبر جميل ثم لا ألبث أن أواصل أعمالي وهكذا)).

وكأمثلة على تأثير تلك الأهداف في سلوك المسلم الآخذ بها أسوق مثالين عن المواقف الشجاعة الكثيرة للشيخ أبي اليقظان نفسه:

المثال الأول: اعتاد الخديوي عباس المخلوع قضاء عطلته الصيفية في أحد شطوط الجزائر، فقدم في أواخر العشرينات على يخته المسمى (نعمة الله)، فاستقبله الوالي العام استقبال الملوك بميناء الجزائر، وكان قد طلب من الفئات الجزائرية المختلفة الموجودة في الجزائر العاصمة أن تعين ممثلا لها يقوم بتقديم رمز أو شعار يمثل كل طائفة كهدية للخديوي تقديرا واحتراما له. فاتفقت الجماعة الميزابية على إيفاد الشيخ أبي اليقظان عن نفسها، فانطلق وهو يرتدي اللباس الرسمي لهيئة العزابة (الحولي) حاملا معه العدد الأول من جريدة "وادي ميزاب"، فتقدم الممثلون بهدايا متنوعة منحنين أمامه حتى إذا كان دور الشيخ تقدم وسلم عليه بتحية الإسلام، مصافحا إياه دون انحناء، وقدم له الجريدة كهدية، فانتهره الحاكم العسكري قائلا: ((لم لم تنحن كما فعل الآخرون؟))، فقال الشيخ: ((أنا مسلم جزائري إباضي -ومما يمتاز به الإباضية- أن لا حكم إلا لله، ولا سجود إلا لله))، ثم سأله الخديوي: ((وما هذه الجريدة؟))، فقال: (هي لسان الأمة الميزابية التي قطع لسانها، فصارت تصرخ بها)). فقال الخديوي: ((وأين تطبع هذه الجريدة؟))، فقال: (الإدارة في الجزائر، والطباعة في تونس، والتوزيع في شمال افريقيا))، فرد الخديوي في تعجب: ((الإدارة في الجزائر والطباعة في تونس، والتوزيع في شمال افريقيا، ما شاء الله، ما شاء الله، ما شاء الله)).

فقدم إليه علبة تبغ أمريكية من النوع الرفيع كهدية له، لكن الشيخ لم يمد يده ليتسلمها، فقال: ويد الخديوي ممدودة: ((نحن معاشر الإباضية نحرم كل مخدر ومسكر، وما أسكر كثيره فقليله حرام)).

فازداد الخديوي إعجابا بشجاعته وجرأته، وعندئذ تدخل الحاكم العسكري مغتاظا قائلا: ((وكيف تحسبنا وترانا أمامك؟))، فقال رحمه الله: ((أراكم مثل القطط)).

ثم وجه الخديوي كلامه للحاكم قائلا: ((كم عندكم من نوع هذا الرجل؟)).

فقال الحاكم: ((كنا نسمع قبله بشخص يدعى محمد بن يوسف اطفيش، كان يواجه بكل صلابة وشجاعة وجرأة الحكومة الفرنسية)).

فقال الشيخ أبو اليقظان: ((إنه شيخي وأستاذي، وعليه تخرجت وتتلمذت))، ثم غادر الحفل إلى حال سبيله.

المثال الثاني: يذكر الشيخ أبو اليقظان أنه لما نشر في عدد 17 من جريدة "وادي ميزاب" مقاله الموسوم "الاعتماد على النفس" الذي كان في الواقع دعوة صارخة إلى الثورة مما أقعد فرنسا وأقامها وهزها هزا عنيفا... ، استدعاه المسيو ميرانت مدير الأمور الأهلية في الجزائر العاصمة للتحقيق والتهديد، فجرى بينهما حوار حاد محرج للشيخ أبي اليقظان على النحو التالي: ميرانت: ((ألا تعلم أن جزاء من شاقق فرنسا هو السجن أو النفي أو الشنق؟)).

أبو اليقظان: ((بكل برودة أنا لا يهمني كل ذلك، سواء كان النفي أو السجن أو الشنق إذا قمت بواجبي من النصح لأمتي وللحكومة الفرنسية)).

ميرانت: ((إن الحكومة الفرنسية ليست في حاجة إلى نصحك، بل انصح نفسك (وتابع كلامه) أخْطِيكْ (دعكَ) من السياسة فإنها بحر من دخله يغرق)).

أبو اليقظان: ((لابد أن أن نتعلم شيئا من السباحة في هذا البحر)).

