الصفحة الرئيسية  | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان  | مؤلفات أبي اليقظان  ماكتب عن أبي اليقظان  |

  أصدقاء أبي اليقظانعائلة أبي اليقظان  | صور من بلادي  | مواقع تهمك  |  اتصل بنا|  

رؤية أبي اليقظان إبراهيم

الشعرية

                                                                  د. أحمد رحماني

 

توطئة: من الشعراء من يرى الكون بحسه هو، ومنهم من يراه تقليدا لغيره، ومنهم من يراه بكل جوارحه الظاهرة منها والباطنة، وهذا أفضل الشعراء، ومن هنا حصل الاختلاف في الرؤى الشعرية.

إذ تختلف رؤى الشعراء للكون والحياة وباختلاف بنياتهم الفكرية والنفسية والروحية باختلاف قدراتهم ومواهبهم الفطرية، لذلك نجد من الشعراء من يرى الكون من خلال حس غيره وبنيته الفكرية والنفسية والروحية، وهؤلاء من أَرْدَإِ الشعراء؛ لأن أدبهم الذي ينتجون يقوم على التقليد ويقف دون الإبداع والتوليد، وهذا النوع من الشعراء كثير، وفي الغالب الأعم يكون مؤشرا من مؤشرات السقوط الحضاري للأمة والانهيار الأدبي للشعوب، وهذا ما يلاحظ في أدب العصر الحديث ولا سيما التغريبيين. وقد نجد من الشعراء من يرى الكون بحسه هو، ولكن زاوية النظر التي يرى الكون من خلالها لا تكاد تتجاوز الحسن الظاهر، فتراه يعمد إلى تصوير الواقع الذي يراه، ويعجز عن تفسيره وتعليل حركته، لأنه لا يملك القدرات التي تسعفه على تخطي الحواجز واختراق الحجب المادية التي تعطل رؤيته للكون لافتقاره إلى النظرة القلبية والروحية التي تملك تلك القدرة العجيبة التي تمكن الشعر والشاعر من الغوص في أعماق الأشياء والإنسان والكون والحياة لتعرف كنهها وتسبر أغوارها.

وهذا النوع من الشعراء وصّاف للظاهر، وقاف عند السطوح، لكنه لا يتجاوز ذلك إلى اللبّ والباطن، ومن هنا تراهم لا يدركون "الجمال" إلا في الصورة الظاهرة للواقع أو الطبيعة أو الكون ولاشك أن إدراك الطبيعة وجمالها بهذا الشكل المسطح مذموم لدى كبار المنظرين لمسائل الجمال في الفكر الإسلامي، مثل الغزالي وابن قيم الجوزية، وفي الفكر الغربي مثل هيجل.

إن أبا حامد الغزالي كان يرى أن الجمال ينقسم إلى جمال الصورة الظاهرة المدركة بعين الرأس وإلى جمال الصورة الباطنة المدركة بعين القلب ونور البصيرة، والأول يدركه حتى الصبيان والبهائم أما الثاني فيختص بدركه أرباب القلوب ولا يشاركهم فيه من لايعلم إلا ظاهرا من الحياة الدنيا.

وإن ابن قيم الجوزية كان يرى أن: ((الجمال الباطن يزين الصورة الظاهرة وإن لم تكل ذات جمال)). وإن هيجل كان يرى أن: ((الإدراك الحسي البحت هو أسوأ إدراك وأقله ملاءمة للروح وهو يكمن بصورة رئيسية في النظر، في السمع، في الإحساس)).

كل هذه الآراء تؤكد قلة شأن الرؤية الشعرية والجمالية التي تقف عند مجرد الظاهر وتعتمد -فقط- على الحس في تصوير الطبيعة ووصف الواقع، ولكن ذلك لا ينبغي أن يكون لهذا النوع من الرؤى الفنية قيمتها في الحياة، غير أن أصحابها لا يملكون ما يرفعهم لدرجة أعلى، ويعينهم على إدراك أعمق.

فنحن نجد نوعا ثالثا من الرؤى الشعرية يتميز أصحابها بعمق النظر، لأنهم يرون الكون والواقع والإنسان والطبيعة في أوضح الصور، ويدركون أعماق كل شيء إدراكا مكينا، فهؤلاء هم أرباب القلوب الذين يختصون بدرك الأشياء والناس والكون بالبصيرة والبصر معا يقول الغزالي: ((كل جمال وحسن فهو محبوب، والصورة ظاهرة وباطنة، والحسن والجمال يشملهما، وتدرك الظاهرة بالبصر الظاهر و الصورة الباطنة بالبصيرة الباطنة))، وأحسب أن هذا الصنف هو المستثنى في آية الشعراء.

ومعنى ذلك أن مستوى الإدراك يختلف باختلاف مجموعة من العوامل منها الفطري ومنها المكتسب، وعلى أساس هذا الاختلاف في القدرات تختلف الرؤى الشعرية بساطة وعمقا واتجاها، ويعظم هذا التفاوت بين الرؤى إلى أن يصل إلى درجة تصبح المقارنة بين الأنماط الشعرية نوعا من السذاجة.

