الصفحة الرئيسية  | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان  | مؤلفات أبي اليقظان  ماكتب عن أبي اليقظان  |

  أصدقاء أبي اليقظانعائلة أبي اليقظان  | صور من بلادي  | مواقع تهمك  |  اتصل بنا|  

 

على هامش الفكر النقدي

لأبـي اليقظـان

(1888-1973م)

   أ. محمد زغينة

إن المتأمل في ديوان أبي اليقظان لا يملك إلا أن يقف متأنيا إزاء ذلك المدخل الذي صدر به ديوانه في الثلاثينيات من هذا القرن، حيث كانت النخبة الفكرية الجزائرية آنذاك تسير في فلك الغرب أو الشرق، بينما نجد شيخنا في هذا المدخل قد تميز، وتفرد عن أقرانه بما تناوله من أفكار -نزعم أنها جريدة- بالنسبة لفترته على الأقل، وبخاصة في الجزائر، وليس هذا الكلام مدحا للشيخ وإنما ننطلق من إنتاجه الذي ينطق بما نذهب إليه -حسب فهمنا- لهذا المدخل، إن تفحصناه، وتقصينا ما فيه من أفكار نقدية، نجد الرجل ينطلق في تعريفه للشعر من منطلق إيماني، فالشعر عنده ((وحي من الخيال على النفس)) فهو إلهام علوي "يثير النفس فإذا بها تهتز لا تستطيع حبس ما بداخلها، فتدفعه إلى اللسان الذي يرسله بدوره إلى الخارج -المتلقي- فإذا به نور مرسل من الشاعر ليضئ به بطون الليالي المقبلة -عبر العصور- مستشرقا المستقبل. فالشعر إذن روح يودعها الشاعر في شعره، ولا يتأتى لهذه  الروح أن تتجلى إلا بقوة البيان "السحري" الذي يمتلكه الشاعر لقوله: ((الشعر نور يرسل الشاعر أشعته من نوافذه فيضئ بطون الليالي))، ولا يمكن أن تكون هذه العملية شعرا إلا إذا حركت "المتلقي" وهزته من الأعماق، وأحدثت فيه استجابة وتغييرا، سواء أكان ذلك العمل الإبداعي شعرا أم نثرا، أما "الشعر" الموزون المقفى الذي لا يقوم بتلك المهمة فهو نظم حسب رأيه.

ونستخلص مما سبق أن شيخنا يرى أن ماهية الشعر هي الروح أو الوحي، وأن منبع الشعر هو الخيال العلوي وليس الواقع أو إعادة تشكيل الواقع كما يذهب البعض، أي أن الرجل ينظر إلى الشعر نظرة مثالية من جهة، ومن جهة أخرى فإن شاعرية الشاعر لا يمكن أن تبرز إلى الوجود إلا إذا سبكها الشاعر بأسلوبه الخاص أي "بالبيان السحري".

ولعل شيخنا يريد أن يقول بأن الشعر من حيث الفكرة هو من قوى خارجية علوية، وأن ما يملكه الشاعر هو الصياغة الفنية، وهذا التعريف يشبه تعريف علماء الحديث للحديث القدسي ((أما المعنى من عند الله عز وجل يلقي إلى الرسول بكيفية من كيفيات الوحي، والألفاظ والصياغة من عند رسول e))، ومن جهة ثالثة فإن شيخنا -حسب فهمنا- يذهب إلى أبعد من ذلك، فالشعر في رأيه لا يتمثل في الوزن، والقافية فحسب، بل إن كل ما أثارك وحرك وجدانك، وجعلك تستجيب له، فهو الشعر، أم المنظوم الذي يقوم بتلك المهمة فليس بشعر.

أما وظيفة الشعر كما يراها شيخنا فهي تتجلى في ذلك الشعور الحي والإحساس الرقيق، والاهتزاز القوي الذي يحدثه هذا الشعر في المتلقي، مما يجعل جوارحه (المتلقي) تمتثل وتستجيب له، فالشعر إذن محرك، وموجه للإنسان، لأن الشاعر صاحب رسالة ربانية كما يراها صاحبنا، ولأن الشعر ميزان توزن به الأقوال، ومعرض تعرض فيه جلائل الأعمال، وحافظة لمآثر الإنسان على مر الأزمان.

فإذا كان ذلك هو الشعر، وتلك وظيفته فكيف يتلقاه المتلقي؟

يقول شيخنا: ((إن ذلك يكون عن طريق السمع، ومنه إلى النفس التي تستجيب له فيكوّن فيها إحساسا رقيقا، وشعورا حيا، ومنها ينتقل إلى القلب، فيحرك أوتاره، فتهتز أعصاب المتلقي، مما يجعل الجوارح تمتثل لهذا الشعر)).

