الصفحة الرئيسية  | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان  | مؤلفات أبي اليقظان  ماكتب عن أبي اليقظان  |

  أصدقاء أبي اليقظانعائلة أبي اليقظان  | صور من بلادي  | مواقع تهمك  |  اتصل بنا|  

 

المقـال التفسيـري الهـدائـي

من جـمال الدين الأفـغاني

إلى إبراهيم أبي اليقظان

أ‌.       محمد دراجي

تمهيد: إن القرآن الكريم هو مصدر الهداية، وسبيل النجاة وطريق السعادة، من تمسك به نجا ومن أعرض عنه فإن له معيشة ضنكا، وهو مصدر التشريع الأخلاق، والعلم والعمل يقول أبو إسحاق الشاطبي في الموافقات في أصول الشريعة: ((هو كلية الشريعة وعمود الملة وينبوع الحكمة وآية الرسالة ونور الأبصار والبصائر، وأنه لاطريق إلى الله سواه، ولانجاة بغيره ولاتمسك بشيء يخالفه)) وإذا كان هذا هو موقع القرآن الكريم بالنسبة لبنية الفكر الإسلامي العامة فإن الشاطبي دعا إلى ضرورة تدبر آياته والعمل بأحكامه خصوصا لمن رام الانخراط في صفوف أهل العلم فقال رحمه الله: ((وإذا كان كذلك لزم من رام الاطلاع على كليات الشريعة، وطمع في إدراك مقاصدها واللحاق بأهلها أن يتخذه سميره وأنيسه وأن يجعله جليسه على مر الأيام والليالي، نظرا وعملا لا اقتصارا على أحدهما، فيوشك أن يفوز بالبغية وأن يظفر بالطلبة، ويجد نفسه من السابقين وفي الرعيل الأول)).

ولقد أدرك الراسخون في العلم سلفا وخلفا، قديما وحديثا مكانة هذا الكتاب الكريم في العملية التجديدية التي تستهدف بناء الشخصية الإسلامية المتكاملة وبناء المجتمع الفاضل القائم على الخير والحق والعدل، وبعث الحضارة الإسلامية التي تزاوج بين المادة والروح، بين الفردية والجماعية.

والسبيل إلى هذا كله حسن الفهم لهذا الكتاب وحسن التفهيم ولكي يصل الإنسان إلى حسن الفهم فلابد من تحصيل جملة من الشروط العلمية والتحصيلية، وهي التي يسميها العلماء بالشروط التي يجب توفرها في المفسر وقد بلغ بها بعضهم إلى سبعة عشر علما.

وأما حسن التفهيم فيشترط له حسن الفهم أولا ثم مراعاة حال المخاطبين وحال العصر (الزمكانية) وهذه هي وظيفة العلماء المجددين الذين أخبر عنهم رسول الله e فيما رواه عنه أبو داود في سننه وغيره أنه قال: {إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها}.

الحركة الإسلامية السلفية الحديثة والدعوة إلى التجديد في علم التفسير: إذا كان علم التفسير في الاصطلاح كما عرفه العلماء هو: علم يبحث فيه عن القرآن الكريم من حيث دلالته على مراد الله تعالى بقدر الطاقة البشرية بمعنى أنه العلم الذي يعنى أصحابه بالمعاني التي تضمنتها آيات الوحي، على قدر الطاقة البشرية.

فإن هذا العلم له مرتبتان، المرتبة الأولى لا يجاوز أصحابها حل الألفاظ وتفسير غريبها وإعراب الجمل وبيان ما يحتويه هذا القرآن من نكت البلاغة وقواعد النحو، وأما المرتبة الثانية، فيتجاوز أصحابها هذه الحدود، ويجعلون هدفهم الأعلى تجلية هداية القرآن وتعاليمه، وحكمة الله فيما شرع للناس من أحكام على وجه يجتذب الأرواح ويفتح القلوب، وهذه المرتبة هي الخليقة باسم التفسير.

والحركة الإسلامية السلفية الحديثة قد أدركت بأن المسلمين قد ابتعدوا كل البعد عن هداية القرآن وتوجيهاته في السياسة والاقتصاد، والاجتماع والتربية، والفكر والتشريع، وجهلوا سننه الاجتماعية في تغيير المجتمعات، وبناء الحضارات، وهذا كله سر الركود الحضاري الذي عاشه المسلمون قرونا طويلة، فشاع التخلف وتعددت مظاهره، فانبرى السلفيون المحدثون لتغيير الأوضاع وتجديدها والأخذ بأيدي المسلمين من أجل الخروج بهم من دائرة التخلف.

وفي مقدمة هؤلاء المصلح المجدد، والسياسي الثائر، السيد جمال الدين الأفغاني باعث الشرق وزعيم الحركة الإسلامية الحديثة، الذي وإن كان قليل التأليف فإنه بث في النفوس روحا حية، انتفع الشرق وأهله ببعضها وسوف ينتفع بأجمعها فإنه قد جعل القرآن الكريم محور مشروعه الحضاري المتميز فقال رحمه الله: ((القرآن وحده سبب الهداية والعمدة في الدعاية أما ماتراكم عليه وتجمع حوله من آراء الرجال واستباطاتهم ونظرياتهم فينبغي ألا نقول عليه كوحي وإنما نستأنس به كرأي... ولا نحمله على أكفنا مع القرآن في الدعوة إليه وإرشاد الأمم إلى تعاليمه... وتفسيره وإضاعة الوقت في عرضه)) ولكن كيف يكون القرآن سبب الهداية والمناهج المتبعة لفهمه تحول دون المسلمين وانتفاعهم بهذه الهداية، ولذا عاب السيد جمال الدين الأفغاني على المفسرين القدامى اعتناءهم بالمماحكات اللغوية والكلامية، وابتعادهم عن النظر في القرآن من حيث هو صالح لقيادة الحياة واحتواء الحقائق الكونية والاجتماعية والأخلاقية فيقول رحمه الله: ((القرآن القرآن وإني لآسف إذ دفن المسلمون بين دفتيه الكنوز وطفقوا في فيافي الجهل يفتشون عن الفقر المدقع... وكيف لا أقول وا أسفاه وإذا نهض أحد لتفسير القرآن فلا أراه يهيم إلا بباء البسملة ويغوص، ولا يخرج من مخرج حرف صاد الصراط حتى يهوي هو ومن يقرأ ذلك التفسير في هوة عدم الانتفاع بما اشتمل عليه القرآن من المنافع الدنيوية والأخروية -مع استكماله الأمر على أتم وجوههما- فعم الجهل وتفشي الجمود في كثير من المتردين برداء العلماء حتى تخرصوا على القرآن بأنه يخالف الحقائق العلمية الثابتة والقرآن برئ مما يقولون)).

وإنها لثورة على المناهج التفسيرية التي تحجب على المسلم نور القرآن وهدايته، لأنها تغرقه في مباحث لفظية وكلامية، ومصطلحات غريبة يصعب عليه فك مغاليقها وحل رموزها، تحول دون الوصول إلى هداية القرآن والانتفاع بتعاليمه، فقال مستنكرا: ((انصرفنا عن الأخذ بروح القرآن والعمل بمعانيه ومضامينه، إلى الاشتغال بألفاظه وإعرابه والوقوف عند بابه دون التخطي إلى محرابه، وإنما نحن اليوم حملنا مع القرآن ألفاظا ومناقشات حول أحكامه فرضية، واستنتاجات ليس في مصلحة البشر ولا هي من وسائل هدايتهم إلى الإيمان به، وأضفنا إليه من الشرح والتفسير مالا يحصل له سوى الإغراب وإرضاء العامة)).