ميرانت: ((لا تلمنا إذا اتخذنا بحقك إجراء خاصا، فإن إدارة الأمن والضبط تهاجمنا بتقاريرها اليومية ضدك)).

أبو اليقظان: ((فتح ميرانت درج مكتبه، فأخرج منه تقريرا طوى مكان التوقيعات فقال لي اقرأ)).

أبو اليقظان: ((قرأت التقرير، فإذا هو كله ضدي وضد حركتي ونشاطي الذي أقوم به)).

ميرانت: ((أنت عالم وصحافي ومفكر، أظنك تعرف الكثير من توقيعات بعض المسؤولين)).

أبو اليقظان: ((نعم أعرف الكثير)).

ميرانت: ((هل تعرف توقيع فلان، وفلان، وفلان، ذكر عدة أسماء)).

أبو اليقظان: ((نعم)).

ميرانت: ((انظر إلى هذه التوقيعات تحت هذا التقرير)).

أبو اليقظان: ((فإذا هي كلها من بعض اللئام والمغرضين الذين يتربصون بي الدوائر، ويسعون لإحباط جهودي، فما أشد وقع الخناجر التي نطعن بها من خلف.

        وظلم ذوي القربى أشد مضاضة              على النفس من وقع الحسام المهند



 

ميرانت: ((أنصحك: فكر كثيرا واكتب قليلا)).

أبو اليقظان: ((وفي الغد جاءني جاسوسهم البشير الفرقاني فسألني على لسان الفرنسيين: ماذا ترمي بهذه الحملة التي تقوم بها ضد فرنسا. إن كنت تبغي القيادة سميناك قائدا، أو كنت تريد قاضيا عيناك، أو كنت تريد وساما علقناه على صدرك، وإن كنت تريد راتبا قيضناه لك)).

أبو اليقظان: ((لم يخطر ببالي ولن يخطر أبدا ما ذكرت، ثم انصرف، وفي الغد عاد إلي وقال: ((إنهم (أي الفرنسيين) يطلبون منك، أن تحدد لهم مرادك بهذه الحملة)).

أبو اليقظان: (قلت له -أريد بها الجنة- فقهقه حتى استلقى على ظهره، ثم انصرف)).

أبو اليقظان: ((وفي الغد عاد إلي قائلا: إنهم يقولون لك إن كنت تريد الجنة فإنهم يطلعونك إليها في ليلة واحدة "يريد حبل المشنقة")).

ومن هذين المثالين المذكورين يتبين لنا إلى أي حد أثرت الأهداف الثلاثة التي اعتمدها الشيخ أبو اليقظان في عمله في هذه الحياة، في سلوكه ومواقفه فاكسبته شجاعة نادرة مكنته من مواجهة الحوادث والصعوبات والنكبات بصدر رحب. ولاشك أن هذه الأهداف الثلاثة سيكون مفعولها على الآخذ بها نفس مفعولها على الشيخ أبي اليقظان ونفس التأثير فليأخذ بها كل مسلم فإنها ستوصله إلى السعادة الأبدية بإذن الله.

وهكذا يبدو جليا أن دعوة الشيخ أبي اليقظان تعتمد على أسلوب الترغيب والترهيب، الترغيب في الجنة والترهيب من النار، ولذلك فإننا نجده يكتب رسالة سماها "نوافذ القرآن". وقصد بها العمل على أن ينفذ نور القرآن الكريم إلى بصائر الغافلين الضالين فيزيل عنهم غشاوة الزيغ والضلال والفساد الخلقي الذي هم واقعون وغارقون فيه وقد استهل هذه الرسالة بقوله: ((لما رأيت أحوال الناس في العالم الإسلامي عامة وفي غالب بلاد المسلمين خاصة. ورأيت موجة عارمة كادت تغمر المسلمين وترجع بهم إلى الجاهلية الأولى من الزيغ والضلال في المشارق والمغارب.. وأخذت أتأمل وأتساءل هل من تبدل في أخلاقهم وتحسن في دينهم من حسن إلى أحسن؟ سيما بعد تحرر أغلب بلاد الإسلام من نير الاستعمار البغيض. فلم أر ما كنت أرجوه -غالبا- إلا تدهورا في الأخلاق واستهتاراً بالدين واستخفافا بالقيم الإسلامية وحرمة المسلمين وكفرا بآيات الله... لما خشيت من هذه المعاقبة -إذا استمرت هذه الحالة بين المسلمين- أن تحق كلمة الله- عامة على المسلمين- رأيت من الواجب علي ما دامت عيني تطرف وأنفاسي تتردد بين الحنجرة والحلقوم أن أشرع من تلك النوافذ ما أمكن إلى فتحه حتى تشع أنوار القرآن منها إلى بصائرهم...)).