وقد عملت العقيدة الإسلامية على تعميق رؤى معتنقيها كما عملت على إعطائها تصورا متميزا عن تصورات غير معتنقيها تمييزا واضحا سواء على المستوى التنظيري أو على المستوى التعبيري، يقول سيد قطب: ((لقد رفع الإسلام ذوق المجتمع الإسلامي وطهّر إحساسه بالجمال فلم يعد الطابع الحيواني للجمال هو المستحب بل الطابع الإنساني المهذب، وجمال الكشف الجسدي جمال حيواني يهفو إليه الإنسان بحس الحيوان، مهما يكن من التناسق والاكتمال، فأما جمال الحشمة فهو الجمال النّظيف الذي يرفع الذوق الجمالي ويجعله لائقا بالإنسان، ويحيطه بالنظافة والطهارة في الحس والخيال)).

وقد كان الشاعر -إبراهيم أبو اليقظان (1888-1973)- أحد هؤلاء الشعراء الذين تميز حسهم النقدي والتعبيري على حد سواء بأن صبغ برؤية إسلامية عميقة يدرك بها العلاقات الخفية والظاهرة بين الأشياء والناس والأفكار فيصوغها صياغة نظرية أو تعبيرية لها مذاق خاص، قال عنها عبد الحميد بن باديس وهو بصدد تقديم أحد دواوينه: ((هو الرجل الذي يجعل قلبه ولسانه في صف واحد فلا ينطبق هذا إلا بوحي ذاك ولا يشعر ذلك إلا وترجم عليه هذا وإن تكلم في موضوع محلي فأنت ترى تلك الروح الوثابة الحساسة تتجلى على كل مصراع، بل ربما على كل كلمة من كلماته)).

وقد تتبعت رؤيته الشعرية والنقدية تتبعا أوليا فوجدت رؤيته -فعلا- كما وصفها الشيخ عبد الحميد بن باديس، رؤية تخلو من التناقض وتتجلى بروح واحدة في جميع الموضوعات والأغراض التي كان له فيها شعر، فرؤيته كانت دائما رؤية إسلامية طاهرة من أي غبش فكري هجين كالذي نجده عند كثير من الشعراء الذين وقعوا تحت الضغط الفكري والإيديولوجي والنفسي الذي مرت به ولا تزال تمرّ به الثقافة في العالم الإسلامي كله.

ولكي نعطي هذا الحكم معناه العلمي علينا أن نسبر معا أغوار شعره مبتدئين الحديث عن البعد العقدي ثم السياسي ثم الإصلاحي لنصل إلى الأسلوب التفسيري المتبع في تفسيره لكل تلك القضايا والأبعاد.

لكن قبل ذلك كله لابد أن ندخل من خلال رؤيته النقدية لمهمة الشعر في الحياة الإنسانية لأن الوقوف على المعرفة النظرية عند شاعر ما، والوقوف على الطرق المتبعة في فهمه للحياة وطرق التعبير الشعري عنها يعين الدارس على توجيه النص الشعري توجيها سليما وعلميا إلى حد كبير.

أولا: رؤية الشاعر النقدية لمهمة الشعر: حينما عرف أبو اليقظان الشعر تجنب التعريفات التي تنصب على شكل الشعر مثلما فعل قدامة بن جعفر أو ابن طباطبا، بل تجنب حتى التعريفات التي تنبثق عن مفهوم الصورة كما الحال مع الجاحظ أو مفهوم الشعور كما عند ابن وهب، تجنب كل ذلك ليعرف الشعر من زاوية "الرؤية الشعرية" حينا والروح الشعرية أخرى، والمقاصد والأغراض ثالثة، وذلك كله دون أن ينسى وحي الخيال.

فهو حين يعرف الشعر بقوله: ((الشعر قالب عليه تسبك أغراض الإنسان وتصاغ غاياته وتفرغ مراميه))، لم يكن يضع نصب عينيه الجوانب الشكلية للشعر وإنما كان يركز على "المقاصد الإنسانية"، وقد يتبادر إلى الذهن أول الأمر التساؤل التالي: ما هي هذه المقاصد؟ وهل تكون واحدة لدى الإنسانية أم متغيرة بتغير الرؤى والمناهج والأعراف؟

حقا إن أبا اليقظان لم يفصح عن مراده هنا ولكن الأقرب إلى منطق أن تكون المقاصد التي يعنيها هي المقاصد والأغراض التي تشكل الحقل المعرفي الذي ينتمي إليه الفكر الإسلامي كله وهي مقاصد الشريعة التي حددها قديما الشاطبي في دائرة: حفظ الدين من جانب الوجود وحفظ النفس والعقل والنسل والمال من جانب الوجود والعدم.

ومهما يكن المراد من "المقاصد والأغراض" التي ينبثق منها تعريفه للشعر فإن توجيه شعره ينبغي أن ينطلق من هنا، بغض النظر عن كون المقاصد التي يعنيها هي هذه أم المقاصد التي رسمت من بعد في نظرية الشعر عند طودوروف أو توماشفسكي.

إن الأمر لايتغير كثيرا لأن المهم عندنا هنا هو تحديد زاوية النظر لأبي اليقظان أهي جمالية إصلاحية أم جمالية جمالية؟ ثم تحديد نظرية المقاصد الشعرية.

إنه يعرف الشعر مرة أخرى بقوله: ((هي تلك الروح التي يودعها الشاعر في خلال بيته بقوى بيانه الساحر فيدخل بدون إذن في آذان السامعين فينفذ إلى قرارة نفوسهم فيكون فيها إحساسا رقيقا وشعورا حيا فتتدارك مافاتها من عز وسؤدد ويضرب على أوتار قلوبهم فتهتز لنبراتها أعصابهم وتشتعل بنيران الحماس أدمغتهم فتتسابق إلى الامتثال جوارحهم، ذلك هو الشعر وهذه ثمراته، وكل ما كانت هذه آثاره فهو شعر سواء أكان نظما أم نثرا ومالا فلا، والشاعر بالمعنى الأول يعد شاعرا حقيقة وبالمعنى الثاني يسمى ناظما وليس من [الشعر] في شيء)).