فالمفسر في نظر السيد جمال الدين الأفغاني لايقوم بدرس تطبيقي لقواعد الإعراب أو نكات البلاغة على نصوص القرآن الكريم، وإنما وظيفته الحقة أن يقتلع مارسخ في عقول المسلمين من أفكار خاطئة ومفاهيم مزيفة عن الحقائق الدينية، وأن يحيي تلك التعاليم في نفوس المسلمين، أو بعبارة أخرى يجب أن نبني الشخصية الإسلامية المتكاملة والمجتمع الإسلامي الفاضل المتوازن، فقال رحمه الله: ((إن حركتنا الدينية هي كناية عن الاهتمام بقلع مارسخ في عقول العوام ومعظم الخواص من فهم بعض العقائد الدينية والنصوص الشرعية على غير وجهها، مثل حملهم نصوص القضاء والقدر على معنى يوجب عليهم ألا يتحركوا إلى طلب مجد أو تخلص من ذل، ومثل فهمهم لبعض الأحاديث الشريفة الدالة على فساد آخر الزمان أو قرب انتهائه فهما يثبط هممهم عن السعي وراء الإصلاح والنجاح في نظير ذلك مما لاعهد للسلف الصالح به فلابد من بعث القرآن وبعث تعاليمه الصحيحة بين الجمهور وشرحها لهم على وجهها الثابت من حيث تأخذ بهم إلى مافيه سعادتهم دنيا وأخرى)).

وإذا كانت ظروف التنقل بين حواضر العالم الإسلامي وعواصم العالم العربي واشتباكه المباشر مع الاستعمار على أكثر من جبهة، ومقارعته للاستبداد السياسي الذي كان جاثما على صدر الأمة الإسلامية، قد حالت دون أن يكتب السيد جمال الدين الأفغاني تفسيرا للقرآن على ضوء قواعد المنهج الذي أكثر من الدعوة إليه وبيان أسسه وفوائده، فإنه اكتفى بكتابة مقالات في العروة الوثقى هي كلها تفسير وشروح لآيات من الكتاب العزيز، تعكس إلى كبير المنهج الذي يريد توضيحه كل التوضيح، لأنه كان يأتي إلى تلك الآيات ويتحدث عن السنن الإلهية فيها، ويربط بينها وبين واقع المسلمين ليبرز البون الشاسع بين ما دعا إليه القرآن وما يعيشه المسلمون، وعدد هذه المقالات سبع عشرة مقالة منها:

1- }ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير{.

2- سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا{.

3- إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد{.

وهذه المقالات (السبع عشرة) يتجلى فيها المنهج الهدائي في التفسير بوضوح فهي دعوة لفهم القرآن كما يجب من أجل تحقيق الاستخلاف في الأرض الذي وعد الله به عباده المؤمنين الذين يعبدونه ولايشركون به شيئا وهي كذلك دعوة إلى بعث مجد الإسلام الضائع واسترداد سلطانه السليب، فكانت أثرا إيجابيا في شخذ الهمم وصقل المواهب للانطلاق من القرآن لبناء حضارة القرآن، ويحدثنا العلامة محمد رشيد رضا عن الأثر الإيجابي الذي أحدثته مقالات العروة الوثقى في نفسه، وكيف أنها أخرجته مما كان يعيش فيه من حيرة واضطراب كبيرين. كما رسمت أمامه طريق العمل الإسلامي واضحا لذي عينين فقال رحمه الله: ((وفي أثناء هذه الحال الغالبة علي ظفرت يدي بنسخ من جريدة العروة الوثقى في أوراق والدي، فلما قرأت مقالاتها في الدعوة إلى الجامعة الإسلامية وإعادة وجه الإسلام وسلطانه وعزته، واسترداد ماذهب من ممالكه وتحرير مااستعبد الأجانب من شعوبه، أثرت في قلبي تأثيرا دخلت به في طور جديد من حياتي وأعجبت جد الإعجاب بمنهج تلك المقالات في لاستشهاد والاستدلال على قضاياها بآيات قرآنية من الكتاب العزيز، وماتضمنه تفسيرها مما لم يحم حوله أحد من المفسرين على اختلاف أساليبهم في الكتابة ومداركهم في الفهم)).

وإذا تبين لنا هذا علمنا بأن الدكتور فهد الرومي في كتابه "منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير" قد جانبه الصواب ولم يحالفه التوفيق في الحكم الذي أطلقه في حق هذه المقالات، إذ جزم بأنه لاعلاقة لها بالتفسير فقال: ((وقد صدر السيد جمال الدين سبع عشرة مقالة من خمس وعشرين مقالة بآية أو آيتين من القرآن الكريم اعتقدها بعضهم شرحا وتفسيرا وليس كذلك فقل أن يعرض في المقالة للآية المصدرة)).

وهذا الحكم رغم خطورته وبعده عن الصواب فإنه نتيجة طبيعية للصورة التي يحملها هذا الباحث عن السيد جمال الدين فهو في نظره: شخصية غامضة مليئة بالأسرار متآمر على الخلافة الإسلامية ماسوني، كاذب مخادع وغيرها من التهم المختلفة الباطلة التي يريد مروجوها النيل من شخصية السيد جمال الدين الأفغاني يتجاوب في ذلك الحمقى والمغفلون من مرضى التدين من المسلمين مع الحقد الصليبي الاستعماري ضد المناوئ الأول للاستعمار في العصر الحديث على المستويين السياسي والفكري ولانجد ردا أفحم لهذا الادعاء العاري عن الدليل من قول الأفغاني رحمه الله: ((فلابد إذن من بعث القرآن, بعث تعاليمه الصحيحة بين الجمهور، وشرحها على وجهها الثابت، من حيث يأخذ بهم إلى مافيه سعادتهم دنيا وأخرى)).
وكمثال على تجلته للهداية القرآنية ودعوة المسلمين إلى العض عليها بالنواجذ، لأن صلاحهم الديني والدنيوي متوقف على الأخذ بها والوقوف عند حدودها، قوله معلقا على الآية الكريمة:
}إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم{.

((أرشدنا الله سبحانه في محكم كتابه إلى أن الأمم ما سقطت عن عرش عزها ولا بادت ومحي اسمها من لوح الوجود إلا بعد نكوبها عن تلك السنن التي سنها الله على أساس الحكمة البالغة إن الله لا يغير مابقوم من عزة وسلطان ورفاهة وخفض عيش وراحة وأمن حتى يغير أولئك القوم مابأنفسهم من نور العقل، وصحة الفكر، وإشراق البصيرة، والاعتبار بأفعال الله في الأمم السابقة والتدبير في أحوال الذين جاروا عن صراط الله فهلكوا وحل بهم الدمار، ثم لعدولهم عن سنة العدل وخروجهم على طريق البصيرة والحكمة، حادوا عن الاستقامة في الرأي، والصدق في القول والسلامة في الصدر، والعفة في الشهوات والحمية على الحق والقيام بنصره والتعاون على حمايته، خذلوا العدل ولم يجمعوا هممهم على إعلاء كلمته، واتبعوا الأهواء الباطلة وانكبوا على الشهوات الفانية، وأتوا عظائم المنكرات، خرات عزائمهم فشحوا ببذل مهجهم في حفظ السنن العادلة، واختاروا الحياة في الباطل على الموت في نصرة الحق، فأخذهم الله بذنوبهم وجعلهم عبرة للمعتبرين)).