إننا نجد في هذه الرسالة مشاهد ترغيب في الجنة جاذبة، ومشاهد ترهيب من النار مرعبة. فمن منا يقرأ الآيات التالية التي ساقها إلينا الشيخ أبو اليقظان عن الجنة ونعيمها ولا يرغب في الفوز بها: يقول الله عز وجل: }وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم{.

ويعلق الشيخ أبو اليقظان على هذه الآية فيقول مفسرا لها: ((وعدهم... رحمان الدنيا ورحيم الآخرة بجنات تجري من تحتها لا ينالها -كجنان الدنيا- جفاق وحرق ولا طوفان وغرق، وأوضح أنها ليست كجنات الدنيا يخرج مالكها من حيث يدخل ونعيمها منغص دائما ولكنهم في هذه خالدون أبدا لا يشوب نعيمها ما قد ينغصهم فيه من الزوال كالدنيا.

وهذا النعيم في الجنة مقرون بمساكن طيبة لا توصف كما توصف المساكن في الدنيا بالبلاء والتصدع والانهيار... فهي جنات عدن ودار إقامة، عن أبي هريرة سئل رسول عن هذه الآية.. ومساكن طيبة في جنات عدن.

قال: قصر من لؤلؤ فيه سبعون دارا من ياقوتة حمراء من كل دار سبعون بيتا من زمردة خضراء في كل بيت سبعون سريرا على كل سرير سبعون فراشا في كل فراش زوجة من الحور العين وأعظم من ذلك كله رضوان من الله خالق السماوات والأرض ومن فيهن ورضوان من الله أكبر وأعظم.

فإذا كان العبد السعيد مغمورا في نعيم الجنة وهو مع ذلك يشعر برضاء مولاه كان شعوره برضاء سيده ومولاه أكبر وأعظم بدرجات من شعوره بنفس النعيم المجرد وأقل إذا هو خلا من شعوره برضوانه عليه... ويؤكد الله ذلك الوعد بما ينطوي عليه من صنوف النعيم بقوله "ذلك هو الفوز العظيم" فهو لا يشبهه فوز من الدنيا مطلقا لاببنين ولابنساء ولا بمال ولابذهب وما إلى ذلك ولابسيادة ولاملك ولاسلطان فكل ذلك إنما هو متاع الحياة الدنيا.

ولو أن ابن آدم كان وحده ملك الدنيا كلها من لدن أبناء آدم إلى يوم القيامة ثم زال ملكه بموت أو غيره كان ملكه ذلك كله بالنسبة لملكه في الجنة متاعا قليلا. فاصحاب الجنة إذا كلهم ملوك في عروشهم خالدون لاينازعهم فيها منازع ولا ينالهم في حياتهم الخالدة أي منغص)).

وإذا كان هذا النعيم كله قد أعده الله عزّ وجل للمؤمنين في الجنة ورغبهم في العمل من أجل الفوز به وبها، فإنه من جهة أخرى قد رهبهم وحذرهم من الانحراف عن طريقه المستقيم وسلوك سبيل غير سبيل الإيمان والمؤمنين، ووعدهم إن هم ضلوا السبيل نارا وقودها الناس والحجارة، كما هو مبين في الآيات الكريمة التالية التي ساقها الشيخ أبو اليقظان: }ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار. مهطعين مقنعي رؤوسهم لايرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء...{ .

ويعلق الشيخ أبو اليقظان على الآيات المذكورة من سورة إبراهيم فيقول: ((يفتح الله من هذه النافذة على الكافرين بهذه الآيات من الدنيا إلى الآخرة مشاهد الهول والفزع والعذاب التي أعدها لهم في يوم القيامة ألوانا كل لون لا يشبهه لون آخر يليه لو صب على الجبال لدكها وكل لون منها يزداد هولا وفزعا عما يليه.