إن مفهوم الشعر هنا يتحدد بالرسالة التي يؤديها لا بالشكل الذي يظهر به لأن الشكل طعم وسحر من وظيفته فتح الشهية للتلقي أمّا ما بعد ذلك فهو الرسالة التي يحملها، فإن كوّن في النفوس إحساسا رقيقا وشعورا حيّا فانطلقت لتتدارك الشرف والعزّ والسؤدد فهو الشعر بغض النظر عن الصورة التي يظهر بها، فالأساس في تمييز الشعر من غير الشعر هو الفاعلية وليست الصيغة.

إن فهم الشعر من جهة الرسالة الفاعلية والمقاصد والغايات والمرامي قد أدى إلى أمر آخر مهم في تحديد الرؤية عند أبي اليقظان وهو أن الشعر نور، وله عندئذ فاعلية النور، بحيث يملك قوة إزالة الحجب أمام البشرية لترى الكون والحياة على حقيقتهما: ((الشعر في نفس الشاعر نور، مثل نوره كمشكاة... يرسل أشعته من نافذتها فيضىء بها بطون الليالي المقبلة مدى العصور)).

ولا شك أن كشف الحجب عن الكون والحياة هنا من شأنه أن يحيل بالضرورة إلى مسألة هامة هي الرؤية المستقبلية للأدب. حيث يصبح الشعر بمقدوره أن يزيل أحيانا الغموض على بعض الأحداث، وهذه في الواقع هي سمة الشعر الإسلامي الذي كما حدده غارودي بقوله: ((الأدب الإسلامي الذي كان يشكل الشعر الجزء الأساسي فيه هو شعر تنبؤي قرآني في جوهره)).

ومعنى كل ذلك أن أبا اليقظان كان قد اهتدى لمفهوم دقيق للشعر يحدد الماهية من خلال الوظيفة، ويحدد الوظيفة من خلال التصور، ويجدد التصور من خلال الإيمان، لأن الإيمان في النهاية هو الذي يضيىء كما تقول ندوة الأدب التي عقدت بأروبا بحضور الناقد الكبير ت.س. اليوت سنة 1935م.

ولاشك أن الذي يجعل الأدب كذلك هو كون رؤية الفنان للحقيقة هي وليدة الامتزاج الحقيقي المباشر بين قلب الفنان وعقله من ناحية ومظاهر الحياة من حوله من ناحية أخرى، ذلك لأن الخيال الشعري يركب بواسطة المزج بين المعطى الفكري والمعطى العاطفي الواقعي والتاريخي صورة تملك قوة الاعتبار من حال واقعة إلى حال مستقبلية يشوبها شيء من الغموض.

إن "الإيمان الذي يضيىء" هو نقطة الانطلاق في تحديد مفهوم الشعر عند أبي اليقظان، وآية ذلك أنه حينما يحدد الشعر الصالح ليميزه من نقيضه وهو الشعر الفاسد يرى أن: ((ذلك ليس ناشئا عن الشعر نفسه وإنما ينشأ عن ضعف الإيمان وقلة اليقين))، بل إن آية ذلك هو الربط بين الشعر والفطرة السليمة، فالشعر عنده فطرة فطر الله الناس عليها ونعمة جزيلة ما أسبغها عليهم إلا لتحقيق الأغراض الشريفة والمقاصد النبيلة، فاستعمالها في غير ما خلقت لها كفران وجحود للنعمة واستعمال لقوة هائلة ضد المصلحة، وعوض أن يستعملها الشعراء جميعا في منفعة أنفسهم ومنفعة أمتهم فقط أخطأ بعضهم واستخدمها في مضرتهم جميعا فأصبحوا بذلك جناة على المجتمع كما أنهم جناة على تلك الفطرة نفسها. من خلال هذا المفهوم النظري لروح الشعر ورسالته في الحياة، وهو مفهوم يتميز عن غيره من المفاهيم التي ألفناها عند كثير من النقاد يمكن أن ندخل إلى الرؤية الشعرية لهذا الشاعر.

ثانيا: رؤيته الشعرية للكون والحياة: فهم الشاعر للمكونات الأساسية للكون والحياة وعلاقة هذه المكونات بخالقها ومبدعها الأول هو الذي يحدد رؤيته الشعرية، ومن ثم كان الفرق واضحا بين رؤية العالم كما يحددها لوسيان قولدمان، ورؤية الكون كما يحددها التصور الإسلامي لكن في جميع الأحوال يكون المنظور الذي يكتب منه الفنان عمله هو الذي يحدد رؤيته للعالم.

وبمقدار ما تكون هذه الرؤية ارستقراطية أو بورجوازية أو بروليتارية أو ملحدة أو مؤمنة بقدر ما يكون فنه مصطبغا بتلك الصبغة، وقد استطاعت بعض الدراسات الإسلامية الجديدة التي تنطلق من الرؤية الأدبية أن تبين بحق مسايرة الشاعر محمود حسن إسماعيل لخصائص الرؤية الإسلامية في الأدب وتفرد رؤيته الإسلامية في تأملاته الغيبية والنفسية متخذا في ذلك وسائل غير وسائل الصوفيين.