ولم يكتف السيد جمال الدين الأفغاني بهذا الجهد على أهميته في التفسير، وإنما تفطن إلى خطورة الاتجاه المنحرف في التفسير الذي لم يراع أصحابه القواعد المنهجية واللغوية في فهم نصوص القرآن الكريم، ويعتبر هذا الاتجاه المنحرف في التفسير نتاجا للغزو الثقافي المدمر الذي يمثل الواجهة الأخرى للاستعمار العسكري الذي اجتاح بلاد المسلمين واستعمرها، لأن من أهم الوسائل التي راهن عليها الاستعمار لإضعاف المسلمين واستذلالهم هي إيجاد جيل من المفكرين الممالئين له، وبما أن القرآن الكريم هو المصدر الأول للفكر الإسلامي فقد ظهر هذا الاتجاه الفكري في ميدان التفسير على يد أحمد خان الهندي.

ولكن المناوئ الأول للاستعمار الحديث تفطن إلى هذه الخطة الخبيثة، فنبه المسلمين إلى خطورتها وفضحها وبين سوءتها، وحقيقة الداعين إليها فقال رحمه الله: ((فلما خاب أمل أولئك الحكام الجائرين في الوسيلة الأولى وطال عليهم الأمد في الاستفادة من الثانية نزعوا إلى تدبير آخر في نزع الإسلام من أرض الهند أو إضعافه لأنهم لايخافون إلا من المسلمين أصحاب ذلك الملك المنهوب والحق المسلوب فاتفق أن رجلا اسمه (أحمد خان بهادر) كان يحوم حول الإنجليز لينال فائدة منهم، فعرض نفسه عليهم وخطا بعض خطوات لخلع دينه، والتدين بالمذهب الإنجليزي وبدأ الأمر بكتابة كتاب يثبت فيه أن التوراة والإنجيل ليسا محرفين ولا مبدلين لينال بذلك الزلفى عندهم، ثم راجع نفسه فرأى أن الإنجليز لن يرضوا عنه حتى يقول: إني نصراني وأن هذا العمل الحقير لا يؤتى عليه أجرا جزيلا، خصوصا وقد أتى بمثل كتابه ألوف القسس والبطارقة وماأمكنهم أن يحولوا من المسلمين عن الدين إلا أشخاصا معدودة، فأخذ طريقا آخر في خدمة حكامه الإنجليز بتفريق كلمة المسلمين وتبديد شملهم فظهر بمظهر الطبيعيين ونادى بأن لاوجود إلا للطبيعة العمياء وليس لهذا الكون إله حكيم ((إن هذا إلا الضلال المبين... وكتب أحمد خان تفسيرا على القرآن الكريم فحرف الكلم عن مواضعه وبدل ما أنزل الله...)).

وقد نهج السيد أحمد خان في تفسيره للقرآن على مذهبه الطبيعي، فطبق آياته على أساس طبيعي يناقض تماما القول بالمعجزات وخوارق العادات ولهذا جعل النبوة غاية تحصل وتكتسب عن طريق الرياضة النفسية فهي غاية إنسانية طبيعية وطريقها طريق إنساني غير خارق للعادة، ومن باب ممالأة الأنجليز فقد أضعف فرضية الجهاد في الوقت الحاضر بل دعا إلى ما يسمى (إنسانية الأديان) التي تنمحي عندها كل الفوارق بين الأوطان والقوميات والمذاهب والأديان.

وأحمد أمين وهو من المعجبين بالسيد أحمد خان، إذ عده من زعمان الإصلاح في العصر الحديث وشبهه بالشيخ محمد عبده، لما تلكم عن منهجه في التفسير لم يتورع عن وصفه بالمتطرف فقال: ((وأخذ يفسر القرآن ويدعو إلى أن إذا فهم فهما صحيحا اتفق مع العقل، وأن النظر الصحيح فيه يوجب الاعتماد على روحه أكثر من الاعتماد على حرفيته وأنه يجب أن يفسر على ضوء العقل والضمير وتطرف أكثر من ذلك فقال إن الوحي كان بالمعنى دون اللفظ)).

وإذا تبين لنا هذا الأمر على حقيقته بوضوح وجلاء، فإنه لايهمنا وصف المستشرقين لأحمد خان بهادر بأنه كان مجددا وأنه قد طور حركة التفسير القديمة إذ يقول جولدزيهر: ((قد أدخل السيد أحمد خان تفسيرا شاملا للقرآن في مجموعة كتبه التي ألفها لتأسيس مذهبه الإسلامي الجديد، وقد دلنا ميلنا المذهبي في تفسير القرآن على اتجاهه إلى إثبات مبدأ النسخ في القرآن..)).

والخلاصة أن جمال الدين الأفغاني يعد مؤسس الاتجاه الهدائي في التفسير في العصر الحديث واتخذ لتحقيق ذلك الغرض قالبا يلائم روح العصر وهو طريقة المقال التفسيري، وهكذا كانت مقالات العروة الوثقى أول محاولة حديثة يستشهد فيها المفسر بالنص القرآني على فكرة سياسية واضحة وهي أن القرآن هو أساس وجود المسلمين ووسيلة انطلاقتهم نحو استرداد مجدهم الضائع فقال رحمه الله: ((وما دام القرآن يتلى فيهم وفي آياته مالا يذهب على أفهام قارئيه فلن يستطيع الدهر أن يذهلهم)).

وقد تبنى الاتجاه الهدائي في التفسير، من بعد الأفغاني رحمه الله تلامذته وعارفوه والمتأثرون بفكرة الإصلاح في مشارق العالم الإسلامي ومغاربه، فأينع ذلك الغرس واشتد سوقه واستغلظ وآتى أكله وغاظ به الكافرون ففي المشرق تبناه الإمام المصلح المجدد الشيخ محمد عبده (1850-1905) والعلامة الشيخ محمد رشيد رضا (1865-1935).

وفي المغرب الإسلامي، تبناه العلامة محمد الطاهر ابن عاشور في تونس (1973) وفي الجزائر تبناه الشيخ العلامة عبد الحميد بن باديس (1889-1940) والشيخ إبراهيم بيوض (1899-1981) والشيخ إبراهيم أبو اليقظان (1973).

الشيخ أبو اليقظان إبراهيم: إنه من أبرز الشخصيات التي مثلت الاتجاه الهدائي في التفسير في الجزائر، وأبلت البلاء الحسن من أجل إيضاح الهداية القرآنية وربط الناس بها من أجل أن يخرجوا من نير الجهل، ودياجير الظلام، وجاهدت بالكلمة الصادقة -وأنعم بها من جهاد- خطابة وكتابة، من أجل بعث تعاليم القرآن في النفوس الخربة لتحيا بها، وتوجيه المجتمعات الميتة إلى توجيهات الكتاب الكريم لتحركها وتبعثها من خمودها وهمودها، ومقارعة الاستعمار وأسبابه التي أوجدته، وإفرازاته التي تمكن له من أجل البقاء، نجد العلامة أبا اليقظان إبراهيم رحمه الله تعالى.