إن هذه الآيات وأمثالها هي التي جعلت الشيخ أبا اليقظان ينشد الفوز بالجنة ويرتعد من هول النار، وجعلته يغشى الحدائق والبساتين الغناء من جهة، ويغشى أمكنة الحدادين ومصانع الحديد من جهة أخرى لأن الأولى تزيده رغبة في العمل من أجل الفوز بالجنة والثانية تزيده رهبة من النار فيتجنب كل عمل قد يقربه منها وفي الأولى يقول: ((فكنت مولعا بالتفسح في الحدائق الغناء من كل بلد زرته كبلد النخيل -بسكرة- وكالجزائر العاصمة وتونس ومروج الغوطة على ضفاف بردى بدمشق وأنا أشاهد بغرام ظلالها الوارفة وأشجارها الباسقة وأنهارها الدافقة وأسمع نغمات بلابلها الغريدة بألحانها وأستنشق أريج زهورها وعطورها العبقة، فأتذكر بذلك مامر بذهني من نعيم الجنة الخالد)).

وفي الثانية يقول: ((كنت أغشى أمكنة الحدادين ومصانع الحديد فأرى نارا تذيب قطعا من الحديد فترجع ماء.

وإن أنس فلا أنسى معامل الحديد -فيفر- الحامة في الجزائر التي تصهر الحديد، فقد زرتها يوما لإصلاح آلة تعطبت بمطبعتنا العربية فشاهدت هنالك مصهر الحديد تلتهب ناره كأنما هي جحيم النار يلقي فيها العملة قطعة غليظة من الحديد. فتذوب في النار كالماء حالا!!... فأتذكر كيف لو قوبل بهذه النار ضلوع الإنسان؟ هذه النار في الحياة الدنيا وهي أخف من نار الآخرة بأضعاف؟ كما ثبت ذلك في الأحاديث وكيف بالخلود فيها أبدا؟ فيكاد قلبي ينخلع من بين جنبي خلعا وأكاد أضعف من هول المنظر وتعجبت كيف لايؤمن بذلك العذاب في الآخرة أولئك العملة الذين يباشرون هذا الهول ليل نهار)).

وهكذا يبدو جليا أن الشيخ أبا اليقظان قد اتبع أسلوب الترغيب والترهيب في الدعوة إلى دين الإسلام، وكان هدفه بالعمل في هذه الحياة هو الفوز بالجنة وبرضى الله عز وجل، والنجاة من النار.

ثانيا: وسائل الدعوة: إن تغيير الفرد والمجتمع من حال إلى حال يقتضي توفير وسائل معينة تكفل تحقيق هذا التغيير المنشود.

ولما كان الشيخ أبو اليقظان واعيا بضرورة التغيير وأهدافه فإنه فكر في الوسائل الكفيلة بإحداث هذا التغيير في هذا الواقع السيء للمسلمين والنهوض بهم من وهدتهم. وقد استعمل الوسائل التالية قصد بناء مجتمع أفضل وحياة دنيا تكون مزرعة ومطية لحياة أخرى أسعد.

1- البعثة العلمية: يقول الشيخ أبو اليقظان: ((لما رأيت المستوى العلمي والفني منحطا في بلادنا وسجلت عروق قلبي بأن عواصف هوجاء تنذر بالخطر وتتقارب إلى بلادنا في أثناء الحرب الأولى شعرت بأن خطرا أخذ يحبو نحو بلادنا لاينجينا منه إلا الحصانة العلمية والفنية والخلقية بتكوين كتلة من الشباب متينة متراصة لتدرأ عن البلاد ما أتوقعه من الأخطار المهددة لها بأساليب عصرية لا التواء فيها)).

كان هذا الداعي القريب لانشاء البعثة العلمية بتونس.

أما الداعي البعيد المستقبلي فهو: "أما إنشاء البعثة العلمية بتونس فليست لتدعيم الغاية العاجلة الدنيا -كما تظهر- وإنما هي لتدعيم الغايتين العاجلة منها والآجلة معا لما فيها من التزود بالعلم والمعرفة وتنمية الملكات العلمية فيها لتساعد على تفهم القرآن ولغة القرآن...".

ونلمس هنا محاربة الشيخ أبي اليقظان للجهل ومحاولة محو الأمية عن المسلمين والنهوض بهم نهضة علمية حتى يتمكنوا من فهم دينهم الفهم الصحيح ومن تمة العمل به وفق ما أمر الله عز وجل.