من هنا نتساءل: فيم تتمثل رؤية الشاعر أبي اليقظان؟ وما طبيعتها؟ وما خصائصها؟

حقا إن الشيخ عبد الحميد بن باديس حين قدم ديوان أبي اليقظان كان قد وضع أصبعه على نقطتين هامتين في هذا المقام هما: صدق الشاعر إذ كان "يجعل قلبه ولسانه في صف واحد" وإخلاصه للإسلام إذ هو "مسلم أخلص لله دينه، يجعل الإسلام في الصف الأول من كل أعماله، وهاتان النقطتان تحددان في الواقع المنظور الشعري للشاعر، إذ تنسحب هذه الصفات على كل شعره لأنها تنبثق من رؤيته العميقة، أي من البؤرة النفسية التي تجتمع فيها كل مكونات الشخصية.

ولبيان ذلك لا محيد من أن نتوقف عند عدة مسائل تعد محطات أساسية في الرؤية الشعرية للشاعر هي:

مفهوم الإسلام وعقيدة المسلم: ينطلق هذا المفهوم من "التوحيد" ومن خلاله تشعّ بقية الأفكار الجزئية التي تحدد "مفهوم الإسلام"، فهو حينما ينشد بمناسبة تحويل الكنائس إلى مساجد سنة 1962 قصيدته "تطهير بيوت الله" قائلا:

في مسمع الدنيا يسيل حنانا
أن ينصرن فيعبد الرحمانا
جنباته وينكس الصلبانا
وحنوا لها بل قربوا القربانا
العزيز فحطم الطغيانا

 

الله أكبر يملأ الآذانا
والملك يومئذ له ولحكمه
فغدا يردد قولة التوحيد في
أين الذين تمسحوا عزا بها
الله أكبر حق وعد الله بالنصر

 

فإنما يعطي كان يحدد الفعل الثوري من المنطلق التوحيدي ويعطي الصراع بين الشعب والمستعمر (المستدمر) بعدا عقديا محددا يتمثل في "قولة التوحيد" إذ بها يأخذ الصراع معناه المقدس، فتصبح مصارعة أهل الكفر والصلبان والمتمسحين بالصليب -نشدانا للعزة في غير موضعها- هي المصارعة المقدسة التي يقبل عليها المرء وهو يشعر بأنه يقوم بالواجب الذي يستحق بسببه النصر وإنجار الوعد الرباني في تحطيم الطغيان.

والشاعر حينما يجعل نواة المنطق الفعلي هي "قولة التوحيد" ويبني عليها بعد ذلك السلوك البشري في مستوياته العليا والدنيا على حد سواء، فإنما يفعل ذلك بناء على سنة من سنن الله في إقامة السلطان وإدمة الملك وأو زلزلته . فالعدو لم ينهزم لأن الجيوش الإسلامية كانت أقوى عدة وعتادا وإنما انهزم لأن كلمة "الله أكبر" أقوى من كل قوة، وعليه فإن الطغيان قد حطم بالكلمة الصادقة قبل أن يحطم بالمدفع والدبابة، وفي ذلك في الواقع صياغة لمعنى قول الله تعالى: }وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى{ ويتجلى ذلك في قوله:

والله حفكم بنصر كامل         وبفضله حطمتم العدوانا

فما يحدث من هزائم أو انتصارات لا يخضع دائما لقانون السببية في مستواه المادي الذي نفسر فيه النتائج دائما بمقدمات مادية، لأن لله في خلقه شؤونا نجهلها متى كان تفسيرنا للأحداث في غياب الوعي الروحي، لأن هذا الوعي حينما يحضر بخصائصه في أمة يصبح للتفسير التاريخي معنى مختلفا، نراه بارزا في غزوة حنين التي أعجب فيها القوم بقوتهم فانهزموا: }ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين{.

في مثل هذه الحادثة يتوقف تفسير الأحداث في صوء القانون المادي للأسباب، ليظهر القانون الروحي، ولذلك وجدنا رسول الله e ينادي وهو في المعركة والقوم فارون "أصحاب العقائد" بصفة خاصة يقول الغزالي: ((لقد هداه الحق أن يهتف بأصحاب العقائد ورجال العقائد عند الصدام فهم وحدهم الذين تنجح بهم الرسالات وتفرج الكروب، أما هذا الغثاء من العوام الحراص على الدنيا، السعاة إلى المغانم فما يقوم بهم أمر أو تثبت بهم قدم)).

إن الشاعر أبا اليقظان كان إذن ينطلق في رؤية عقدية توحيدية تجعل من التوحيد النواة التي تنبثق عنها تصرفات وسلوكات البشرية في الصغير من أمرها والكبير.

تلك هي القاعدة الأساسية في تصور الشاعر ورؤيته، ولكن ذلك لا يهمش جوانب هامة في هذه الرؤية، إذا يعد التمسك بكتاب الله وسنة رسوله أساسا من أسس استمرار في قصيدة "حياة النبي e يتساءل تساؤلا العارفين:

ويعلو صيتهم في العالمينا؟
كما كانت بعهد الراشدينا

 

متى يعتز شبان المسلمين
وتقوى شوكة الإسلام حقا

 

وهو تساؤل -كما ترى- يحمل دلالة عميقة لأنه السؤال الذي طرحه غير واحد من كبار مفكري السؤال الذي إما بصيغة: لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ وإما بصيغة: أين الخلل؟.