أبو اليقظان والمقال التفسيري الهدائي: لقد كان إبراهيم أبو اليقظان كغيره من رجال الحركة الإصلاحية الحديثة، سلفيا يؤمن بأن الحل لكل المشكلات التي يعيشها العالم الإسلامي في القرآن الكريم وأن هذا الكتاب الذي أخرج خير أمة للناس في الماضي قادر على أن يكرر المعجزة اليوم بشرط أن يحسن فهمه وتطبيقه، فكتب في جريدته "النبراس" مقالا تحت عنوان "القرآن بين الأمس واليوم، واجب المسلمين العظيم نحو كتابهم الكريم".

أوضح فيه بأن القرآن الكريم هو روضة الأطفال ومدرسة الشباب وجامعة الكهول ودائرة معارف الشيوخ، والمستوصف المجهز بالآلات والأدوات المشخصة لجميع الأمراض، وهو مادة الواعظ، ونور المرشد والكاتب والخطيب، بل هو دستور الحياة لايخص نفعه مكانا دون مكان ولا يقصر فضله على زمان دون زمان، ثم أعطى صورة واضحة عن مكانة القرآن في نفوس السلف الصالح الذين وعوا هذا الكتاب فسادوا وشادوا وكانوا خير الأمم وأفضلها وهو بهذا يريد أن يبكت الخلف الذين زهدوا في الكتاب وهجروه، فقال رحمه الله: ((منذ نزول هذا الكتاب العظيم والمسلمون في مختلف البلاد والعصور يتسابقون لحفظه، يتباهون بتلاوته، يتفاخرون بالتجمل به، يتبارون في دراسته يتنافسون في حل مشكلاته وفك معضلاته، واستخراج كنوزه، والغوص عن جواهره ولآليه، وهم على ماهم عليه من العظمة والمنعة والعزة والثروة العظيمة من رجال العلم والحكمة والأدب والسياسة والاقتصاد.

ولكي يكون لكلامه هذا وقعا في النفوس وقبولا في العقول، فإن الشيخ إبراهيم أبا اليقظان قدم نماذج من تاريخ أسلافنا الأماجد تعبر بصدق عن مدى تعلق هؤلاء رجالا ونساء على حد سواء بهذا الكتاب وحبهم له وتفانيهم في تدبر آياته وتفهم معانيه فقال رحمه الله: ((ومما يحكى في هذا الصدد: أنه في عصر ازدهار الحضارة الإسلامية بالأندلس، يوجد في حارة واحدة بقرطبة مائة وخمسون فتاة يحفظن القرآن عن ظهر قلب حفظا صحيحا لو نسخ من إملاء إحداهن القرآن من أوله إلى آخره لما كانت من إملائها نقطة من الغلط...)).

وما أورد الشيخ أبو اليقظان هذا المثال النموذجي على اعتناء السلف بالقرآن إلا ليبرز المفارقة العجيبة بين السلف والخلف في هذا الموضوع الخطير، ولذا طرح السؤال التالي: ماذا أصبح هذا الكتاب بيننا؟.

وهذا السؤال هو العنصر الرئيسي في مقال الشيخ أبي اليقظان، لأن هدفه هو تذكير الأمة الإسلامية بمدى تقصيرها في حق هذا الكتاب، وكيف أنها لم تبؤحه المكان اللائق به فقال رحمه الله: ((آه إنه ليجمد القلم، وتجف المحبرة، وتقف حركة الدم في العروق من بيان مبلغ العقوق الذي قابل به أبناء هذا الزمان كتابهم العظيم أمر والله يدهش العقول ويحير البصائر ويزلزل النفوس. أصبح هذا الكتاب المبين لدى جمهور المسلمين وحاشا القليل منهم كمصحف في بيت زنديق كأثقل ضيف في نفس مادر، وأشد لكنة في لسان باقل، وأكبر كلل في سف امرئ القيس بلغت زرايتهم به إلى أن يرمي به كمال الأرض قائلا: ما أخر المسلمين وأسقطهم في الحضيض إلا هذا وهو الذي استنصر بالأمس فنصره)).

ويصور الشيخ أبو اليقظان بأسلوبه الصريح الآثار السلبية الناجمة عن الإعراض عن كتاب الله تعالى فيقول: ((إن ظاهرة الزهد في القرآن والإعراض عنه، وصم الآذان عن عظاته، وتعصيب الأعين عن عبره، وعقد الألسن عن تلاوته وثني الصدور عن وعيه، وتنفير النفوس عن الورود عن حياضه، كل هذا دليل قاطع على قرب خراب العالم وفناء الأرض...) وكيف لا يكون خراب العالم ولا تفنى الأرض إذا أعرضت البشرية عن مصدر السعادة الأبدي وهو القرآن الكريم، وصدق الله تعالى إذ يقول: }ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى ...{.

وخلاصة تفسير هذه الآيات أن المولى تبارك وتعالى توعد من خالف أوامره وما أنزله على رسله وأنبيائه من وحي وشرائع، وتجاوز حدود الله وتعداها، بالحياة الضيقة النكدة، قال العلامة ابن كثير: ((فلا طمأنينة ولا انشراح لصدره، بل صدره ضيق حرج لضلاله، وإن تنعم ظاهره لبس ما شاء، وأكل ما شاء، وشكن حيث شاء، فإن قلبه مالم يخلص إلى اليقين والهدى فهو في قلق وحيرة وشك فلا يزال في ريبة يتردد، فهذا من ضنك المعيشة))، وما هذا الجزاء في الحياة الدنيا مضافا إليه جزاء الآخرة وهو حشره يوم القيامة أعمى إلا لأنه أعرض عن آيات الله الواضحات الباهرات، وهذا هو جزاء كل مسرف كذاب لآيات الله في الدنيا والآخرة.

ومما يؤكد الخط الإصلاحي الذي يستمد مفاهيمه من القرآن الكريم عند الشيخ إبراهيم أبي اليقظان، مقاله الذي نشره في صحيفة الفرقان تحت عنوان "ياأيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا" وهو المقال الافتتاحي للعدد الأول، وفي تصدير أبي اليقظان للعدد الأول لهذه الصحيفة ب "الفرقان" أكبر دليل على إيمان أبي اليقظان بأن آخر هذه الأمة لا يصلح إلا بما صلح به أولها، وهي الفكرة الأساسية التي آمن بها دعاة التجديد الإسلامي في العصر الحديث مشرقا ومغربا.

وكيف أنهم المصلحون- أرادوا توظيف القوة الروحية للمسلمين في مواجهتهم للعدو الصليبي الحاقد، وقد قال أبو اليقظان في هذا المقال مؤكدا هذه الفكرة موضحا لها مايلي: ((...بهاته الآية الكريمة أتوج هذه الجريدة، القوية في إيمانها الشريفة في غايتها... في هذه الآية لو عقلت البشرية دواء البشرية... ابسط أمامك خريطة الكرة الأرضية أمة أمة واستعرض مشاكلها ... مشكلة مشكلة .. وانظر أي قرار تتردى إليها الإنسانية وفي أي ظلام تتخبط فيه البشرية فهل تجد لديك من سبب غير فقدان ذلك الشرط الأساسي -تقوى الله- يجهد المفكرون، وجبابرة العقول نفوسهم وهم مزودون بثروة صائبة من الكليات والجامعات ومن الخزائن العقيدة فرادي ومجتمعين لحل مشاكل الإنسانية الحاضرة ولكنهم حيث فقدوا ذلك العقار الوحيد فهم لايخرجون من مشكل إلا إلى مشاكل، ولاينتهون من معضلة إلاإلى معضلات فمن تناحر الدول العظمى وتطاحنها، وتنافسها في التجهيزات الحربية، ومن فوضى اختلال التوازن بين الأمم، ومن تدهور في الأخلاق إلى أسفل من حضيض العجماوات ومن أزمات مالية خانقة مما ترك كل يوم يرحم أمسه ويلعن غده ولماذا هذا كله لفقدان ذلك العقار...)).

