الصفحة الرئيسية  | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان  | مؤلفات أبي اليقظان  ماكتب عن أبي اليقظان  |

  أصدقاء أبي اليقظانعائلة أبي اليقظان  | صور من بلادي  | مواقع تهمك  |  اتصل بنا|  

 

قراءة تربوية

في فكر الشيخ أبي اليقظان

أ‌.       عزيز سلامي

الشيخ إبراهيم أبو اليقظان علم من أعلام الجزائر يندرج اسمه ضمن سلسلة ذهبية من أعلام الفكر والدعوة، والإصلاح والتجديد، والتربية والتعليم، عرف بذكائه الثاقب وشخصيته البارزة ومكانته العلمية المتميزة، تعددت مواهبه، وتوسعت مداركه، ظهر إلى الوجود في الساحة العلمية الجزائرية في فترة حالكة وزمن مضطرب من تاريخ الجزائر وهي تئن تحت وطئة الاستعمار الفرنسي الصليبي المدمّر، فانطبعت نفسه بذلك الاضطراب فولد ثورة داخلية كان يشعر بها كل مسلم جزائري غيور على دينه وأمته وتاريخه وحضارته، فما كان منه إلا أن عاهد الله وعاهد نفسه وعاهد أمته على المضي في سبيل تحرير الإنسان الجزائري المسلم من ربقة الاستعمار وتسلطه وجبروته، والذي لا يتم له ذلك إلا بتحرير نفسه وفكره من القابلية للاستعمار على حدّ تعبير مالك بن نبي رحمه الله.

فقد عمل الشيخ أبو اليقظان في مضمار إثارة الوعي، وتحريك الطاقات، وتنسيق الجهود، وتشخيص الأخطار والأعداء، وليس ذلك بغريب على رجل كان يجمع في شخصيته بين المعرفة الواسعة، النابعة من كليات الدين وأصوله، وبين الحركة الدائبة، والنشاط المستمر نحو إثارة الوعي من أجل التغيير المنشود.

عرفت حياة أبو اليقظان بثرائها، وكثرة أحداثها، وتزاحم نشاطاتها، وتعدد جوانبها العلمية والعملية، فترك إنتاجا فكريا متنوعا جمع فيه بين مختلف العلوم والمعارف من شعر وتاريخ وتراجم ومقالة ودراسات وغيرها من مجالات المعرفة العلمية الملتزمة.

انطلاقا من ذلك كله وأمام هذا الثراء العلمي والتنوع الفكري الذي حظي به الشيخ أبو اليقظان تجيء هذه المحاولة المتواضعة لتكشف على جانب هام وحيوي من جوانب اهتمامات الشيخ التي كانت تشغل باله على المستوى العلمي والعملي، ذلك ما تعلق بميدان التربية والتعليم.

النموذج التربوي المنشود: شغل موضوع التربية والتعليم بال الشيخ أبي اليقظان فأولاه اهتماما متزايدا ومركزا، ذلك إدراكا منه لما لهذا الموضوع من أهمية وحيوية وتأثير في كل وقت وحين وفي كل زمان ومكان، خاصة في تلك الفترة التي كانت تمر بها الجزائر ومثيلاتها من المجتمعات العربية والإسلامية تحت السيطرة الاستعمارية.

إن المطلع المتمعن في جريدة الأمة وجرائد عديدة قبلها، يجدها قد حفلت بمجموعة لا يستهان بها من الموضوعات التي تصب في صميم المسألة التربوية والمشكلات التعليمية المطروحة في الساحة العلمية آنذاك، فكانت عنايته بهذا الميدان عناية شديدة، وكان اهتمامه منصبا على ما يشغل بال الفرد الجزائري المسلم في دينه ودنياه في معاشه ومعاده، يمكن أن نذكر بعض العناوين من هذه المقالات فيما يلي:

إلى رياض العلم ومناهل العرفان، إذا كان في الجوع موت الجسد ففي الجهل ممات الروح، هل يستقيم للمسلم أمر في هذه الحياة بغير التمسك بالدين، قبل أن نأخذ في التعليم يجب أن ننتبه، إذا قيل عنك نابغة فودع الراحة، التدرج سر النجاح، نبوغنا الضائع وكيف يجب حفظه واستثماره، مذكرة بطلب العناية بالتعليم الديني في مصر، ماذا أعددنا لموسم العقول، أين تقاس رغبة الأمة في العلم والتعليم، وغيرها من المقالات الجريئة والحيوية.

إن الناظر المدقق في هذه العناوين على سبيل المثال يتضح له أن الشيخ أبا اليقظان ناقش أهم التناقضات التي كان يعيشها المجتمع الجزائري على المستوى الفكري والتربوي والاجتماعي والحضاري، وما يجب أن يكون عليه وفق المنهج التربوي الإسلامي، وعلى الرغم من أن المشكلات التربية والحضارية التي تناولها الشيخ بالدراسة كانت تحمل خطورة وأهمية في تعدد عواملها وتداخل أسبابها، إلا أنه -بثاقب فكره وتميز شخصيته وذكائه المتوقد وعبقريته الفذة- استطاع أن يفك الكثير من ألغازها والعديد من عراقيلها، يعود ذلك بالدرجة الأولى إلى تبني المنهج العلمي الذي سار عليه المصلحون من قبله والذي تلخص في النظرية الخالدة التي تمثلت في المقولة الشهيرة على لسان إمام دار الهجرة مالك ابن أنس رحمه الله في قوله: ((لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها)).