يتبين لنا أن هذا التعريف لعملية التلقي، تعريف نفسي إذ يعتمد على الإثارة والاستجابة وهذا دليل على عمق ثقافة الشيخ وإلمامه ببعض العلوم والمناهج الحديثة. وبعد ذلك ينتقل بنا الشيخ إلى مذاهب الناس من الشعر، أي النقاد، حيث يستعرض جملة من الآراء وفق منهج نقدي محدد، مناقشا هذه الآراء بالحجج والبراهين، مما يدل على أنه متمكن من مادته، مستوعب لمنهجه، مسيطر على الموقف.

فالنقاد بالنسبة للشعر -حسب رأيه- أصناف، فالصنف الأول "منهم من يحكم بفساده -الشعر- ويرى أنه مظهر من مظاهر اللهو والغناء، والسخف والمجون ولأنه ينافي المروءة والفضيلة ولو كان حسنا لما تنزه عنه مقام الرسالة، فيرد صاحبنا على هذا الصنف ردا مقنعا ممنهجا إذ يقول: ((فإذا كان مافيه من سخف دليلا على فساده فالأولى أن يفسد النثر، ولنفضل العي على الفصاحة، والخرس على الكلام، لأن في النثر من ذلك ما يربو على مافي الشعر أضعافا من السخف والمجون... كما أن الحكم بفساد الشعر غير حجة على الشعر نفسه، وإنما نشأ عن عدم تثقيف الشعراء وتربيتهم تربية صحيحة، كما أن الحكمة من نفي الشعر عن الرسول e، ليست راجعة لفساد الشعر أو الكتابة، وإنما هي لإقناع البشر بأن ما جاء به الرسول e ليس شعرا وليس نثرا، وإنما من عند الله، إنه القرآن المعجز... وإن الذي يستروح بقوله تعالى: }فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي{ لفساد الكتابة، ومن ثم تعطيل وتوقيف دولاب حركة العالم.

أما الصنف الثاني حسب أبي اليقظان ((لا يحكم بفساد الشعر ولكنه يرى أنه فضل واشتغال بما لا يعني، ومدعاة للرياء، والفخفخة، فالزهد فيه أجدر، والتنزه عنه أولى))، وهكذا ينبري صاحبنا لهذا الصنف مناقشا إياه مناقشة علمية بحجج دامغة، قائلا: ((لو كان الشعر فضلة لكان النثر كذلك ولفضلنا كسر الأقلام، وكم الأفواه، وبذلك نصادر غريزة من غرائز الإنسان الطبيعية... ولأنهم إما عاجزون وإما حاسدون، فأولى أن يسكتوا وأن يبتعدوا عن هذا المجال فالرياء لا ينشأ من قول الشعر إنما يعود إلى قلة الإيمان وقلة اليقين، وأن الفساد لايزول بالهروب منه بل يزول بقطعه واستئصال جرثومته)).

وبعد هذا يخلص الشيخ إلى نتيجة حول هذين الصنفين فيرى أن هؤلاء ما ذهبوا هذا المذهب إلا لعجزهم في هذا المجال، ولا يدلوا بدلوهم فيما لا يحسنون، لأن الناس مواهب كل حسب ما أعطاه الله سبحانه وتعالى.

أما الصنف الثالث والأخير: فهو الذي يستحسن الشعر ((ويراه فنا من الفنون الجميلة التي لا تكتمل حياة الأمة إلا بها مادام القصد منه: إيقاظ الإحساس وتهذيب الشعور وتنمية العاطفة وتربية الوجدان وتنوير العقل، وتهذيب النفس وكبح جماحها وحملها على أغراض شريفة بأقصر طريق وألطف إشارة)).

وهذا الرأي الأخير هو رأي الشيخ في الشعر إلا أنه يختلف مع بعض المغالين الذين يوظفونه توظيفا لا أخلاقيا، مستغلين ذلك في إيقاد الفتن وزرع الإحن، ونشر الرذيلة؛ لأن شيخنا يرى أن الشعر ما وافق الفطرة الإنسانية فالأولى بهؤلاء أن يشكروا الله على النعمة التي أنعمها عليهم بدل الجحود والكفران لأن الله تعالى ((ما جعل في يده -الشاعر- دون سواه ذلك السلاح القوي الحاد إلا ليستعمله في درء مفسدة، ودفاع عن مصلحة، وكذلك قوله: ((الشعر فطرة فطر الله الناس عليها ونعمة جزيلة ما أسبغها عليهم إلا لمثل تلك الأغراض الشريفة، فاستعمالها في غير ما خلقت لها كفران وجحود بالنعمة واستعمال لقوة هائلة ضد المصلحة)).