ومضى الشيخ أبو اليقظان في مقارنة وضع المسلمين اليوم مع وضع الصحابة حين اتبعوا النبي محمد e وهم قلة يخافون أن يتخطفهم الناس ولكن الفرق الكبير بين مسلمي اليوم وهؤلاء الصحابة الكرام، هو (تقوى الله) فهم الصحابة بها جعل الله لهم فرقانا خرجوا من الظلمات إلى النور، ومسلموا اليوم بمحاربتهم الله قيض لهم شيطانا أخرجهم من النور إلى الظلمات.

وهكذا فإن إبراهيم أبا اليقظان قد جعل من القرآن الكريم منطلق تفكيره الإصلاحي ورأىبأن أمراض المسلمين على تعددها وتفاقمها لايوجد حلها ودواءها الناجع إلا في هداية القرآن الكريم، ومن مجتهد في إبراز بعض مظاهر الهداية القرآنية عند الشيخ أبي اليقظان من خلال مقالاته الصحفية المتنوعة:

الدعوة إلى الوحدة ونبذ الفرقة: إن القرآن الكريم حافل بالآيات الكريمات، والتوجيهات الإلهية الداعية إلى أن يكون المسلمون يدا واحدة على من سواهم، يقوم بذمتهم أدناهم، وعد الله تعالى هذا من أكبر نعمهم عليهم، يقول الله تعالى:}واذكروا نعمة الله عيكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا، وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون{.

ويقول الحق تبارك وتعالى: }إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله{ ، ويقول تعالى: }ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم...{ ، وقال تعالى: }...لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم...{ ، وغيرها من الآيات التي تؤكد أن الأساس المتين الذي تبنى عليه دعائم المجتمع الإسلامي الفاضل هو أساس الإخوة والاتحاد، وأن منشأ الأمراض في المجتمع الإسلامي إنما هو داء الفرقة والعصبية، والنعرات المذهبية والطائفية.

ولذا فإن رسول الله لما هاجر من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة وشرع في إقامة المجتمع وبناء الدولة، فإنه أول ماقام به بناءه المسجد لتعميق الإيمان في القلوب، وتعليم العقول ما تحتاجه من الثقافة والعلم والفقه، وربط أرواح المؤمنين بخالقها وبارئها، لأن أحسن ضامن لحسن التطبيق للقوانين والشرائع هو وجدان الإنسان وضميره، كما آخى بين المهاجرين والأنصار وجعل هذا العقد أهم من رابطة الدم والنسب والقرابة، إلى درجة أن التوارث كان يتم بموجبه لاغير، ولم ينسخ هذا الحكم حتى نزل قوله تعالى: }وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا{ فأصبح التوارث بسبب القرابة والرحم.

ولقد تفطن المصلحون في العصر الحديث إلى أن داء الأدواء وعلة العلل إنما هو انقسام المسلمين وتفرقهم إلى طرائق قددا، ولذا فإن أساس الإصلاح الدعوة إلى التوحيد والوحدة لأن الإسلام يقوم على دعامتين لاتغني إحداهما عن الأخرى وهما: كلمة التوحيد، وتوحيد الكلمة، ولقد عبر المصلح الثائر جمال الدين الأفغاني بواقعية عن تحقيق الوحدة الإسلامية اليوم بقوله: ((لا ألتمس في قولي هذا في الدعوة إلى الوحدة أن يكون مالك الأمر في الجميع شخصا واحدا، فإن هذا ربما عسيرا، ولكني أرجو أن يكون سلطان جميعهم القرآن، ووجهه وحدتهم الدين، وكل ذي مالك على ملكه يسعى بجهده لحفظ الآخر ما استطاع فإن حياته بحياته وبقاءه ببقائه)).

وفي الجزائر خاصة بعدما حط الاستعمار رحاله هنا، فإنه بذل قصارى جهده وفي شتى المجالات من أجل بعث النعرات الطائفية، والعصبيات الجهوية، لأضعاف هذا الشعب وإذلاله، واستنزاف خيراته وثرواته ولكن الله قيض للجزائر رجالا ردوا كيد الاستعمار في نحره وحموا هذا الشعب من شروره، ومن هؤلاء أبو اليقظان الذي كان مجاهدا بالكلمة من أجل الدين والوطن، فأنشأ عدة صحف من أجل بث الوعي الصحيح ومحاربة الأوهام ومقارعة الاستعمار، وكانت هذه هي رسالته الصحفية ولذا قال عن الصحافة: ((بأنه يجب أن لاتشحن أعمدتها بالفضول والسفاسف ومالا يفيد، أو تعمر الفراغ بالقذف والشتم، وقلب الحقائق وغش الأمة والتزلف لأرباب الوجاهة لغايات سافلة)).

وبالمقابل يجب على الصحافة ((السعي في تكوين الأمة تكوينا صحفيا من حيث الأخلاق الفاضلة، والتفكير الصحيح، وذلك بمقاومة الأوهام، والرذائل، وبث روح الوئام والتفاؤل بين المتساكنين على خطة الإسلام ضمن الكتاب والسنة وآثار السلف)).

وفي مقدمة الوعي الصحيح نجد مسألة الوحدة الوطنية التي سعى الاستعمار إلى القضاء عليها، لأنه إذا وفق في القضاء على هذا المقوم الخطير من مقومات هذه الأمة تأتي له تحقيق بقية الأهداف بسهولة ويسر، ولما كانت وسيلته في ذلك بث النعرات والعصبيات، هاهو الشيخ أبو اليقظان يحذر أبناء هذا الشعب من مغبة السير في ركاب الاستعمار فيقول: ((أيها الجزائري الماجد، اعلم أن القطر الجزائري مدينة واحدة تاريخية، مسورة بسور واحد وهو الإسلام، وسكان دورها هم سكانه، فلا يمنع إنحياز كل في داره، ومحافظته على مميزات عائلته فيه سائر سكان المدينة من التعاون والتعاضد على جلب المصلحة لها، ودرأ المضرة عنها، فإن مصلحة المدينة هي مصلحة ديارها، ومضرتها هي مضرتها إذا أقبل النهار فإلى الجميع وإذا هجم الليل فعلى الجميع)).

فالعقلاء قديما وحديثا لايرون في المميزات والخصائص الخاصة بكل طائفة من مجموع الطوائف المكونة لشعب أمة من الأمم معولا من معاول الهدم والتفريق، وإنما يعتبرون ذلك مصدر ثراء وتنوع في الكل الموحد، وهذه نظرة قرآنية صميمة إذ يقول الحق تبارك وتعالى: }وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا{.