ولاشك أن ابتعات الطلبة إلى الجامعات العريقة في تعليم العلوم الإسلامية سيمكن من تكوين عدد لابأس به من العلماء الذين تقوم على عاتقهم مسؤولية تغيير ما بأنفس الناس في مجتمعاتهم نحو الأحسن والأفضل ولاشك أيضا أن هذه وسيلة ناجعة من وسائل التغيير وتوعية المسلمين بضرورة التمسك بالأهداف الثلاثة التي حددها أبو اليقظان للعمل في هذه الحياة، لأن المتعلم وحده بعلمه يستطيع إدراك الأهمية العظيمة لهذه الأهداف.

2- الصحافة: يقول الشيخ أبو اليقظان: ((إن غايتنا منها (أي من إنشاء الصحافة) في توجيه المجتمع الإسلامي إلى وجهة الدين والاستقامة بتطهيره من أدران الأخلاق الفاسدة هي كذلك غاية شريفة)).

ويؤكد أبو اليقظان على أهمية الصحافة وضرورتها في عصرنا هذا فيقول: ((ومن المعلوم أن السلف الصالح كانوا ينظمون الأسفار ويؤلفون القوافل للبلاد للقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونشر العلم وحل المشاكل وإصلاح ذات البين وغير ذلك من المقاصد النبيلة فرأينا نحن في هذا العصر أن الصحافة هي وسيلة ميسورة يقوم منها عدد واحد، مما لاتقوم قوافل عديدة بذلك النفع العام لما يتسنى لها من سهولة الذيوع والانتشار))، وفي نفس المعنى ينظم شعرا:

والشعب من غير اللسان موات          
ببيــانه تتدارك الغــايات

 

 

 

إن الصحافة للشعــوب حياة
فهي اللسان المفصح الذلق الذي

 

وبما أن الصحافة قد جعلت من طرف الشيخ خادما للدعوة فإننا نجده يعلق على موقف الإخوة المشارقة من جرائده فيقول: ((... ومن أجل هذا كانت فصول أغلب صحفنا اجتماعية أكثر منها سياسية حتى ضج بعض إخواننا منها في الشرق وقالوا: إن فصول صحف أبي اليقظان هي أليق بعرصات المسجد منها بأعمدة الصحف)).

3- المطبعة العربية: يقول الشيخ أبو اليقظان: ((وأما إنشاء المطبعة العربية فهي كذلك غايتنا هي غاية الصحافة وهي غاية أدبية صرفة لامادية وهي وسيلة واسعة للنشر لا للصحافة فقط ولكن لها وللكتب أيضا وللوسائل حكم المقاصد)).

وتجدر الإشارة هنا إلى أهمية الطباعة وضرورتها لنشر الأفكار والمساهمة في تبليغ الدعوة إلى الناس، وقد تمكن الشيخ أبو اليقظان بعد اقتنائه لمطبعة عربية خاصة من طبع صحفه الثمان، دون أن يقع تحت طائل المراقبة ومقصها، وتحرر من الطبع لدى مطابع أخرى قد تعرقل عمله الصحفي في أي لحظة.

4- التأليف: لجأ الشيخ أبو اليقظان بعد التضييق عليه من طرف الاستعمار الفرنسي إلى التأليف وفي هذا يقول: ((بعد أن رأيت الجو مكفهرا كما رأيت من تعطيلات جرائدنا وبعد أن أيست من الرجوع إلى مهنة الصحافة ورأيت نفسي (وفي الأجل بقية للعمل والحمد لله) حولت وجهي للتأليف..)).

ولا شك أن التأليف وسيلة أخرى من وسائل تبليغ الإسلام الصحيح إلى الناس، وحث المتعلمين على تبليغه إلى العامة، وقد ترك لنا الشيخ أبو اليقظان تآليف قيمة القليل منها تم طبعه، والكثير منها ما زال مخطوطا ينتظر من يقوم بطبعه حتى يعم نفعه.

وقصد الاستفادة من المؤلفات الغزيرة للشيخ أبي اليقظان، وحث الطلبة والباحثين على القيام بمهمة إزاحة الغبار عن تراث علمي إسلامي نافع أذكر أولا هنا ما ألفه الشيخ أبو اليقظان من كتب ورسائل (المطبوع منها والمخطوط) ذكرها هو في رسالة وجهها إلى الأستاذ عبد الرزاق قسوم بتاريخ (بريكة، يوم الجمعة 11/04/1969م) وأذكر ثانيا ما ألفه من رسائل بعد مراسلته السالفه الذكر للأستاذ عبد الرزاق قسوم، وقد أثبتها الأستاذ أحمد محمد فرصوص في كتابه "الشيخ أبو اليقظان إبراهيم كما عرفته".