وبهذا نرى الشيخ يقر بما يسمى بمذهب "الفن للفن"، -كما نرى في مجال التنظير- لكن نراه يشترط الالتزام بالفطرة السليمة، لأن هذا الالتزام في حد ذاته إيمان ذاتي لا يؤثر على حرية التعبير لأن مجرد هذا الالتزام هو خدمة للمصلحة العامة، وبتعبير آخر فلابد أن يراعي الشاعر ما يسمى بالمصالح المرسلة، وهذه نظرة من الشيخ لها مايبررها كمصلح ملتزم بشرع الله. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فهذه النظرة هي التي يدعو إليها كثير من الكتاب والنقاد المعاصرين: أمثال محمد قطب في كتابه منهج الفن الإسلامي، وسيد قطب في معظم كتبه وبخاصة في التاريخ فكرة ومنهاج، مهمة الشاعر في الحياة، ولا ننسى الدكتور عماد الدين خليل، ومن جهة ثالثة فهذا الفهم يجعل للشاعر رسالة اجتماعية إنسانية لأن ((المصلحة الاجتماعية في حاجة أكيدة إلى سكون هؤلاء وراجة أولئك)).

وبذلك ناقش الشيخ في هذا التعريف الأخير عدة مسائل -حسب فهمي- من أهمها مسألة الفن للفن، والفن للأخلاق، ومسألة الالتزام والغاية من الفن، وكان في مناقشته هذه صاحب فكر إيماني، إذ ينطلق من المصلحة العامة التي حددها الشارع ورسمها الشارع الحكيم للمؤمن، وبذلك يكون بمثابة معْلم بالنسبة لهذا الموضوع في مدخله، حيث يعترف بالفن للفن -كما قلنا سابقا- وذلك حين يقول عن أصحاب الأدب المكشوف: ((فهم وإن أصابوا من حيث الفن لكنهم أخطأوا من حيث الغرض))، كما يعيب على هؤلاء الذين يستعملون شعرهم في الانحلال وإشاعة البغضاء والفاحشة، بعدم الالتزام بفطرة الله لأنهم يستعملونها في غير محلها.

أما إذا تجاوزنا هذه النقطة ودخلنا مع أبي اليقظان إلى أقسام الشعراء فإننا نرى الرجل يعتبر الفروق الفردية من حيث المواهب والملكات حكمة إلهية، إذ بواسطتها ((يعلم الإنسان أنه ضعيف بنفسه محتاج لأخيه فيتكافل معه...وإن بلغ ما بلغ فهو عاجز ناقص، والمقدرة المطلقة والكمال المطلق له سبحانه وتعالى)) لأن هذا التفرد ما وهبه الله للإنسان اعتباطا، وإنما منحه لكي يكون في خدمة الآخر، ومن هنا يتم التكافل الاجتماعي؛ وبهذا نرى أن شيخنا يتفق مع علماء الاجتماع من حيث التكافل الاجتماعي ولكنه يختلف معهم من حيث المبدأ.

وبعد هذا يتعرض إلى عدة قضايا من أهمها قضية المطبوع والمتكلف، إذ يرى أن المتكلف ولد ميتا فنحن في غنى عنه، أما المطبوع فهو ((الذي يجد صاحبه من طبعه ميلا غريزيا للشعر واستعدادا فطريا للقريض فيحلق في سماء الخيال حتى يناجي الأفلاك، ويغوص في بحور كما تغوص الأسماك، يسيل الشعر من مخيلته منحدرا على الصفحات كما تسيل المياه من رؤوس الجبال إلى الرياض الزاهرات)).