وفي مقال للشيخ أبي اليقظان تحت عنوان "نحن وأنتم" أوضح بأنه ما أجج نار الفتنة إلا الاستعمار وما استفاد من فرقتنا أحد سواه فقال مناشدا الجزائري بالكف عن الدعوة إلى التفرقة ((كفى، كفى أيها السادة من ، نحن وأنتم، فقد جعلتم من قوتنا ضعفا ومن كثرتنا قلة، ومن عزنا ذلة، ومن غنانا فقرا، ومن علمنا جهلا، كفى، كفى من قولكم هذا مالكي، هذا حنفي، هذا إباضي، هذا تيجاني، هذا قادري، هذا عربي، هذا قبائلي، هذا شرقي، هذا غربي، فقد فتح هذا بين صفوفنا المتراصة للغير ثغرات واسعة، نفذ منها إلى نفوسنا فأجج نارها على بعضنا، وإلى قلوبنا فأنعمها حقدا على بعضنا، وإلى جموعنا فشتت شملها، وإلى أموالنا فبددها وإلى أخلاقنا فأفسدها، وإلى قوميتنا فأهانها وإلى بلادنا فجاس خلالها، وإلى ديننا فهتك حرمته... أفبعد كل هذا نبقى في "نحن وأنتم".

فنحن وأنتم يجب أن يزول من الأذهان وأن ينمحي من الذاكرة، لأن مصلحة الوطن فوق جميع المصالح، ومصلحة الوطن في اتحاد جميع طوائفه ضد المحتل الأجنبي الدخيل، ولما كان اليهود وراء كل جريمة وهزيمة، فإن اليهود في الجزائر في ظل الاحتلال كانوا وراء الفتنة التي حدثت بين الإباضية والمالكية في مدينة قسنطينة عام 1934م، فكتب أبو اليقظان فاضحا دسائس اليهود، وسعيهم الدؤوب لايقاد نار الفتنة بين أبناء الدين الواحد والبلد الواحد، فقال رحمه الله: [حذار أيها المسلمون من استغلال اليهود لحسن نيتكم، ولشده حاجتكم واختلاف منازعكم فيضرب بعضكم بعضا، ويركب بعضكم رقاب بعض، فيرقص اليهود على مصائبكم ومناحتكم سرورا وطربا، ويضحكوا شماتة وسخرية من بلاهتكم وغفلتكم.

... نحن على يقين بأن اليهود ولاسيما يهود قسنطينة منهم، لن يهدأ لهم بال ويلذ لهم عيش إلا عندما يرونكم تخربون بيوتكم بأيديكم مبددي الشمل، مفرقي الكلمة، مهدمي الشرف، مداسي الكرامة، ولبلوغكم هذه الغاية السافلة تراهم هذه الأيام يجزون بين المسلمين بمجامر من الفلفل)).

وهكذا ظل الشيخ أبو اليقظان في كل مقالاته الصحفية يدعو إلى محاربة أسباب الفرقة، وإلى الأخذ بأسباب الوحدة، لأنه كان -كغيره من المصلحين- شديد الإيمان بأنه لن تقوم للأمة قائمة إلا إذا كانت الوحدة شعارا لها وهدفها الأسمى الذي تسعى لتحقيقه.

ولم يكتف أبو اليقظان بالدعوة إلى الوحدة الوطنية فحسب، وإنما كان من دعاة الجامعة الإسلامية، لأن المسلمين وإن تباعدت أوطانهم واختلفت ألسنتهم وأجناسهم فهم أمة واحدة ، يقول تعالى : }وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون...{، فكان يتألم كثيرا لتفرق شمل المسلمين واختلاف كلمتهم، فكتب جملة مقالات ضمنها شحنة من آلامه ومعاناته تلك واختار لها عناوين موحية، تشد القارئ إليها وتجعله يوم بعملية مراجعة ذاتية من مثل:

1- "الإسلام يحتضر، والمسلمون يهزلون".

2- "الإسلام بين شقي المقراض".

3- "أمات الرجال أم رفع القرآن".

4- إنما المؤمنون إخوة".

وفي مقاله الأخير هذا استنفر المسلمين عامة الوقوف في وجه أعداء الإسلام، وتعجب كيف يتحد أعداء الإسلام على ضرب الإسلام والمسلمين على ما بينهم من اختلافات وتناقضات، ويختلف المسلمون على حقهم بالرغم من أن أسباب الوحدة كلها قائمة ومتوفرة فقال رحمه الله: ((يا لله العجب أيتألب أعداء الإسلام ويتحدون على تقويض معالمه وبينهم فراسخ من اختلاف اللغات والأديان والمذاهب، والمنازع والمشارب، ونختلف نحن على صيانته وحمايته والذود عن بيضته، ودفع الكيد والأذى عنه وقد جمعت بيننا روابط الوطن واللغة والدين ووحدت بين أهوائنا علائق المصالح والآلام؟ وحدوا صفوفكم رعاكم الله، وأجمعوا جهودكم، وضموا قواكم، وسيروا إلى الأمام بقلوب مفعمة إيمانا ونفوسا طافحة صدقا وإخلاصا، فإن الحالة حرجة للغاية، والأمر في شدة الخطر)).

وإذا كان كيد الأعداء أمرا مفهوما فالأمر المثير للدهشة والاستغراب عند الشيخ أبي اليقظان هم دعاة التجديد العصري الذين رموا مسخ أحكام الشريعة باسم التجديد وضرورة تتبع سنن الأوروبيين في كل شيء، شبرا بشبر وذراعا بذراع، من أمثال مصطفى كمال أتاتورك، وطه حسين، وعلي عبد الرزاق، وسلامة موسى، وأمثالهم أصحاب الأقلام المسمومة والأفكار القاتلة والصحف المأجورة التي تهدد الكيان الإسلامي فقال في مقال له: ((وقد تولى قيادة الكتائب مصطفى كمال، وأشياعه في (الأناضول) فبدأ أولا بإلغاء الخلافة الإسلامية من أصلها، ثم ثنى بإعلان اللاتينية وتبديل أحكام الإسلام بأحكام سويسرية ثم هبت هذه الزوبعة في مصر يثيرها على عبد الرزاق، وطه حسين وسلامة موسى وغيرهم… وأصبح دعاة التجديد يحدثون كل يوم حدثا في الإسلام من مسألة تعدد الزوجات إلى الطلاق، إلى الحجاب، إلى الإرث، إلى التجنيس إلى الطعن في القرآن واللغة العربية..)).

فالوحدة السياسية لاتتحقق إلابالوحدة الفكرية والشعورية والسلوكية، والإسلام هوقوام الوحدة الفكرية والشعورية والسلوكية، وهذا ما يفسر محاربة الشيخ أبي اليقظان لدعاة التجديد على الطريقة الأوروبية ويفسر لنا تعلقه الكبير بالمصلحين دعاة الجامعة الإسلامية ولذا فإنه لما بلغه نعي العلامة الشيخ رشيد رضا سنة (1935) حزن عليه كثيرا وكتب مقالا مما جاء فيه: ((...كيف لا يحزن كل فرد من أفراد أربعمائة وخمسين مليونا من المسلمين وقد سقط ذلك المنار الذي كان يرسل أشعته إلى قلب كل مسلم. نحن إذا بكينا رشيدا فلسنا نبكي لموت شخصه فإن الشخص إذا لم يمت اليوم مات غدا ولكننا نبكي ونرتجف لموت مؤسساته الكبرى، ونحن معاشر المسلمين قد أصبنا بمرض التواكل والاعتماد في جليل أحوالنا وحقيرها على الغير، نحيا حياة الانفراد لانكترث بالمؤسسات العامة حتى إذا مات أحدنا ماتت مؤسساته معه واكتفينا في فقدانه بقولنا ثغرة لاتسد إلى يوم القيامة)).