ومن ثمة تبدو الحاجة الملحة في نظر الشيخ أبي اليقظان لعرض الإسلام عرضا شاملا مأخوذا من مصادره الأساسية بعيدا كل البعد عن الشوائب المشوهة، والتصورات الفاسدة، والأفكار الخاطئة التي علقت به، ولن تتحقق هذه الصورة الشاملة للإسلام برأي الشيخ إلا بإعادة بناء الفرد المسلم والأسرة المسلمة والمدرسة المسلمة والمجتمع المسلم والحضارة الإسلامية.

ولا يتم تحقيق ذلك كله في نظر الشيخ أبي اليقظان إلا بالعلم والمعرفة والخبرة والتجربة، خاصة والأمة الجزائرية كانت عندئذ مصابة بداء الجهل الوبيل، والأمية الفتاكة، وكانت على حدّ تعبير أبي اليقظان ((مريضة بالجهل مرضا مزمنا))، فكانت عناية الشيخ منصبة على بيان سلبيات الجهل ومخاطر الأمية، ومعوقات الرقي والتحضر وأسباب الانحطاط والتخلف، وقد عبر عن ذلك في العديد من المقالات كما في قوله: ((إن الجهل علة العلل وقد فشا فيكم في الوقت الذي نطق فيه الجماد، فيجب عليكم أن تحاربوا الجهل وتكافحوا الأمية وتقبلوا كلكم إلى العلم كما أوجبه الدين وقضت به سنن العمران)).

وأقوى عامل من عوامل التخلص من هذا الداء وغيره من الأدواء هو ((الاعتصام بالدين الإسلامي، رعاه الله لهذه الغاية عن طريق تقويم الأخلاق وتزكية النفوس وتوجيه البشر إلى اعتناق العقائد الراشدة، والمبادئ السليمة، والأعمال الصالحة المثمرة)).

ويذهب الشيخ أبو اليقظان في تحليله لذلك إلى عرض الأدلة العلمية التاريخية التي تؤكد ارتباط التمسك بالدين الإسلامي بالازدهار والتقدم ((ذلك أن التربية الإسلامية جربت وأعيدت تجربتها من الأمم المتبدية والمتحضرة على السواء، وكان لهذا النجاح دوي هائل في التاريخ، وروعة أخاذة في الوجود، وتحول مدهش في العالم، وانتقال سريع في حدود الممالك، وحياة جديدة صالحة لبني الإنسان في كل زمان ومكان)).

إن الناظر في هذا التحليل العميق والإحاطة الواسعة من قبل الشيخ أبي اليقظان يدرك أنه كان على دراية ومعرفة واطّلاع شامل على التاريخ الإسلامي والبشري عموما، لأن الحقيقة التاريخية والعلمية تؤكد ذلك الارتباط بين عوامل الثبات والأصالة، وعناصر التغيير والجدة، من حيث إن الأمة الإسلامية هي النموذج الأكمل لكل من أراد الصلاح والفلاح في الدنيا والآخرة في كل زمان ومكان، وسيبقى صلاحها هذا دليلا على إمكان إصلاح أي جيل من أجيالها في أي عصر من عصورها التاريخية، إذا ما وفّر أهل تلك العصور ما كان سببا في صلاح أولها ذلك باتباع كتاب الله وسنة رسوله e ، مصداقا لقوله عليه الصلاة والسلام : ((إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا : كتاب الله وسنة نبيه)).

ويذهب الشيخ أبو اليقظان في بيانه لهذه المقومات الأساسية للنهضة المنشودة، وتحليل عناصرها إلى أبعد من ذلك في تصوير بليغ لما تركه الإسلام من تأثير في الأفراد والجماعات فقال: ((...فإنه يتجلى فيما تركه من السمو المدهش بعقل المسلم الصادق، وضميره وعاطفته وخلقه وعمله وسلوكه مع الله ومع الناس، حتى لقد جعل من رعاة الشاة رعاة للأمم ، وأخرج من البادين في الأعراب والمدنية الراقية، وحول أشباه الشياطين في جزيرة العرب وغيرها، أشباه ملائكة يمشون على الأرض، فيملأونها بالهداية والنور، ويفتحونها بالعلم والخلق)).

على ضوء هذه التجربة التي أوضحها الشيخ أبو اليقظان يقرر أن المنهج الإسلامي اشتمل على كل المقومات الأساسية للأمة الإسلامية فمتى تمسك به جيل من أجيالها حقق صلاحه وفلاحه، وكلما ابتعد عن هذا المنهج إلا سارع إليه الوهن والضعف والضلال والانحراف والتخلف والانحطاط.

والتاريخ خير شاهد على صدق هذه الحقيقة، فالمتتبع للمد والجزر والامتداد والانكماش والنصر والهزيمة، في تاريخ هذه الأمة يتضح له بجلاء أن فلاح هذه الأمة مرهون بتمسكها بعقيدتها وشريعتها وأخلاقها، ((ذلك أن الإسلام تناول بالإصلاح كل ناحية من نواحي الإنسانية، فوفق بين مطالب الروح والجسد، وحد للإنسان حدودا في عقيدته وعبادته وأخلاقه ومعاملاته، ووضع أسس الإصلاح المالي والاجتماعي والسياسي، وهذّب الحرب والسلم، وأنصف النساء، ووضع قواعد تحرير الرقيق، وحافظ على كل عزيز لدى الإنسان، من عقله وعرضه وصحته وماله وحياته وأهله ووطنه ومستقبله العاجل والآجل)).

انطلاقا من هذه المعطيات التي حددها الشيخ أبو اليقظان في سبيل الإصلاح الاجتاعي والتربوي من خلال مقالاته المتعددة والتوجيهات العامة التي كانت تطبع جرائده المختلفة يتبين لنا أنه أخذ على عاتقه العمل في اتجاهين أساسين وفق خطة عملية إجرائية تمثلت فيما يلي :

1- عرض المشكلات التربوية المختلفة عرضا وافيا قصد رفع مستوى الشعور بها وإدراك أبعادها وخطورتها.