أولا: المؤلفات والرسائل المطبوعة والمخطوطة كما ذكرت في الرسالة الموجهة للأستاذ عبد الرزاق قسوم:

أ- الكتب:

1- سلم الاستقامة: في ثلاثة أجزاء للأقسام الابتدائية مطبوعة وأربعة أجزاء ثانوية طبع منها الأول والثاني والباقيان تحت الطبع (طبعهما فيما بعد).

2-سليمان الباروني في أطوار حياته: في جزأين مطبوعين في المطبعة العربية بالجزائر.

3- ديوان أبي اليقظان: الجزء الأول مطبوع ويتكون الباقي من مقدار ما طبع مرتين (أي مقدار جزأين من المطبوع) وقد حدد اسمه بـ (وحي الوجدان من ديوان أبي اليقظان).

4- الإباضية في شمال إفريقيا: مخطوط في نحو جزأين.

5- ملحق السير: مخطوط في نحو ثلاث حلقات، أي من الخمسين الأولى من القرن العاشر إلى الخمسين الثانية من القرن الرابع عشر.

ب- الرسائل: أما الرسائل فهي تؤلف مجموعات في مواضيع مختلفة.

المجموعة الأولى هي:

1- إرشاد الحائرين: مطبوعة سابقا في تونس.

2- الإسلام ونظام المساجد في وادي ميزاب: مخطوطة.

3- الإسلام ونظام العشيرة في وادي ميزاب: مخطوطة.

4- أهدافي العليا بالعمل في هذه الحياة: مخطوطة.

5- الإنسانية المؤمنة بين حزب الله وحزب الشيطان: مخطوطة.

6- فتح نوافذ القرآن في 24 نافذة طبق صنيع سيد قطب في مشاهد القيامة في القرآن: مخطوطة.

7- أضواء على بعض أمثال القرآن: مخطوطة.

8- أطوار التكوين والفناء في القرآن: مخطوطة.

9- رحلتي للحج إلى بيت الله: مخطوطة.

10- خطبة العيدين: مخطوطة.

11- تحفة أبي اليقظان للصبيان: أرجوزة في 320 بيتا: مخطوطة.

المجموعة الثانية:

1- تاريخ الصحافة العربية في الجزائر: مخطوطة.

2- الجزائر بين عهدين عهد الاستغلال وعهد الاستقلال: مخطوطة.

3- طور جديد في الجزائر ووادي ميزاب: مخطوطة.

4- مأساة فلسطين: 325 بيتا- مطبوعة في مصر.

المجموعة الثالثة:

1-نظام امسطوردان في غرداية: مخطوطة.

2- أشعة النور من النور: مخطوطة.

3- مشاهد الزيارة في القرارة: مخطوطة.

4- رسالة العزابة: مخطوطة.

المجموعة الرابعة:

1- بيانات واضحة عن الإباضية، ووادي ميزاب: مخطوطة.

2- دفع شبه الباطل عن الإباضية المحقة: مخطوطة.

3- رد على جريدة (ايكودالجي) في شأن الخوامس الشبكة: مخطوطة.

4- بيان الحقيقة في مسألة العسكرية بوادي ميزاب عن لسان وكيل الأمة الميزابية السيد الحاج امحمد عمر بوعيسى: مخطوطة.

5- هل للإباضية وجود في سوف في الزمن القديم؟: مخطوطة.

6- لعْميَد: مدينة الغد: مخطوطة.

المجموعة الخامسة:

1- ترجمة الإمام أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني: مخطوطة.

2- ترجمة الإمام أبي عبد الله محمد بن بكر الفرسطائي: مخطوطة.

3- ترجمة الإمام أبي عمار عبد الكافي الوارجلاني: مخطوطة.

4- ترجمة الإمام أبي اسحاق اطفيش الميزابي: مخطوطة.

5-موجز عن حياة أبي اليقظان: مخطوطة.

ثانيا: المؤلفات بعد المراسلة الموجهة للأستاذ عبد الرزاق قسوم:

1- كلمتي في اللحية، مخطوطة وعدد صفحاتها 9.

2- أين الواقعيون، وجوه الشبه بين النخلة والإنسان، مخطوطة وعدد صفحاتها 10.

3- أقمار من سورة القمر، مخطوطة وعدد صفحاتها 10.

4- عناصر الفتح من سورة الفتح، مخطوطة وعدد صفحاتها 11.

5- كيف كان النظام الديني والاجتماعي بالقرارة، شكوى من جماعة القرارة إلى ملحقة غرداية، مخطوطة وعدد صفحاتها 9.