فهذه الأسئلة الكبرى كلها تنشد طريق النهضة ومنهج العودة إلى دولة العز التي لم يعرف التاريخ في أي لحظة من لحظاته دولة رضي الله عليها وصرح بذلك بما لا يدع مجالا للشك كما رضي عن تلك الدولة المحمدية التي وصف بناتها بأنهم ممن "رضي الله عنهم ورضوا عنه".

إن لشاعر يطرح هذا السؤال ثم يعمل فكره وشعوره في الطروحات الحضارية المختلفة فإذا هو يرفض مبدأ الصدفة وخلق الاستكانة والجمود والذوبان في الغير، يرفض كل ذلك كصيغة من الصيغ المطروحة في الفكر العربي المعاصر ثم يقرر ما يراه، في رؤية شعرية يتعانق فيها القلب والعقل لتكون رؤية شعرية لها مذاق الشعر الرسالي الحق.

ننال الظفر والعز المصونا
الحكيم فلم يزل حبلا متينا
وعن آثار خير المرسلينا
السعادة، كنزها دنيا ودينا
الحياة وشمسها في الآبدينا
لهذا الكون يحي الميتينا
لتحرير الشعوب البائسينا
وإنقاذ لهم من مرهقينا
نظاما لم يضعه الواضعونا
قواعد حار فيها الباحثونا
فتمت رغم أنف المفسدينا
وذاك نظامه للعالمينا
بأمتهم لصف الناهضينا؟
ويعلوا مجده متماسكينا؟
لنا أسمى مقام الكاملينا؟

 

خليلي لا بذاك ولا بهذا
ولكن بالرجوع إلى الكتاب
وتطبيق لحال العصر عنه
رسول الله سرّ الكون، رمز
رسول الله قلب الخلق روح
أتى كملقّح بذر الحياة
أبي يدعو إلى الإسلام حقا
ولخليص العباد من العباد
وأسس لاجتماع واقتصاد
وأنشأ في السياسة والحروب
ورسم خطة للكون فيها
وتلك حياته المثلى لدينا
فهل من مقتفين به فيرقوا
ويحييوا عزة الإسلام حقا
ألسنا خير أمة، خير قوم

 

إن الرؤية الشعرية هنا، وفي هذه الأبيات -التي اقتطعتها من قصيدة طويلة اقتطاعا يمكن أن يخل بالتصور والفكرة- تنقلنا إلى أجواء يتعانق في أحداثها نبض القلب مع حكمة العقل ليعطيا تفسيرا إسلاميا لمشكلة النهضة، وبذلك أضحت الفلسفة الغربية بكل مدارسها عاجزة عن تقديم الحل الأسمى والمنهج السليم لهذه الأمة في رأيه:

فمن "روسو" ومن "هوجو" ومن                إذا قيسوا برأس المصلحينا؟

ورأس المصلحين هو محمد e وعليه فإن الرجوع إلى الكتاب الحكيم هو وحده الذي لا يزال الحبل المتين الذي متى كانت لنا عقول تقدر على تنزيله على الواقع المعاصر لتحلل أحداثه وحركة التاريخ فيه على ضوئه وضوء سنة الرسول e تحققت المعجزة المنتظرة كما تحققت زمن الخلافة الراشدة.

فالرسول لدعوته الربانية هو سر الكون، وهو رمز السعادة وهو مفتاح مااستغلق من أمور دنيانا وأخرانا، ذلك لأنه جاء من لدن الله ليبذر بذرة الحياة التي تحيي في هذا الكون الموتى حضاريا والموتى عقديا والموتى اجتماعيا وأخلاقيا وسياسيا واقتصاديا.

إن الرؤية الشعرية هنا ترى حركة التاريخ من خلال تقاطع الثابت المتغير ولذلك تمكن الشاعر من التيقن مبكرا من أن النظريات الغربية لا تملك أن تجيب عن التساؤل الحضاري الجديد، لأن "هوجو" و"روسو" ومن سار على دربهما قد ظلّوا الطريق حينما فرقوا بين الثوابت والمتغيرات ولم يتعاملوا معهما متظافرين في حلّ المشكلات الحضارية، في حين كان النبي e قد اعتمد في تأسيس المجتمع عليهما بحسب الوحي.

وأسس لاجتماع واقتصاد               نظاما لم يضعه الواضعونا

هنا يكمن السر، هذا يضع قواعد تنزيلية جاءت من عليم حكيم، وأولئك يضعون قواعد يستنبطونها من الواقع وحده، والواقع يعجز عن تقديم البديل الأصلح، وإذا كان كذلك فإن في حياة الرسول e "المثل" الأكمل وفي نظامه نموذج الصالح لكل زمان ومكان.

ولهذا السبب تساءل الشاعر مرة أخرى في آخر هذه القصيدة التي تعد من الأدب الإسلامي الرسالي كما يلي:

بأمتهم لصف الناهضينا؟
لنا أسمى مقام الكاملينا؟

 

فهل من مقتفين به فيرقوا
ألسنا خير أمة، خير قوم

 

إن النهضة في هذه الرؤية الشعرية متوقفة على اقتفاء أثر الرسول ومعناه أن النهضة التي يتحدث عنها ويدعو إليها هي التي ترفضها بعض الرؤى التغريبية التي ترى في المشاريع الغربية مثلها الأعلى، وهنا يكمن سر الصراع في الوطن العربي خاصة والعالم الإسلامي عامة. إذ ترى الرؤية الإسلامية الخيرية والتقدم والازدهار في التمسك بثوابت الأمة كما يصوغها الوحي قرآنا وسنة بينما ترى الرؤية التغريبية الخيرية والتقدم في الأخذ بمنهج اللائكية.