2- عرض الحلول عرضا أمينا قصد الإقناع والاقتناع بمبررات اختيارها وتبنيها وتطبيقها.

العلاقة بين الوعي التربوي والوعي الحضاري: عقد الشيخ أبو اليقظان مقارنة لطيفة وربط ربطا ذكيا وهو بصدد تحديد مفهوم التعليم وقيمته ومكانته في الأمم والحضارات بين قيمته ومكانته في الأمم الراقية المتحضرة، وبين قيمته ومكانته في الأمم الجاهلة المتخلفة فقال في ذلك: ((للتعليم قيمة عظيمة ومكانة كبيرة عند الأمم الراقية، حيث تراه هو العنصر الوحيد الذي يحميها، ويحفظ كيانها في هذا الوجود بين غيرها... أما الأمم الجاهلة المسكينة التي هي أشد الناس حاجة إلى هذا العنصر من الحياة فإنها بمعزل من هذا)).

وهذا الربط المنهجي من قبل الشيخ، إعلاء من شأن العلم والتعلم والتعليم من جهة، وإدراكا من الأمم الراقية لقيمته ودوره في الحياة من جهة أخرى، يؤكد تفطن الشيخ وإدراكه للعلاقة التي تربط درجة الوعي الحضاري بالوعي التربوي، من حيث هي علاقة وظيفية تكاملية متبادلة، فكلما كان شعور الأمة وإدراكها لحاجاتها وضرورياتها، واقتناعها برسالتها وبمبررات وجودها قويا متماسكا ثابتا، كلما كان شعورها بالحاجة إلى التغيير وتحقيق النوعية التربوية المطلوبة للتفوق الحضاري المرغوب، وعلى هذا الأساس تكون القضايا التي تواجه المنظومة التربوية قضايا مصيرية تتطلب مزيدا من الوعي الحضاري الذي ينتج عنه الوعي التربوي المطلوب بالضرورة، وعلى العكس من ذلك تماما فإن انعدام الوعي الحضاري في الأمة وفقدان شعورها بحاجاتها وضرورياتها ومبررات وجودها، يؤدي إلى عدم شعور الأمة بالحاجة إلى النوعية التربوية المنشودة.

وقد أوضح الشيخ أبو اليقظان ذلك في حديثه عن الأمم الجاهلة في قوله: ((وعبثا تحاول تنبيهها وإيقاظها، تفنن في الكلام ما شئت، وتنوع في أساليب الإنذار والتحذير ما أردت، فهي لا تفهمك ولا تعرف ما تقول، بل لا تسمعك إلا كما يسمع النائم صوت منبه وهو في أضغاث أحلامه... ومن أين يتسرب إليها إذاً بصيص من نور العلم أو تعرف قيمة التعليم، اللهم إلا ما يكون من قبيل المحاكاة، كما يكون من الصبي لا دخل للاقتناع فيه أصلا، ومالا يكون عن اقتناع فهو عرضة للتلف والضياع والآفات)).

ولا يتوقف الشيخ أبو اليقظان في تحليله للعلاقة التي تربط الوعي الحضاري بالوعي التربوي عند هذا الحد، بل يزيد ذلك شرحا وتشريحا، وتدقيقا وتفصيلا، ذلك أن شعور الأمة بذاتها يثير حاجتها إلى خبرات تربوية أعقد، ومستوى تحصيلي أجود، وقدرات أكثر نبوغا وتفوقا، باعتبار هذه الحاجات ضرورية بالنسبة إلى الأمة كي تحافظ على كيانها في ريادتها الحضارية وصدارتها التاريخية، من حيث إن الأمم المتحضرة على حد وصف الشيخ ((طارت بالتعليم في أجواز الفضاء، وغاصت أعماق البحار، وطوت القفار والبراري، وسخرت الأثير، وانطقت الجماد)) لأن أهل هذه الأمم ونوابغها ((نبتوا في أمة عرفت قيمة العلم والنبوغ، وعرفت كيف تستثمره، وكيف تحميه من الآفات)).

ويذهب الشيخ أبو اليقظان في تحليله العميق هذا، ومقارنته الوجيهة تلك، إلى أن أبناء هذه الأمم المتخلفة منها والمتحضرة، لايتفاوتون في القدرات العقلية والمواهب الفطرية والطاقات الذاتية ((فلا ينقص أولئك من هؤلاء شيء من المواهب والنبوغ، بل ربما يوجد بين الأولين من هو أذكى نفسا وأحد فطرة وأزكى فطرة)). إلا أن نبوغهم كان ضائعا وطاقتهم مهدورة وقدراتهم كامنة لأنهم ((نبتوا في أمة جاهلة لقيمة العلم والنبوغ، وإذا عرفت شيئا منه، فلا تعرف كيف تستثمره، وإذا عرفت شيئا من ذلك فلا تعرف كيف تحميه من الآفات والعاهات)).

وجوب العناية بالتعليم الديني والتربية الدينية: أثار الشيخ أبو اليقظان موضوعا حيويا ولّد جدالا حادا ولا يزال، هو ما تعلق بضرورة الاهتمام بمادة التربية الإسلامية والعناية بها في المدارس والمعاهد، وذلك في مقال له سماه (مذكرة بطلب العناية بالتعليم الديني والتربية الدينية في المدارس المصرية)) والحقيقة التي يجب أن نؤكدها في تخصيص الشيخ المدارس المصرية بهذه المذكرة ترجع إلى المناسبة التي اطّلع فيها على تقرير تقدم به وزير المعارف المصرية إلى المؤتمر الدولي للتعليم الثانوي الذي انعقد في روما سنة 1934م، وإلاّ فإنه لا يعني بهذه المذكرة المدارس المصرية فحسب وإنما يتضح منها أنها موجهة إلى كل البلاد العربية والإسلامية في ضرورة العناية بالتعليم الديني والتربية الإسلامية.