وهكذا عاش أبو اليقظان هموم العالم الإسلامي بكل مشاعره إيمانا منه بالوحدة الإسلامية، ولذا قاوم جاهدا الاستعمار كما قاوم التيارات الفكرية الملحدة التي غزت العالم الإسلامي وبلاد المسلمين عن طريق بعض المفرنجين أو المنبهرين بالغرب، وتجاوب بكل مشاعره مع التيار الإسلامي الإصلاحي ورأى فيه المخرج لكل البلايا والرزايا التي يئن تحتها المسلمون.

مقاومته التبشير المسيحي: إن الاستعمار أحقاد وأطماع تلك حقيقته التي لامرية فيها، وعليه فلا يمكن نفي البعد الصليبي عن الاستعمار الحديث، وعن الاستعمار الفرنسي للجزائر خاصة، إذ صح قادة الحملة الاستعمارية أن من جملة أهدافهم التي جاءوا لتحقيقها نشر المسيحية في الجزائر، إذ قالوا للقسيس الذي وافق حملة الغزو: ((إنكم جئتم معنا إلى هنا لتفتحوا من جديد أبواب المسيحية في إفريقيا)).

وكان الجنرال BUDGE يجمع الأطفال الأيتام ويذهب بهم إلى القسيس ويقول له: ((حاول يا أبت أن تجعل منهم مسيحيين وإذا فعلت فلن يعودوا إلى دينهم ليطلقوا علينا النار)) ، وقد قام الكاردينال لافيجري بحملة واسعة في هذا النطاق وقد حدد سياسته بالقول: ((علينا أن نجعل من الأرض الجزائرية مهدا لدولة مسيحية تضاء أرجاؤها بنور مدينة منبع وحيها الإنجيل...تلك هي رسالتنا)).

وعند احتلال مدينة قسنطينة عام1837م فقد حول قادة الحملة الاستعمارية أجمل مسجد فيها إلى كنيسة وقال سكرتير الجنرال بيجو في كلمة له: ((إن أيام الإسلام قد دنت وفي خلال عشرين عاما لن يكون للجزائر إله غير المسيح، ونحن إذا أمكننا أن نشك في أن هذه الأرض تملكها فرنسا فلا يمكننا أن نشك بأي حال من الأحوال أنها قد ضاعت من الإسلام إلى الأبد، أما العرب فلن يكونوا رعايا لفرنسا إلا إذا أصبحوا مسيحيين جميعا))، وقال لافيجري: ((علينا أن نخلص هذا الشعب ونحرره من قرآنه، وعلينا أن نعنى على الأقل بالأطفال لننشئهم على مبادئ غير التي شب عليها أجدادهم فإن واجب فرنسا تعليمهم الإنجيل)).

وقد اعتمدت فرنسا في سبيل تحقيق هذا الهدف على المبشرين الذين تسموا "بالآباء البيض"، ولقد تفطن المصلحون ومنهم الشيخ أبو اليقظان إلى خطورة ما يقوم به المبشرون فأخذتهم الغيرة على قرآنهم ودينهم ولغتهم وقوميتهم فانبروا لهؤلاء المبشرين يفضحون خططهم ويكشفون دسائسهم ومكرهم.

فالشيخ أبو اليقظان بذل قصارى جهده من أجل إقناع عموم الناس بأن هؤلاء هم يد الاستعمار بل هم وجهه الآخر، فكتب جملة مقالات فضح فيها مكايدهم واختار لها عناوين دقيقة من مثل "يتقمصون في تبشيرهم"، "تنبهوا أيها الغافلون" ، "حركة التبشير في العالم الإسلامي" ، "الإسلام بين شقي المقراض" ، "ماذ يريد المبشرون بالمسلمين؟".

حاول فيها إيقاظ النائمين وتنبيه الغافلين من المسلمين عن الخطر الذي يحدق بهم، وعن الشر الذي تكيله تلك الجمعيات التبشيرية للناشئة الإسلامية، إذ تستهدف القضاء على عقيدته ودينه ولغته عن طريق إثارة بعض الشكوك والشبهات حول صحة القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وكذا نبوة محمد e.

كما أكد الشيخ أبو اليقظان مرارا على دعم الحكومة الفرنسية المادي والمعنوي لتلك الجمعيات التبشيرية، فقال: ((إن جماعات المبشرين مازالوا ولا يزالون يلهون ويمرحون دائبين في خططهم الماكرة من غير أن يلووا على شيء، وكيف يرجعون عن غيهم وهم يجدون من الحكومة كل مناصر وكل موازرة ويلاقون منها من وسائل التشجيع والتنشيط وهم على باطل، مالم يلاق منها المسلمون عشر معشار وهم على حق)).

ولكن أبا اليقظان أدرك جيدا بأن الخطط التبشيرية إنما تنتشر في ظل جهل المسلمين بدينهم وتقاعسهم عن نصرته، ولذلك وجه لومه اللاذع ضد النوم من المسلمين فقال: ((النوم العميق، والتخاذل المشين على السفاسف والخرافات بينما جامعتهم مشتة، وإسلامهم تهدده الأخطار من كل جانب، وتلك الطوائف تعمل عملها والدول تشجعها والقوة تحميها وجهل المسلمين وفقرهم وضعفهم يساعدها فإلى متى النوم؟ وإلى متى هذا الموت)).

ولقد جرت هذه المواقف على أبي اليقظان كثيرا من المتاعب والشدائد، وكلفته غاليا إذ كانت الحكومة وبإيعاز من تلك الجمعيات التبشيرية تسارع إلى تعطيل جرائده، والتضييق عليه، ولكنها تضحية الواجب التي يستمرئها المجاهدون من أجل المبادئ والقيم والأفكار.

هذه بعض النماذج الهدائية في المقالات الصحفية التي دبجها يراع الشيخ أبي اليقظان وضمنها الكثير من آرائه في إصلاح أوضاع المسلمين والسير بهم قدما لتجاوز مشكلاتهم المستعصية.

النموذج الموضوعي: وإلى جانب المقالات الصحفية التي تعد نموذجا رائدا للمقال التفسيري الهدائي، فقد كتب الشيخ أبو اليقظان كتابا في تفسير القرآن تحت عنوان "نوافذ القرآن" يصلح نموذجا للمنهج الموضوعي في التفسير، وقد تجلى فيه التركيز على الهداية القرآنية، وقد تحدث الشيخ أبو اليقظان عن دافع تأليف هذا الكتاب فقال: ((فإني لما رأيت أحوال الناس في العالم الإسلامي عامة، وفي غالب بلاد المسلمين خاصة، ورأيت موجة عارمة كادت تغمر المسلمين وترجع بهم إلى الجاهلية الأولى، من الزيغ والضلال في المشارق والمغارب، وتتبعت مذايع العالم الإسلامي وهي بإنعام القرآن الكريم آذانهم بأصواته الرخيمة وتقيم به الحجة النازلة من السماء على العباد)).

فراح أبو اليقظان يتساءل هل هذا القرآن الذي يتلى آناء الليل وأطراف النهار، وتبثه الإذاعات في مشارق العالم الإسلامي ومغاربه، هل وقف المسلمون عند حدوده، هل حكموا تشريعاته وشرائعه في الخصومات والمنازعات، هل نفذ نوره إلى قلوبهم وعقولهم فأثمر عقائد صحيحة، وأعمال مستقيمة، وأخلاق فاضلة، ولكنه وجد الأمر على خلاف ماتصور فقال رحمه الله مصورا مدى بعد واقع المسلمين عن القرآن: ((وبعد كل هذا التأمل والنظر اتضح ضلالهم بصورة مكبرة وأن هذا القرآن العظيم الذي يكررونه آناء الليل وأطراف النهار لايزيدهم إلا إمعانا في الضلال وفسادا في الخلق وتبين لي بواضح البيان أن نوافذه إلى أهوال الآخرة لاتزال محكمة الإغلاق فلا ينفذ نوره إلى بصائرهم، ولو شعاعا من نور الله إلا قليلا...)).