وهذا الصراع هو الذي جعل الشاعر يصوغ المسألة معتمدا على الآية القرآنية الكريمة التي تنص: }كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله{. وإذا أخذنا فعل الكينونة هنا على أنه قد صيغ في الماضي ليفيد استغراق الأزمنة الثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل فإننا نستطيع أن نستنتج أن الشاعر يرمز إلى مسألتين من أهم المسائل المتعلقة بمشكلات الحضارة هما:

أ- الخيرية متوقفة على ثلاثة عناصر هي: الإيمان بالله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهذه العناصر تعيدنا في الواقع إلى بداية الحديث عن الرؤية الإسلامية لهذا الشاعر وهي انبثاق الأفكار والأفعال عن التوحيد.

ب- النظرة المستقبلية التي يوحي بها فعل الكينونة تحولت بسببه الآية إلى الأسلوب الشرطي، بحيث يصبح المعنى كما يلي: من كان يريد أن يكون خير أمة فعليه أن يؤمن بالله ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وبذلك تنتهي القصيدة للحظة تنوير وتفاؤل يمثله الشطر: "لنا أسمى مقام الكاملينا"، ولكن ذلك ليس مطلقا فهو مقيد في نظره بمدى وعي الأمة بهذا الشرط، إذ أن النظرية لها عكسها لذا قال:

لا نهي بل لا أمر بل لا منهي    وكذاك كان ختام كل الهالكينا

وبهذه الفكرة يلتقي تماما مع المفكر مالك بن نبي -رحمه الله- الذي كان يرى أن النهضة مشروطة بالتشبث بالمبادئ: ((وليس يكفي مجتمعا لكي يصنع تاريخه أن تكون له حاجات، بل ينبغي أن تكون له مبادئ ووسائل تساعده على الخلق والإبداع)).

والواقع أن تحديد "مقام الكاملين" بالضبط اعتماد على الإحالة إلى الآية السابقة بحمل دلالة كبيرة في التفسير الحضاري للأدب، إذ أن "الكمال" هو مطلب جميع المصلحين وهو غاية الأنبياء والمرسلين، ولئن كانت الطروحات الحضارية تختلف في الطريق إلى ذلك فإن الرؤية الشعرية هنا قد حددت الطريق إليها في مطلع القصيدة كما رأينا ورجعت إليه في خاتمتها، وذلك لتبين أنه: ((على هذا المنوال جاء الإسلام لينسج حضارته العظيمة حين وهب للعالم تماسكا وروحا جماعيا، خطّ له اتجاهه التاريخي بعد أن كانت تسوده الأهواء الفردية، لقد (جعل) القرآن من البدوي إنسانا متحضرا)).

إن رؤية هذا الشاعر إلى الحياة عميقة ومتماسكة ومنسجمة ولهذا تراه في قصيدة أخرى، وفي مناسبة أخرى يطرح الموضوع مقترنا بالمساجد باعتبارها مهد الحضارة الإسلامية ومنبرها الإعلامي الذي تعلن فيه عن أفكارها ومشاريعها، وتعمل من خلالها على تغيير النفوس والعقول والواقع.

ثانيا: مفهوم الإصلاح: من الطبيعي أن ينبثق مفهوم الإصلاح والتغيير من مفهوم الإسلام الذي يدور حول محور واحد هو الله وينطلق من نواة واحدة هي التوحيد.

وعلى هذا الأساس كانت الرؤية الشعرية في المجال الإصلاحي تتحرك بالعدسة نفسها التي كانت تتحرك بها في مفهوم الإسلام، وآية ذلك أنه قد قال في مقدمة قصيدة ألقاها في مهرجان جمعية العلماء سنة 1934: ((أيها السادة لا يخفاكم أن جمعية العلماء بمثابة الطبيب الحاذق والأمة الجزائرية بمثابة المريض، وقد انتابته العلل والأسقام من نواح مختلفة، فحص ذلك الطبيب هاتيك العلل فأرجعها إلى علة واحدة ألا وهي ضعف الإيمان ولهذا فقد وجه كامل جهوده لمعالجة هذا المرض قبل كل شيء)).

وهذا النص على قصره يعد مفتاحا أساسيا في الدخول للرؤية الإصلاحية في شعر أبي اليقظان، إذ كشف لنا أن العلل الإجتماعية والسياسية والفكرية والاقتصادية، والأخلاقية مردها جميعا إلى سبب واحد هو "العقيدة" وعلى هذا فإن إصلاحها يتوقف على إصلاح العقيدة.

على أن المنهج الإصلاح يختلف عن منهج التغيير، لأن الأول يليق في مجتمع علته هي "ضعف الإيمان" أما الثاني فيعتمد في مجتمع لا إيمان له، ومن هنا وجد الطريق إلى العلاج في الإصلاح، بينما كان قد وجده في الموقف الخاص الذي نظر فيه إلى المستعمر في المنهج الثاني "الثورة" والتغيير الجذري" إذ كان قد دعا إلى تنكيس الصلبان وتحطيم الطغيان كما رأينا، ووصف لحظة الانتصار وصفا يعج بالألفاظ الثورية كالمدفع واللهيب والثوار والدماء والأنصار وغير ذلك مما يمكن أن يلاحظ في قوله:

ولهيبها يا أيها الثوار
تصبو لها يا أيها الأحرار
نحو المرام فهابكم فجار
ونجمة، وكذلك الأنصار

 

سكتت مدافعكم وخف دويها
من بعد ما أدت مهمتها التي
أجريتم سفنا على بحر الدما
بدلتم العلم المثلث بالهلال

 

إن المنهج هنا منهج تغيير ثوري يستهدف الجذور لاستئصال الاستعمار الذي كان يحس به دائما جسما غريبا على هذا المجتمع في كل مقوماته.