ويتضح ذلك بوضوح في قوله: ((إننا ننتهز هذه الفرصة السانحة لنقوم بواجبنا في استرعاء أنظاركم الكريمة إلى أمر لابد منه في إصلاح التعليم، ذلك هو ضرورة الإسراع بوضع سياسة على أساس العناية بالدين الإسلامي تربية وتعليما... حتى تظهر آثاره الجليلة في اعتدال أفكارهم، وسموّ أخلاقهم، ومتانة رجولتهم، وحسن انتفاعهم بالحياة ونفعهم إياها)).

ولا يتوقف الشيخ أبو اليقظان في مساهمته تلك في استرعاء الأنظار والدعوة إلى العناية بالتربية الإسلامية تعليما وتربية عند هذا الحد، بل يتجه إلى تشريح عيوب الثقافة الدينية في المدارس، وأول عيب يسجله في ذلك يتمثل ((في اعتبار الدين مادة إضافية، أي غير مهمة، أمرها موكول إلى رحمة الطالب إن شاء أقبل عليها وإن شاء أعرض عنها)).

على ضوء ذلك راح الشيخ أبو اليقظان يقدم جملة من التوجيهات للعناية بالتربية الدينية في المدارس، تلخصت في المقترحات التالية :

1- إجبارية تعليم التربية الإسلامية بإدخالها ضمن المقررات الرسمية والبرامج الدراسية فلا يبقى أمرها موكولا إلى الطالب ((وأن يقرر تعليم الإسلام في المدارس على أنه مادة أساسية مهمة بمعنى أن يكون داخل الجدول لا خارجه)).

وإذ يطرح الشيخ أبو اليقظان هذه القضايا، فإنه يتناولها من موقع رجل التعليم المتمرس، وخبير التربية المتضلع، الذي تنطلق ملاحظاته من معايشة واحتكاك وتجربة ودراية بخبايا العملية التربوية، في مناهجها وأساليبها ووسائلها، في سلبياتها ومعوقاتها وآفاتها، ومن معرفة عميقة للمتعلمين في قدراتهم النفسية والعقلية والجسمية والعاطفية، ذلك أن إهمال التربية الدينية في المدارس وعدم إجباريتها أدى إلى إهمال النشء لها، والتقليل من أهميتها ((لأنه ثبت بالتجربة الطويلة الصادقة أن الطلاب لا يعيرون المواد الإضافية أهمية، ولا يلتفتون إليها إلا بمقدار ما فيها من لهو ومتعة)).

لأن تعلم الدين ومعرفة واجباته وضوابطه وأخلاقياته، يكلف الإنسان ضبط نفسه وقمع هواه وتهذيب غرائزه، ويقيم على عرشه حكومة إلهية ذات رقابة دقيقة، ثم إن الجهل به يشعر الإنسان بتبرير نفسي لعدم الالتزام به تهربا من المسؤولية على حد تعبير الشيخ أبي اليقظان، فإذا عرفه الإنسان ألفه وعشقه، ومن ثمة يدعو الشيخ أبو اليقظان إلى وجوب ((دفع التليمذ دفعا إلى أن ينهل من مناهل الإسلام، بأن تفرض مادته فرضا... وإلا فكيف يهتم التليمذ بمادة يعتقد أنها في نظره ونظر رياسته ليست ذات أهمية...)).

2- أن يتوقف عليها نجاح التلميذ، وأن يكون لها أثر في النتيجة ((تشعر التلميذ خطورة هذه المادة دائما، وتحرك عزمه إلى العناية بها طول أيام الدراسة)).

3- أن يختار لها من الوقت المناسب ((فلا تدرس آخر الحصص حين يسأم التلميذ ويملّ، وفي الوقت الذي تتحفز نفسه إلى الخروج من المدرسة)). وإذ يحرص الشيخ على عدم تأخير درس الدين ذلك لما يحمله التبكير به وبرمجته في صدر النهار من أبعاد شرعية ونفسية، جسمية وعقلية ((ذلك أن أول اليوم هو وقت نشاط الذهن ووفرة الإقبال، ثم التبكير بحصة الديانة فيه إيقاظ لضمير التلميذ وتذكير له بالله تعالى في فاتحة عمله)).

4- أن يوكل تدريسها إلى ذوي الخبرة والاختصاص، والأمانة والخلق ((فلا يليق بحال أن تسند دراسة أبطال الإسلام ولو في ثنايا التاريخ العام إلى أساتذة لا يؤمنون بعظمة الإسلام وأبطاله، فإن هذا مؤذ لشعور المسلمين، ومضر بعقيدتهم، بعيد عن تحقيق الغاية المرجوة)).

5- أن يقرن التعليم الديني بالتربية الدينية، ذلك أن الشيخ أبا اليقظان فرق تفريقا عمليا بين التعليم والتربية، حيث إن هذه الأخيرة أهم من التعليم وأشمل منه مصطلحا وأوسع منه مدلولا ((لأنها هي التطبيق العملي الذي يربي النفس بالتمرن ويقوم الأخلاق بالتعود)). انطلاقا من ذلك يدعو الشيخ في إلحاح وجدّية إلى عدم العناية بالتعليم على حساب العناية بالتربية والتهذيب ((لأن حشو أذهان التلاميذ بالمعلومات لا يغنيهم غناء، إلا إذا ذاقوا فائدتها بالتطبيق)).