6- سبيل المؤمن البصير إلى الله مطبوعة من 32 صفحة.

7- إجابتي على أسئلة الأخ بكلي عبد الرحمن، في 21 صفحة.

8- بابا عمي الحاج أحمد كما عرفته، مخطوط.

9- الشيخ محمد الثميني كما أعرفه، مخطوط.

10- ترجمة الإمام عبد الله بن إباض المر التميمي، مخطوط.

11- من هو الشيخ إبراهيم بن بكير، مخطوط.

12- دليل السواح للقرارة، مخطوط.

13- مجموع الشذرات الحكمية، مخطوط في 17 صفحة.

14- جماعة الملاكين في لعميد. مخطوط في 39 صفحة.

15- كراس المؤسسات. مخطوط في 59 صفحة.

16- الكتاب المجيد: بشائره للمؤمنين، ونذره للكافرين، مقارنة بين هؤلاء وهؤلاء: مخطوط.

17- مكامن الآلام الوجيعة- مخطوط في 34 صفحة.

18- مجموعة المهمات: علمية وتاريخية عن الإباضية ووادي ميزاب. مخطوط في 54 صفحة.

19- اقتحام الصعاب. مخطوط في 58 صفحة.

20- خلاصة التاريخ الإسلامي للجزائر، في ثلاث حلقات.

21- نشأتي، رسالة في 97 صفحة.

22- فذات النساء الإباضيات في وادي ميزاب في العهد الأخير.

23- أفذاذ علماء الإباضية عبر العصور.

24- صبر يوسف يتجلى في محنه، ألطاف الله تكمن وراء تلك المحن في جميع أطوار حياته. مخطوط.

خاتمة: لقد رأينا كيف استعمل الشيخ أبو اليقظان أسلوب الترغيب والترهيب في الدعوة إلى دين الإسلام، وتغيير ما بأنفس الناس من زيغ وضلال في الدين وفساد في الأخلاق حتى يستقيموا على طريق الله عز وجل وأمره. ورأينا أيضا الوسائل التي سخرها من أجل تحقيق أهداف دعوته. وبقي في نظري أن نعرف مدى ضيق أفق دعوة الشيخ أبي اليقظان أو رحابته؟

إن الدارس المتعمق لمؤلفات الشيخ أبي اليقظان ومقالاته الصحفية يدرك أن الشيخ قد اهتم بخلاص وإنقاذ كل إنسان من النار، وها هو يثبت هذا بنفسه حين يعقد مقارنة بين دعوته هو (أبو اليقظان) ودعوة إبليس اللعين: ((إن هدفي هذا مناقض تمام المناقضة لهدف الشيطان إبليس لعنه الله هو: الإكثار من سواد الأشقياء في النار. وأنا: الإكثار من سواد السعداء في حياة العزة والكرامة والخلود في الجنة)).

إن أمر دعوة الشيخ أبي اليقظان يتسع ليشمل ميزاب وهو ابنها البار والجزائر وهو المجاهد المخلص لوطنه، والعالم الإسلامي وهو المسلم الملتزم المهتم بأموره والإنسانية جمعاء، ذلك أنه يقصد بدعوته "تكثير المسلمين" ولعب دور المنقذ للإنسانية جمعاء عكس ما يفعل إبليس تماما من حيث دعوته وعمله، لتكثير الكافرين ولعب دور المكب للإنسانية في النار.

وإلى رحابة أفق دعوته يشير الشيخ أبو اليقظان: ((وقد لقنني الله في كتابه هذا المنهج القويم "أسلوب الترغيب والترهيب والأهداف الثلاثة المذكورة" وكما أعجبني وقد اقتنعت به تمنيته لإخواني في الإسلام خاصة وفي البشرية والإنسانية عامة)).

ويعني بهذا إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الناس من مخالب الشيطان، بل تحدى الشيطان واغاظته حين يعاكسه فيعمل من أجل تكثير عدد السعداء في الآخرة، بينما يعمل الشيطان من أجل تكثير عدد الأشقياء في الآخرة.

وطبعا لايخفى على المطلع على آثار الشيخ أبي اليقظان أنه بدأ دعوته -أو بالأحرى عملية الإنقاذ- بالأقربين إليه من أهله وعشيرته، تماما كما بدأ الرسول e دعوته بأقرب الناس إليه، بزوجه الطاهرة خديجة أم المؤمنين، وأخلص أصدقائه أبي بكر الصديق، وابن عمه علي بن أبي طالب، ثم عممها تدريجيا على كافة الناس.