إن الرؤية الشعرية في مجال الإصلاح تختلف عن الرؤية التي رأيناها في مجال التغيير وسبب ذلك أن زاوية النظر كانت تختلف، باختلاف الإيمان الذي من طبيعته الزيادة والنقصان، والوجود والعدم، فالإيمان الذي يضيء للشاعر زاوية النظر هو نفسه الذي يستخدم مقياسا لاختيار المنهج الذي يتراوح بين الثورة والإصلاح.

على أن الإصلاح قد يعمد إلى الجزئيات فيجسمها ليفحصها كالطبيب الماهر لعل العلاج يكون أيسر، ومن هنا كانت الرؤية تتوقف أحيانا عند هذه الجزئيات لتبرزها.

ويأتي على رأسها فساد العلم والعلماء، إذ بفسادهم تفسد الأمة وبصلاحهم صلاحها، ومن ثم نجده يفرق بين نمطين من العلماء:

1- المصلحون، وهم الذين:

لها السبيل بحالك الأعصار

 

يستجلبون من المعارف ما يضيء

 

2- المفسدون وهم الذين:

أنوارها كاللص من إقمار
ويعاكسون مجاري الأنهار
يخشونه من قوة الجبار

 

يتأملون من العلوم إذا بدت
يقفون في سبل النهوض كعثرة
يخشون من ظل الموظف ضعف ما

 

وهذا يبين أن حجر الزاوية في الرؤية الإصلاحية لدى أبي اليقظان تتسم بالشمولية والتركيز على نقاط القوة والضعف، فهو لم يعمد إلى الإصلاح السياسي لأن ذلك يتطلب وسائل وإمكانات قد يعجز عن تحضيرها فضلا عن استحالة تحقيق الهدف بها في ذلك الوقت على الأقل، وإنما عمد إلى إصلاح العلماء أي إصلاح الثقافة، وبهذا يختلف بعض الاختلاف منهجه عن منهج المصلحين في المشرق إذ أن الشيخ محمد عبده قد واجه مشكلة الإصلاح من زاوية مختلفة فبعد أن أدرك حقيقة المأساة الإسلامية وجد من الضروري أن ينظر إليها كمشكلة إجتماعية على حين أن أستاذه جمال الدين قد تناولها من الزاوية السياسية، أما هو فيواجهها من الزاوية الثقافية، فمنهج أبي اليقظان يصب في منهج الشيخ عبد الحميد بن باديس، فكلهم رأى الإصلاح في العقيدة عن طريق إصلاح العلماء وربما لذلك السبب كانت الحركة الإصلاحية في الجزائر مطبوعة بهذا الطابع سواء في الشمال حيث كان يتحرك إمام النهضة أو في الجنوب حيث كانت تتحرك أقلام مثل الشيخ بيوض وأبي اليقظان والشيخ اطفيش، ففي الجزائر بصفة عامة كانت الجهود الإصلاحية منصبة على إصلاح العقيدة بإصلاح التعليم، ولذلك كانت الحركة "قد أفسحت المكان شيئا فشيئا لقيام مؤسسة عظيمة الأهمية هي مؤسسة التعليم الحرّ".

ولقد كان هذه الرؤية الجزائرية المتميزة خير سلاح يقاوم به الاستعمار الفرنسي الذي كان يتميز بحقد دفين على المعارف الإسلامية، ترجمته السلوكات العدوانية التي كانت تشن على العلم بضراوة ووحشية كبيرة.

إن الرؤية الشعرية الإصلاحية التي تميز أبا اليقظان كانت تتحرك في المجال الزماني والمكاني الذي صنعته الأجواء العامة للوطن، ومن ثم كان صورة لنشاط الجمعية الإصلاحية، ولكن ذلك لم يمنع الرؤية من أن تتجاوز مسألة "العلم" إلى مسألة أخرى هامة هي "التطور والتجديد" ولهذا نجد الشاعر يصوغ هذه القضية كمشكلة حضارية كما يلي:

 

برجالها الأخيار والأشرار
ورقيها في سائر الأطوار
فيه الصلاح ودفع كل طوار
المختار والإجماع والآثار

 

إن البلاد حياتها ومماتها
فالأولون مجددون لمجدها
يتطورون مع الزمان لجلب ما
بعد التمسك بالكتاب وسنة

 

الثابت والمتغير هو حجر الزاوية في الصراع الداخلي للشعوب والأمم، وبقدر نضج الوعي بهما وبحركة التاريخ في ظلهما وعدمه يتحدد الصراع في طبيعته وقوته وعنفه ولينه، وهذه المسألة الهامة هي التي تصوغها تلك الأبيات لتفرق بين الأخيار والأشرار، فالأخيار يفهمون الحياة فهما يتماسك فيه المتغير بالثابت، ومن ثم يصبح التمسك بالكتاب والسنة منسجما تمام الانسجام مع التجديد والتطوير والتحديث، لما كانا يمثلان الوحي الذي يخاطب الإنسان من حيث هو إنسان لا من حيث هو عرق أو جنس من الناس يتميز بقومية أو بجهة أو بعنصرية معينة، وفي مثل هذه الحال التي يكون التصور قادرا على المزج بين الثوابت والمتغيرات تكون البلاد في أمن من السقوط وتكون الحضارة في أمن من الانحدار، ومن ثم كان التركيز على نوعية الرجال العلماء بمثابة قاعدة لضمان "حياة البلاد"، لأنهم يضعون عينا على الثابت وعينا على المتغير لئلا يتسبب تضييع أحدهما في موت البلاد.