ومن ثمة ووفق هذه النظرة العلمية من قبل الشيخ، يتضح أن التربية بهذا المعنى تشمل كل تنمية وتهذيب ينصب على قوى الفرد واستعداداته ونواحي سلوكه بقصد توجيهها، أما التعليم فيقصد به نقل المعلومات من المعلم إلى المتعلم بقصد إكسابه ضروبا من المعرفة، وعليه فليست المعرفة في نظر الشيخ أبي اليقظان وفي نظر غيره من العلماء والمصلحين والمربين فوزا إلا إذا فهم معناها ومغزاها واستخدمت فعلا واستفاد منها صاحبها في حياته وسلوكه، واستفاد منها المجتمع، ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا إذا عني التعليم بعقلية المتعلم وميوله ونشاطه وقدراته وسلوكه، بما يحقق له إيجابية وفعالية في الحاضر والمستقبل، وهذا الاتجاه في التعليم هو الذي يقرب مفهوم التربية ويقرن بينهما.

6- إصلاح مناهج التعليم الديني وذلك بتوسيع أبوابه وشمولية برامجه على المحاور الأساسية الواجب التعرف عليها والالتزام بحقائقها وتطبيق مبادئها من عقائد وعبادات وأخلاق، وقد بيّن الشيخ أبو اليقظان ذلك في قوله: ((...يعنى بمنهج التعليم الديني فتتسع أبوابه وتشتمل على كل ما يحتاج إليه التلميذ في العقيدة والخلق والعبادة والحياة العملية)).

7- تعميم تدريس الدين في جميع المدارس وفي كافة مراحل التعليم، ذلك أن الدين هو الدعامة الأساسية في بناء المجتمع، منه تنبع الفضلية، ومن تعاليمه تتضح القيم الإنسانية، وعلى هدي فلسفته يتعامل الناس، وقد عبر الشيخ أبو اليقظان عن ذلك في العديد من مقالاته كما في قوله: ((إن الإسلام حاجة كل نفس، فيجب أن يتزود الجميع من ثقافته علما، وأن يعتصموا بهدايته عملا)).

على ضوء ذلك من وجوب تعميم تعليم الدين، يدعو الشيخ إلى ضرورة التركيز على تعليم الدين للناشئة والشبان على وجه التحديد، حتى يتمسكوا به وبفضائله، لأنه ينمي فيهم كل الصفات الطيبة، والأخلاق الفاضلة، فينشأ الشاب فاهما لأصول دينه مؤديا لشعائره.

وإذ تتجه عناية الشيخ أبي اليقظان إلى ضرورة تعميم تعليم الدين في مراحله المختلفة، وفي مرحلة الشباب والمراهقة على وجه الخصوص، ذلك إدراكا منه لما تحمله هذه الفترة من حياة الناشئة من أهمية وخطورة في آن واحد فقال في ذلك:

((ويجب توجيه عناية ممتازة إلى الطلاب والطالبات في سن المراهقة لأن هذا الدور هو أخطر الأدوار في حياة الناشئين والناشئات، بشهادة رجال التربية وعلم النفس، إذ هو دور الانتقال في حياة الإنسان، وأدوار الانتقال هي أخطر ما يكون في حياة الأفراد والأمم)).

ولا يتوقف الشيخ في بيانه خطورة المرحلة وأهميتها عند هذا الحد، بل يتجه في تحليل عميق وتفصيل دقيق إلى توضيح الخصائص العامة التي تتميز بها هذه المرحلة عن غيرها من مراحل حياة الإنسان، كما في قوله: ((والمرء في سن المراهقة وبدء الشباب تتنبه فيه الغرائز الجنسية، وتتيقظ فيه الشهوات الجامحة، ويكون مستعدا لاستجابات الطبيعة النازلة، فإهماله في هذا الحال من تقوية الوازع الديني والأدبي، لا يفسر إلاّ بأنه جناية عليه...)).

8- ضرورة تكامل التعليم الديني والتعليم الحديث، ويتمثل ذلك في أهمية تدريس العلوم الدينية في المعاهد والكليات الحديثة، وكذا أهمية تدريس العلوم الحديثة في المعاهد والكليات الإسلامية، فقد لاحظ الشيخ أبو اليقظان أن المؤسسات الجامعية التي كانت قائمة في البلاد الإسلامية في تلك الفترة الزمنية في جملتها تنقسم إلى قسمين أساسين:

أ/ جامعات ومعاهد إسلامية تقوم برامجها ومناهجها على تدريس العلوم الدينية من عقيدة وفقه وأصول وتفسير وحديث وغيرها، ونادرا ما تحتوي هذه البرامج على بعض المعارف التجريبية الحديثة.

ب/ جامعات ومعاهد علمية مدنية تقوم برامجها على تدريس العلوم التجريبية الدقيقة، وقلما تحتوي برامجها على وحدات دراسية دينية إسلامية.

انطلاقا من ذلك فإن هذا التقسيم الذي لاحظه الشيخ أبو اليقظان هو الذي يعكس بحق ازدواجية المعرفة العلمية وثنائيتها في المؤسسات الجامعية القائمة آنذاك، وقد نتج عن ذلك أن ظهرت في الساحة التربوية والاجتماعية فئتان متصارعتان لا تجتمعان أشار إليهما الشيخ في قوله: ((ذلك أن بعض أبناء هذه الأمة يتربون تربية دينية في الأزهر والمعاهد الدينية، أو على أيدي المتخرجين من الأزهر والمعاهد الدينية، فينطبعون بطابع الإسلام، وتتأثر حياتهم ومشاعرهم به، بينما البعض الآخر يتربون تربية مدنية فقط فينطبعون بطابع يجافي الدين، وتتأثر بهذا الطابع المجافي حياتهم ومشاعرهم أيضا)).