فواقع المسلمين ما زال بعيدا كل البعد عن أن يكون صورة صادقة، ونموذجا حيا للمجتمع الإسلامي الفاضل، إذ واقع المسلمين مليئ بالفواحش والمنكرات والمخالفات الشرعية، فكيف يرجو المسلمون بعد هذا التنكر لدينهم النصر من الله تعالى، وهو يقول: }ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وأتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور{.

ولذا قام الشيخ أبو اليقظان بتأليف هذا الكتاب وهدفه تقريب نور القرآن من بصائر المسلمين، ورام فتح نوافذه أمام عقولهم ونفوسهم ليتزودوا من كنوز القرآن وما أكثرها فقال: ((لما خشيت من هذه العاقبة إذا استمرت هذه الحالة بين المسلمين أن تحق كلمة الله عامة على المسلمين رأيت من الواجب علي ما دامت عيني تطرف وأنفاسي تتردد بين الحنجرة والحلقوم أن أشرع من تلك النوافذ ما أمكن لي فتحه حتى تشع أنوار القرآن منها إلى بصائرهم...)).

وفي هذا الكتاب سلك الشيخ أبو اليقظان المنهج الموضوعي الذي يعنى بتتبع آيات القرآن الكريم المتعلقة بموضوع واحد والتي تكون مبثوثة في ثنايا السور المختلفة، ويجمعها في موضع واحد ويبذل قصارى جهده في تحليل تلك الآيات وتفسيرها والخلوص إلى فلسفة القرآن والمنظور القرآني لذلك الموضوع.

وهنا حاول الشيخ أبو اليقظان أن يقدم صورة عن حال المؤمن الصادق وهو يعيش بالإيمان وكيف ينتقل إلى الحياة الآخرة، وكيف يبعثه الله وكيف يكون مصيره إلى الجنة وكيف يخلد فيها، وبالمقابل حاول كذلك أن يقدم صورة عن حال الكافر، وهو يعيش الكفر في الحياة الدنيا وكيف ينتقل إلى الحياة الآخرة في أسوأ حال، ويبعث على على أسوأ حال، وكيف يكون مصيره إلى النار، وكيف يعذب فيها، ويتأسف عما فرط في جنب الله، وكان يسمى كل محطة من هذه المحطات نافذة ويختار لها بعض الآيات المعبرة عنها أصدق تعبير، ثم يعقد مقارنة بين حال المؤمن وحال الكافر.

ولا شك وأن أبا اليقظان كان هدفه هو الترغيب والترهيب، ترغيب المؤمن في الحالة الأولى، وترهيبهم عن الحالة الثانية، ولهذا قال أبو اليقظان: ((لأجل أن يكون لهذه الرسالة معناها البليغ في نفس الأخ القارئ، يجب أن يتخذ في المقارنة بين مصير السعيد ومصير الشقي في سائر مراحلهما عبرة وذكرى ويختر العاقل له ما يختار مادام الاختيار)).

وهكذا نخلص إلى القول بأن الشيخ أبا اليقظان كان من ألمع كتاب المقال التفسيري الذي وظفه لإيصال أنوار وهدايات القرآن الكريم إلى عقول المسلمين وقلوبهم فيوقظهم من السبات الذي طال أمده، ومن الخرافة التي عشعشت في عقولهم، والتخلف الذي ضرب أطنابه وتعددت مظاهره في مجتمعاتهم فضاع الحق والعدل والخير والجمال وحل محلها الشر والظلم والفساد والفرقة والطغيان.

ولقد أدرك كبار المصلحين والمفكرين في العالم الإسلامي قدر الرجل وفضله ومكانته في دنيا الأدب والفكر، والدعوة والجهاد، فأدوا فيه شهادات قيمة هي في الحقيقة تاج فخر في جبين أبي اليقظان رحمه الله، ومن هؤلاء العلامة ابن باديس الذي يقول: ((وأبو اليقظان إلى جانب ميزابيته التي يفاخر بها وله الحق عربي يجاهد ويجالد في سبيل العروبة، ووطني يناضل في سبيل الوطنية، ومسلم أخلص لله دينه يجعل الإسلام في الصف الأول من كل أعماله)).

وأما العلامة أحمد توفيق المدني فيقول في حقه: ((والشيخ أبو اليقظان، لايتكلم إلا عن عقيدة، ولايكتب إلا عن إيمان، ولايجاهد إلا في سبيل الإسلام وبلاد الإسلام، وقد أظهرت الأيام من بعد أنه مقارع مجاهد، ومقاوم معاند، صرع الاستعمار ولم يصرعه الاستعمار، ضرب بسهم في الجهاد الصحفي والفكري مالم يبلغ أحد في الجزائر شأوه)).

وأما أحمد زكي الملقب بشيخ العروبة فقد قال في حقه: ((إن صاحب الجريدة من أبرع الكتاب وأشجعهم ولم أر جريدة كهذه وماكنت أظن أنها توجد بشمال إفريقيا تحت نير الفرنسيين، لأعدها من أكبر الجرائد التي عبرت عن رأيي وصورت مثل آلامي)).

وما كان لأبي اليقظان أن يبلغ الذي بلغه لولا إيمانه العميق وتجرده الكبير وإخلاصه وتفانيه واستماتته وجهاده من أجل هذا الدين، وخير ما نختم به هذا المقال هو تلك المساومة التي حاول الاستعمار أن يساومه بها، فحاول أن يغريه بالوعد ويثنيه بالوعيد، ولكن الشيخ رحمه الله وقف شامخا وصامدا أمام هذه الإغراءات والتهديدات فقال رحمه الله: (أرسلوا لي ذات يوم أحد أعوانهم السريين فقال لي: إنهم يقولون لك (أي السلطة الاستعمارية) ماهي غايتك من تلك الحملات العنيفة؟ إن كنت تريد بها قاضيا سميناك قاضيا، أو نيشانا علقناه في صدرك، أو راتبا عينا لك راتبا، ولكن بشرط أن تترك جانبنا. فقلت له: ليس لي شيء من هذه الأغراض التي تذكرها أريد. فقال إذا ماهي غايتك؟ فقلت له: غايتي هي الجنة. فقهقه حتى كاد أن يستلقي على قفاه سخرية واستهزاء وذهب ورجع بعد أيام فقال لي: إنهم يقولون لك: إذا كانت غايتك هي الجنة كما ذكرت فإنهم يمكنهم أن يطلعوك إليها في طيارة فتصبح فيها وهم يعنون بالطيارة المشنقة)).

رحم الله أبا اليقظان رحمة واسعة، وأجزل له المثوبة، فبجهاده وجهاد أمثاله عاد للإسلام عزه في هذه الديار، وعاد للعربية مجدها ورونقها، وقد تنبأ الكثيرون بدنو أجل الإسلام في الجزائر، وقيض الله لهذا البلد الطيب رجالا صادقين يخدمونه بخدمة الدين، متحلين بالإخلاص واليقين.

                 الموافقات/ع5/س5 1417هـ-1996م، من ص368 إلى 388

أعلى الصفحة