فصاحبنا يؤمن بتدفق الشعور الحر، ومن جهة ثانية فهو يؤمن بصفاء الخيال والذهن والفطرة، والتفرد. فهو يؤمن أن يكون للشاعر طابع شخصي يلمسه القارئ ومن ناحية أخرى فإن الشاعر الموهوب يرى بأنه يقع له المد والجزر، وذلك حسب الظروف والأحوال النفسية، مما يدل أن الرجل يعترف كذلك بأثر المحيط في النفس وأثر ذلك على شعر الشاعر رغم أنه يرى من الوجهة الفكرية أن الشعر وحي لا دخل للشاعر فيه -كما قلنا سابقا- كما يلح من جهة أخرى على رسالة الشعر في الحياة مادام هذا الشاعر مطبوعا موهوبا، ليقوم بمهمة إنسانية في الحياة، لأن الله سبحانه وتعالى ما خلقه مهبط حكمته، وكشف له من الحقائق ما أخفاه عن غيره إلا ليعيش حرا عزيزا ومرشدا أمينا، لا عبدا مهينا ومضلا خائنا معطلا. فالشاعر عنده (بمثابة الرسول) إذ أن الله كشف له بعض الأسرار وخصه دون خلقه ليكون قائدا للأمة ومرشدا أمينا ومحررا لها من ربقة الاستعباد، فالشاعر ينافح عن الحق، ويُمكن له مما يتطلب منه الصدق والنزاهة وجمال الاستقامة، وأنه كلما بهذه الصفات كلما ازدادت قريحته نبوغا وانكشفت له أسرار العالم، فهو كالتقي الورع الذي يرى ما يراه غيره، بهداية من المولى عز وجل، يقول أبو اليقظان: ((بهذا تنمو ملكاته وتغزر مادته وتفيض قريحته كما يبشر به قوله تعالى: }لئن شكرتم لأزيدنكم{ ، وقوله: }والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا{ ، فالشعر عند شيخنا مقاصده نبيلة شريفة تقرب صاحبها من قمة الجلال والكمال الإنساني، والشعراء ((لو استقاموا في تعاطيه واتقوا الله في سلوك مناحيه مع أوتوه من البراعة الفائقة والخيال النادر والبيان الساحر لبلغوا به غاية الجمال ولرقوا به قمة الجلال والكمال، ولكانوا هم ملوك الشعوب والقلوب))، وهكذا نرى أن الاستقامة من أهم شروط الشعر عند شيخنا فهي ترفع الشاعر إلى عليين في رأيه.

ولعل هذا ما جعله يقسم الشعراء في أغراضهم الشعرية إلى أقسام ويعيب على أولئك الذين جعلوا من هذا الشعر وسيلة للتكسب أو الجاه أو الغريزة أو إيقاد الفتن، إذ يرى أن هؤلاء هبطوا بالشعر من عليائه، وجعلوا الإنسان في منزلة الحيوان، والحيوان في منزلة الإنسان المكرم، لأن هؤلاء (هم الذين شوهوا وجه هذه الصناعة الشريفة وفتحوا فيها ثلمة لنقد الناقدين، وطعن الطاعنين، وصاروا حجة عليها لا لها في نظر بعض الناقمين)).

ونتيجة لما سبق نراه يشترط في الشاعر العفة، والنزاهة وعلو الهمة والشهامة، وسعة الاطلاع، وصحة الخيال، وسلامة الذوق، وراحة البال والعقل، وصفاء الذهن، واجتماع الهمة، وإقبال النفس مما جعله يلتقي مع الأقدمين وبخاصة أبي تمام في وصيته للبحتري، وكذلك آراء محمد تباطب في كتابه عيار الشعر، غير أن شيخنا يضيف شرطا أراه ذا أهمية وهو اطمئنان الخاطر وراحة البال لكي تستقبل مرآة خياله هذا (الوحي الخارجي) ويرتسم فيها، وكأن بمخيلة الشاعر -في رأيه- (ردارا) مستقبلا يستلزم الأحوال الجوية الصافية، ومن ثم يقوم بتحويلها إلى الجمهور، يقول الشيخ: ((أن يكون مطمئن الخاطر مرتاح البال، غير مشغول بما يشوه مرآة خياله التي يجب أن تكون في غاية ما يكون من النقاوة والصفاء لترتسم فيها الحقائق وتترآى له فيها اللطائف والدقائق حتى يتسنى له أن يولد من دماغه العرائس الغواني من المعاني ويكسوها حللا شفافة من المباني، ويزفها للقلوب قبل الآذان وللنفوس قبل اللسان)).

وهذا ما جعله ينصح بالابتعاد عن قول الشعر في حالات الغضب والهيجان والمشاحنات والحوادث المهولة المؤثرة ((لأن قوة الخيال ترسب تحت مطاوي هذه الأمواج المتلاطمة العظيمة)).

فشيخنا عمم أكثر مما يجب إذ أن بعض الشعراء تهزهم الأكدار والهموم فيقولون الشعر في أحرج الأوقات، وتكون قصائدهم أقرب إلى الصدق منها إلى التكلف لأن الباعث على قول الشعر ليس شرطا أن يكون في حالة الراحة النفسية فحسب، وإنما قد يكون في حالات أخرى، وهذا ما يذهب إليه الشيخ في مكان آخر إذ يقول: ((وهو لايكتب إلا في موضوع له باعث نفساني وداع إليه وجداني... فإن خير الكتابة ما كانت عن شعور وإحساس وتأثر وحماس... لأن ما يخرج من القلب يدخل في القلب)).