وكلتا الفئتين من أبناء الجامعات والمعاهد في البلاد الإسلامية، في خضم هذا الصراع القائم والازدواجية في التعليم، تعجز على خدمة المجتمع، ذلك أن ازدواجية المعرفة العلمية تمثل بالنسبة لحياة المجتمع مشكلة تتطلب علاجا حاسما من أجل سلامة وحدته وأمنه، إذ أن علما بلا دين ودنيا بلا علم كلاهما خطر على استقراره واستمراره.

ويذهب الشيخ أبو اليقظان في عرضه لهذه المشكلة التربوية الخطيرة إلى أبعد من ذلك، موضحا أنه على ضوء هذا الاختلاف بين الثقافتين في المبدأ والغاية والأثر ساء التفاهم واشتدّ بين الطائفتين من المتعلمين تعلما دينيا والمتعلمين تعلما مدنيا.

ولا يتمّ التوفيق بين الفئتين برأي الشيخ أبي اليقظان وبرأي غيره من المصلحين إلا بضرورة التقريب بين الثقافتين والربط بينهما وذلك في اتجاهين اثنين:

أ/ إدخال العلوم المدنية في برامج ومناهج المعاهد الدينية بمقدار مناسب بحيث لا تطغى على العلوم الدينية، لأن افتقار المؤسسات الجامعية -كما يؤكد على ذلك الكثير من المفكرين والباحثين- إلى المعرفة العلمية الحديثة يعني افتقار الفكر الديني الإسلامي إلى تلك الأنماط من المعارف، وهو أمر على غاية من الخطورة بالنسبة للمجتمع الذي أصبح التقدم العلمي التكنولوجي ركنا من أركان حياته لا تستقيم إلا به.

ب/ إدخال العلوم الدينية في برامج ومناهج المعاهد المدنية بمقدار مناسب بحيث لا تطغى على العلوم المدنية، لأن تعميم الدين ضرورة حيوية، وخطاب الشرع كما يؤكد الفقهاء والأصوليون يشمل كل المكلفين، لكن القدر الواجب هو ما تصحّ به العبادة ويرتفع معه الجهل بأسس الدين وهذا هو المطلوب من تعميم التعليم الديني، وبهذا وحده -كما يوضح الشيخ أبو اليقظان- تتوثق عرى الوحدة بين أبناء الأمة وتتحد مشاعرها ومطامحها.

غايات التربية الأساسية عند الشيخ أبي اليقظان: ممّا لا شكّ فيه أن أهم غاية من غايات التربية والتعليم حسب ما يذهب إلى ذلك أغلب العلماء والباحثين، هي إعداد الإنسان للحياة في حاضرها ومستقبلها، وتنمية قدراته المختلفة على مواجهة مشكلاته والمساهمة الفعالة في الحياة، بناء على ذلك يطرح الشيخ أبو اليقظان تساؤلا منهجيا دقيقا يصب في صميم الأبعاد التي تنشدها العملية التربوية الإصلاحية إذ يقول: ((إذا كان لكل أمة أن تكيف مناهج التعليم حسب غاياتها منه، فما هي الكيفية التي يجب أن نكيف بها مناهجنا في التعليم نحن معاشر المسلمين في شمال إفريقيا؟)).

ذلك أن مناهج التعليم السائدة في البلاد العربية والإسلامية في حاجة إلى تعديلات وتطويرات وتكييفات، بحيث تكون نابعة أصلا من الحاجة الحضارية للأمة وتصوراتها لما ينبغي أن تكون عليه، ومن ثمة يقرر الشيخ -في إجابته عن ذلك السؤال المنهجي- قاعدة أساسية ومبدء أوليا يتلخص في أن عملية التكييف لمناهج التعليم يجب أن تكون وفق ضرورياتنا وحاجاتنا، لا وفق ضروريات غيرنا وحاجاته.

ولا يتوقف الشيخ أبو اليقظان في بيانه لهذه المقومات والأسس والثوابت التي يجب أن تحفظ وتصان عند هذا الحد بل يتوسع في ذكر غايات التعليم الأساسية وأهداف التربية الكبرى التي تلخصت عنده فيما يلي:

- الحاجة إلى تعلّم أمور ديننا وشريعتنا.

- الحاجة إلى تعلم لغتنا وأدبنا.

- الحاجة إلى تعلم تاريخ بلادنا وجغرافيتها.

- الحاجة إلى تكوين رجال اختصاصيين.

وقد عبر الشيخ عن هذه الغايات مجتمعة في غاية أساسية وهدف سام في قوله: ((إعداد شبان نافعين يواجهون الحياة العملية بضمير وصبر، ويحلّون مشاكل الوجود بحكمة وشجاعة، ويصلحون لأن تتكئ الأمة عليهم في المهمات والنوازل، ولن يكون شيء من هذا إلا بتربية النفوس على آداب الإسلام وإشرابها من عهد الصغر ثقافة الإسلام)).

العوامل الأساسية المؤثرة في التربية والتعليم: من المقرر عند العلماء والمربين أن العملية التربوية لا تتم في فراغ بل تتم في جو اجتماعي وثقافي معيّن، ومن ثمة تصبح العملية التربوية ذات تأثر وتأثير في ذلك الجو الاجتماعي والثقافي، كما تتأثر من جهة أخرى بالعوامل الإنسانية الفردية منها والاجتماعية، سواء فيما يتصل بطبيعة المتعلم أو ما يتصل بطبيعة العلاقات الاجتماعية التي تربط أفراد المجتمع بعضهم ببعض.