ويظهر أسلوب الأوليات في الدعوة وفي عملية الإنقاذ التي باشرها الشيخ أبو اليقظان من أول مقال نشره في أولى جرائده "وادي ميزاب" في العدد الأول منها الصادر في يوم الجمعة 23 ربيع الأول 1345هـ الموافق لـ01 أكتوبر 1926م، إذ يقول فيه: ((وأبشع من ذلك وأنكى أن تبقى أمة كأمتنا الميزابية ولها مركزها في الوجود، ومقامها في الحياة، ومكانتها في التاريخ ومنزلتها في الاجتماع ودرجتها في تحريك دواليب التجارة من القطر الجزائري، وهي بكماء خرساء لا لسان لها يعبر عن مقاصدها، في وقت هي أكثر الأمم اضطرارا إلى رفع صوتها، وإبلاغ رأيها إلى المراجع الإيجابية، وإلفات أنظار الأحرار إلى حالتها البائسة ولتلافي هذه الحالة الأسيفة عقدنا العزم بعون الله على إنشاء جريدة وطنية إسلامية باسم "وادي ميزاب"...وهي وإن كانت كلسان حال الأمة الميزابية إلا أنها قبل كل شيء لسان حال الفكر الإسلامي عموما والجزائر خصوصا)).

وهكذا يبدأ الشيخ أبو اليقظان دعوته بالميزابيين أولا وبالقطر الجزائري ثانيا وبالعالم الإسلامي ثالثا وبالعالم الإنساني رابعا وأخيرا. إنه يريد كما قال في أول عدد من جريدة وادي ميزاب: ((بذل الجهد في مقاومة الرذائل، ونشر الفضيلة قدر المستطاع)).

وهكذا يتضح جليا أن الشيخ أبا اليقظان قد سلك في حياته سبيل الدعوة إلى الله عز وجل وآمن إيمانا راسخا بقوله تعالى: }ومن احسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين{

لقد وقر في قلبه تعميم الدعوة إلى الله على الإنسانية بأسرها وتكثير سواد المسلمين وتقليص عدد الكافرين.

وإنها لنظرة ودعوة ذات بعد إنساني "وافق رحب، لا تبدو فيها -منذ البداية- أية نزعة مذهبية أو أدنى محاولة لحصر الدعوة في وادي ميزاب: ويبدو هذا المعنى جليا في تحديد الشيخ أبي اليقظان لأهداف إنشاء جريدته الأسبوعية "وادي ميزاب"، إذ يقول في أول عدد منها: ((أولا: تأييد الحق، الحرية والعدالة والمساواة بأتم معنى الكلمة بين كافة الأجناس المتساكنة.

ثانيا: السعي في بث روح الاتحاد والتضامن بين سائر المسلمين على اختلاف أجناسهم ومذاهبهم، بتأييد الصلات المتعددة بينهم، ومعاضدة الصحافة الأهلية الحرة في كل ما تراه من طرق الإصلاح، وبذل الجهد في إزالة الشحناء والبغضاء وسوء التفاهم بينهم بتتبع أصول الداء وتحكيم الدليل والبرهان والعقل بكل نزاهة وإنصاف...

ثالثا: بذل الجهد في مقاومة الرذائل ونشر الفضيلة قدر المستطاع.

رابعا: حث الأمة على اكتساب العلوم والمعارف وإحياء اللغة العربية وتربية أبنائها تربية إسلامية صحيحة)).

وهكذا كان الشيخ أبو اليقظان إبراهيم وهو الإباضي القح داعية للإسلام الصحيح دون تعصب لمذهب أو جنس، وكان هدفه بالعمل في هذه الحياة هو إنقاذ نفسه وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الناس من النار بترهيب نفسه وترهيبهم منها، والفوز بالجنة وبرضى الله عز وجل بترغيب نفسه وترغيبهم فيها..

وهذا هو المنهج القويم الذي ينبغي أن ينتهجه الدعاة خاصة والمسلمون عامة إذا ما أرادوا لأنفسهم ولإخوانهم في الإسلام وفي الإنسانية النجاة من النار ومن سخط الله عز وجل وعذابه، والفوز بالجنة وبرضى الله عز وجل.

                      الموافقات/ع5/س5/1417هـ-1996م من ص416 إلى ص432

 

أعلى الصفحة