ثم يناقش قضية أخرى وهي ما يمكن أن نسميها الواقعية في الفن حيث يقول عن الشاعر الموهوب الملتزم ((يجسم الحقائق بمنظار مكبر ومسمع مجهر برائع الخيال، وأقرب تشبيه وأحسن استعارة، وأدق كناية وألطف إشارة حتى يجعلها كأنها ترى بالعين وتسمع بالأذن وتلمس باليد))، فحالات الصفاء هذه تجعل الشاعر يعيش الواقع فيصوره أحسن تصوير بحيث يجسم بخياله الخلاق المبدع تلك المعاني، ويكسوها بأسلوبه الجميل فتغدو من عرائس الشعر، لأن الشاعر تنعكس في مرآة خياله حقائق علوية أو واقعية لايراها كل الناس فيدخل عليها من خياله وصياغته لتخرج مولودا جديدا يهز القلوب ويدهش العقول بانسجامه وتوازنه. وحيويته حين تتشابك الألوان لتجسم لنا تلك الصور الشعرية الصافية حسب رأيه.

وخلاصة القول: إن شيخنا يرى للشعر جناحين أساسيين لا ينهض إلا بهما معا وهما: جناح علوي وجناح إنساني ميكانيكي، فالجناح العلوي هو ذلك الإلهام الإلهي الذي خص الله تبارك الشاعر به دون غيره، وهو نعمة تلهم الشاعر دقائق الأمور وجلائل الأعمال، حيث يكون منارة تلتقط تلك الأمواج والصور الموحاة إليه، وجانب ثان هو الجناح الإنساني الميكانيكي؛ وهي تلك الألوان التي يضفيها الشاعر على هذا الوحي من حيث الصياغة والانسجام والتنسيق وإقامة الوزن، فيكون الشعر روحا من حيث المنبع صنعة من حيث النظم؛ ورحانية الشعر تستلزم من صاحبها القدوة الحسنة والعفة والطهارة مما يجعله يرتفع إلى القيم الجمالية الكبرى، وبذلك يحرك الشعر الأعصاب الهامدة ويهز الأنباض الخامدة ويلحم ما تصدع من قلوب، ويداوي جروح المجتمعات والأفراد، وينمي عاطفة الصداقة والوداد ويحي النفوس الميتة ويصون الكرامة ويبعث على الاعتبار والاستبصار، لأن الشعر حسب شيخنا غريزة الإنسان وقبسة من نور الله لذا على الشاعر أن يكون شكورا لهذه النعمة.

وبذا نرى صاحبنا قد استطاع أن يرسم لنفسه منهجا محددا واضحا يعتمد على التحليل والتعليل والتفسير، مما أكسب منهجه النقدي سمة علمية مقبولة لدى المتلقي، على الرغم من تلك الظروف التي كان يعيشها الشعب الجزائري عامة والمثقفون منه بخاصة، كما لا نغالي إذا قلنا إن شيخنا يعد من الرعيل الأول الذين استطاعوا أن يضعوا أيديهم في عصر النهضة على ما تعارف عليه فيما بعد الدارسون (بالأدب الإسلامي)، حيث نظر لهذا الشعر منطلقا من الأصالة التراثية، ملتزما بالمناهج الحديثة مما جعله رجلا من رجالات الأمة التي استطاعت أن تواجه الغزو الفكري الاستعماري بكل أشكاله يوم كانت اللغة العربية في الجزائر شبه غريبة عن أهلها وديارها؛ تلك إحدى الخصال الحميدة التي تحسب لشيخنا وإخوانه الرواد الذين بذلوا الجهود المضنية في الذود عن حياض الأمة مما جعلهم معرضين لسهام المستعمر، هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإن البحث في مثل هذا الموضوع يكشف لشبابنا هذا الزاد الذي يقيهم من الغزو الثقافي ويرشدهم إلى سواء السبيل، ومن جهة ثالثة نرجو من مثقفينا أن يعودوا إلى كنوزنا فيستخرجوها لتكون معلما لبعض التائهين الذين تنكروا لهذا التراث أو للذين يجهلونه.

                        الموافقات/ع5/س5/1417هـ-1997م، من ص359 إلى ص366

أعلى الصفحة