والشيخ أبو اليقظان في نظرته التربوية الإصلاحية لا يحيد عن هذه القاعدة الأساسية التي أكّدها العلماء فيقرر بدوره انطلاقا من فلسفته التربوية أن العمل التربوي التعليمي يتأثر بجملة من العوامل الأساسية والمؤثرات المختلفة التي تتدخل في تشكيل شخصية الإنسان وتربيته، وعليه يمكن إيجاز هذه المؤثرات والعوامل التي تتدخل في العملية التربوية برأي الشيخ أبي اليقظان فيما يلي:

1- الجهل: ذلك أن الجهل هو علة العلل ومكمن الداء وموطن الضعف والتخلف، ومن أجل كتب الشيخ أبو اليقظان العديد من المقالات التي عبر فيها عن الجهل كداء من الأدواء التي تواجه الأمم والشعوب وتقف في سبيل التحرر وبناء الشخصية الإنسانية المتميزة، ومن ثمة كرّس الشيخ أبو اليقظان جهوده لمقاومة الجهل والأمية، داعيا بكل إلحاح وتركيز إلى الاهتمام البالغ بالعلم والتعليم.

فقد كتب مقالا هاما في جريدة الأمّة عبّر فيه عن استيائه من الوضع الذي يعيشه المجتمع الجزائري في ظل السياسة الاستعمارية التي كانت متجهة نحو محو الشخصية الوطنية ومحاربة المقومات الأساسية للشعب الجزائري المسلم تحت عنوان: ((إذا كان في الجوع موت الجسد ففي الجهل ممات الروح)) احتار فيه بأي صوت يصرخ وبأي قلم يكتب عن هذا التصور الخاطئ الذي يعتقده الكثير من الناس من خلال التفريق بين الجوع من حيث هو موت للجسد، وبين الجهل من حيث هو ممات للروح فقال في ذلك: ((بأي صوت أصرخ وبأي قلم أكتب وبأي منفذ أدخل إلى نفوس الذين يخافون من موت الجسد، ولا يخافون من موت الروح... فبالجهل هتكت أعراض وبالجهل فسدت أخلاق، وبالجهل ديست كرامات وبالجهل أهينت أديان، وبالجهل أبيدت أمم، وبالجهل خربت البلاد، ولماذا إذاً هذا الخوف الشديد من الجوع؟ ولماذا هذا التهاون الفظيع من الجهل الخطير؟)).

إن الناظر في هذا التعبير الدقيق من قبل الشيخ وهو يصور لنا حقيقة الجهل تتأكد له قدرة الشيخ على المحاورة وعرض الآراء بطريقة ذكية يتقبلها القارئ لأنها تنطلق من تحليق عميق وتصور حسي بليغ ومقارنة وجيهة بين الحقائق المختلفة والتصورات المتنوعة والمفاهيم المتعددة؛ ذلك أن الكثير من الناس يخافون من الجوع ويتحرزون منه ويتخذون كل الوسائل الكفيلة بالقضاء عليه ومحاربته، ويبذلون في ذلك النفس والنفيس من أجل توفير المأكل والمشرب من حيث هما مطلبان أساسيان ودافعان أوليان من الدوافع الضرورية التي لا يمكن أن يستغني عنها الإنسان استمرارا لحياته البيولوجية وينسون في خضم ذلك الكثير من المطالب الأساسية الأخرى في الحياة التي لا غنى عنها هي الأخرى، والتي بدونها لا تستقيم حياة المجتمع ولا تتضح معالمه ولا تتحقق غاياته، ومن ذلك التربية والتعليم حيث التفريط فيهما وعدم إعطائهما ما يستحقان من العناية والرعاية والاهتمام يؤدي إلى حرمان أجيال الأمة من أهم ضروريات الحياة.

2- البيئة : والمقصود بالبيئة كما عبر عنها الشيخ أبو اليقظان هو الوسط الاجتماعي وما يحتويه من مرافق اجتماعية ومؤسسات ثقافية.

فإذا كان الإنسان هو المحرر الذي تدور حوله التربية، وإذا كانت طبيعته الفطرية مجبولة على خصائص معينة فإن ذلك يعني أنه يخرج إلى الحياة مزودا بقابلية للتأدب والتعلّم والتهذيب والتنشئة والتأثر بالبيئة المحيطة والوسط الاجتماعي.

وتبقى النتيجة التي تخرج بها العملية التربوية متوقفة على درجة الصلاح والفساد التي تعيشها البيئة الاجتماعية ((فإن البيئة إذا كانت فاسدة موبوءة تنبعث منها عفونات الأخلاق كما تنبعث المستنقعات فتسري عدواها إلى كل من يتعرض لها، وياما أسرع أصابتها لمن فيه استعداد للأمراض كالشبان، ولا يسلم من بلواها العامة إلا من عصمه الله بحصانة من الدين منيعة)).

3- الحرية : نظر الشيخ أبو اليقظان إلى الحرية كعامل مؤثر في العملية التربوية نظرة واقعية قائمة على أسس نفسية واجتماعية دقيقة فإذا كانت الحرية هي الأمر الذي يحتاج إليه كل إنسان تعبيرا عن وجوده فإن عملية التربية بهذا الاعتبار لا تتم بشكل سوي إلا إذا كانت مصحوبة بقدر كاف من الحرية المعتدلة تعطى للناشئ أثناء تربيته وتعلّمه من حيث إن الحرية حاجة من حاجات الطفولة الفطرية.

إلا أننا يجب أن نفرق أيضا أن هناك حاجة أخرى تقابلها ولا تقل عنها أهمية وهي الحاجة إلى السلطة الضابطة الموجهة خاصة في المراحل الأساسية من حياة الإنسان كالطفولة والشباب ((لأن عهد الشباب شعبة من الجنون فيه تثور العواطف الجنسية وفيه تجيش النزعات النفسية وفيه تشذ النزعات الشيطانية فإذا لم تضبط هذه العوامل النزاعة إلى الثورة والتمرد والعصيان طارت بصاحبها في الفضاء وأردته في هوة سحيقة)).

ومن ثمة فكل طفل أو شاب يشعر في قرارة نفسه إلى من يرشده ويوجهه فإذا لم يجد ذلك فإنه يبقى تائها قلقا حائرا مرتبكا لا يعرف قيمة الحرية ولا يدرك خطورتها فينشأ ضعيف الشخصية تعوزه الإرادة والقدرة على التصميم والأخلاق الثابتة المستقيمة والعزم والحزم والثبات.

ومن ثمة يوجه الشيخ أبو اليقظان أنظار الأولياء والمسؤولين عن الشباب إلى خطورة الحرية المطلقة التي تعطي للأبناء ((لأن الحرية في هذا العهد كالسلاح الحاد في يد الصبي لا يعرف صاحبها أين يستعملها ولا كيف يتعرف فيها فيضرّ بها نفسه وغيره من حيث إنه يظن أنه يقصد النفع)).

ويذهب الشيخ أبو اليقظان إلى أبعد من ذلك في تصويره لخطورة الحرية في مناقشة أنصار الحرية المطلقة حيث يظنون أن الحرية للشبان نعمة عليهم ومنفعة، وإن الضغط عليهم إماتة لشعورهم وقتل لوجدانهم وتنمية لروح الذلة والخنوع في نفوسهم ومن ثمة فالواجب هو تحرير الشبان من كل القيود والمعوقات التي تحول دون التعبير عن رغباتهم وعواطفهم.

والشيخ أبو اليقظان في ردّه على هذه المبررات الواهية التي ينطلق منها أنصار الحرية المطلقة لا يتوقف عند هذا الحد بل إنه يؤكد أن الإفراط في الضغط والتضييق هو بدوره محض غلط واتجاه سلبي في العمل التربوي ومن ثمة تصبح نظرة الشيخ أبي اليقظان نظرة واقعية معتدلة ((لأن الواجب في هذا العهد نحو الشبان مراعاة درجة فورانهم فيتخذ إزاءهم من التدابير الحازمة على قدر تلك الدرجة مسلكا بين طرفي الإفراط والتفريط)).

ولأن المربي الحكيم والمعلم المتمرس والمؤدب الذكي كسائق السكة الحديدية كما يعبر عن ذلك الشيخ أبو اليقظان تارة ينفس عن فرجيتها من ضغط البخار، وتارة يزيد حتى ينظم سيرها.

4- المال : من حيث هو عامل مؤثر آخر لا يقل خطورة عما سبقه من العوامل والمؤثرات لأن المال سلاح ذو حدين إذا استعمل في الخير كان نعمة وبركة وإذا استعمل في الشرّ كان نقمة وخسارة.

وأشد ما تكون خطورة المال كما عبّر الشيخ أبو اليقظان عن ذلك في يد الشباب لأن فيهم طاقة دافعة إلى تحقيق الرغبات والنزعات والغرائز والشهوات وغرائز الشباب يخمدها الفقر ويلهبها المال.

لأن المال في يد الشباب كالبارود والذخائر الحربية في يد الثائر فقد يقلب بها نظام العمران ويهلك به الحرث والنسل وعليه فالواجب على الآباء والمربين الاعتدال في الإنفاق على الأبناء وأنه ليس من الرحمة والسماحة والكرم أن نعطيهم من المال دون حسيب ولا رقيب.

وختاما لهذه القراءة التربوية المتواضعة في فكر الشيخ أبي اليقظان التي أستسمح فيها القارئ الكريم في أنها لم تأخذ حقها المطلوب من البحث القائم على المنهجية العلمية المطلوبة فإن ذلك يعود في الجملة إلى مجموعة من الأسباب الذاتية والموضوعية التي منها قلة المراجع والوثائق التي يمكن الاعتماد عليها في محاولة إبراز كل الجوانب التربوية التي اهتمّ بها الشيخ أبو اليقظان وتحليلها تحليلا علميا دقيقا وتفسيرها تفسيرا منهجيا وقراءتها قراءة واعية من أجل إبراز هذه الشخصية العلمية التي لم تحظ باهتمامات الباحثين والدارسين إلا عند القليل النادر منهم.

انطلاقا من ذلك كله فإنه يمكننا أن نخرج بجملة من النتائج التي يمكن استخلاصها من هذه القراءة المتواضعة فيما يلي:

1- إن جملة الأفكار التي جاء بها الشيخ أبو اليقظان تتطابق إلى حدّ كبير مع دراسات العصر بل وسبقت في كثير من الأحيان هذه الدراسات ذلك أنها تناولت جملة من الموضوعات التربوية ذات الأهمية والخطورة.

2- ما ورد في فكر الشيخ أبي اليقظان يساهم في دفع التيار الفكري التربوي، إلا أن الرجل مثله مثل الكثير من المفكرين والعلماء والمربين لم ينل حظا كافيا من الدراسة والعناية في هذا الجانب.

3- فكر الشيخ أبي اليقظان تتضح فيه جوانب أصيلة وتعكس الروح العربية الإسلامية التي كان يشعر بها ويعبر عنها ويدافع عن مقوماتها وقواعدها وأسسها ومنطلقاتها وأبعادها.

وأخيرا لا أعتقد الكمال في هذا الجهد البسيط، ولكن أعلم أن فيه من الهنات والهفوات ما قد يلاحظه القارئ.

أرجو من الله تعالى أن يوفقني إلى ما فيه الخير والصلاح والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

                 مجلة الموافقات/ ع5/س/ 1417هـ (1996م). من ص435 إلى 449

أعلى الصفحة