أما الأشرار فهم أولئك الذين تقف بهم عقولهم دون إدراك حركة التاريخ في ظل ثنائية شرطية تجمع بين الثوابت والمتغيرات، ومن ثم تجدهم إما مضطرين لتقليد الغرب ظنا منهم بأن المتغيرات عندهم تتحرك في غياب ثوابتهم، وهذا جهل فظيع تقع فيه كثير من الذهنيات، إما مضطرين لتقليد السلف كيفما اتفق، دون قدرة تعينهم على التمييز بين ما هو ثابت وما هو متغير، ومن ثم يتعاملون مع الثراث تعاملهم مع الوحي وهذا عين الفساد في التصور.

إن هذين النمطين يعدهما الشاعر من "الأشرار" لأنهم في الحقيقة يلتقون في نقطة واحدة على اختلاف مذهبيهما وهي "تبديد الشمل"، وعلى حد تعبيره:

ولما لها من عزة وفخار
ويعاكسون مجاري الأنهار
يبدو من الإصلاح والأفكار

 

والآخرون مبددون لشملها
يقفون في سبل النهوض كعثرة
يتسابقون إلى إبادة كل ما

 

والواقع أن هذه الفكرة التي يتحدث عنها أبو اليقظان هنا هي من النضج الفكري بمكان، لأن هذه الأبيات في الواقع تطرح بشكل جيد وفني نظرية مالك بن نبي التي صاغها في المعادلة التالية: الحضارة= إنسان (الأخيار) + زمان + تراب (بلاد).

وأي تغيير في العناصر التي طرحت يؤدي حتما إلى تعطيل عجلة الحياة السعيدة ومن ثم كان التركيز على "الإنسان" بحيث يكون خيّرا لا شرّيرا، وعلى "الأفكار" بحيث تكون مستقاة من "الكتاب والسنة" وعلى "البعد الزماني" بحيث تميز المتغيرات من الثوابت لئلا نعاكس (مجاري الأنهار الزمنية).

ولا شك أن كل هذه العناصر لا يمكن أن تعطي ثمارها إلا وهي مركبة (تركيبا) سليما في حركة التاريخ "فالحياة لا تحلل الظواهر وإنما تركبها، فإذا ما كانت العناصر متوافقة قابلة للاندماج صاغت منها الحياة تركيبا، أما حين تكون متوزعة متضاربة، فإنها تجعل منها (تلفيقا) أي مجرد تكديس هو والفوضى صنوان".

إن هذه الوقفة التأملية التي صاغها الشاعر ليعبر عن رؤيته الشعرية الإصلاحية، لا تكتمل بالحديث عن هذه التركيبة التي تشير إلى اتحاد عناصر أساسية في البناء الحضاري هي [الأخيار + الأفكار + البلاد + الوعي بالثوابت والمتغيرات] وإنما تكتمل بضرورة "الأخذ بالأسباب" وعلى رأسها تحويل الأفكار إلى "إرادة" و"عزم"، وهذا ما يقصده بقوله:

ما شدتم له بالعزم دواوينا
ما خضتم له بالحزم ميادينا

 

العز لكم أبدا
المجد لكم حقبا

 

العز والمجد مرهونان بالإرادة والحزم والعزم، وفي غياب الإرادة يصبح ذلك مجرد فكرة وهمية ليس أكثر من الأماني والأحلام.

والحق أن الفرق بين الأبطال المصلحين والأبطال المفكرين هو فرق بين من يحوّل الفكرة إلى فعل يدفع به عجلة التاريخ، ومن يكتفي من الفكرة بالأماني، ولذلك نجد كثيرا من المفكرين الذين يسجل لهم التاريخ مآثر خالدة في المجال الثقافي قلما يدخلون التاريخ في الحركي، ولعله لذلك السبب صاغت الآية القرآنية مسألة "التغيير" بالتركيز على "النفس" دون "الفكر" فقال تعالى: }إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم{، وقال في موضع آخر: }ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم{، فذكر النفس في الحالين ولم يذكر "الفكر" لأن تغيير النفس يشمل الفكر والمشاعر والوجدانات والانفعالات، وهذه كلها مجتمعة هي التي تصنع الدافع القوي الذي يحرك إرادة الإنسان نحو الحدث الذي منه يعجن التاريخ ليسوّى منه إمّا الفعل الحضاري وإمّا الفعل المدني، بحسب طبيعة الفكرة التي توجه الإرادة، والفرق بينهما هو الفرق بين العمل الصالح المرتبط بالإيمان، والعمل الإيجابي الخالي من الإيمان، فكلاهما عمل ولكن الروح التي تسري فيهما هي التي تختلف، بحيث تضمن لأحدهما الاستمرار والخلود والبقاء، وتحتم على الثاني ليخضع لسنة السقوط والتدهور يقول سيد قطب -رحمه الله- : ((ولابد أن نقف قليلا عند نص هذه الآية... إنه من جانب، يقرر عدل الله في معاملة العباد فلا يسلبهم نعمة وهبهم إياها إلا بعد أن يغيروا نواياهم ويبدلوا سلوكهم ويقلّبوا أوضاعهم ويستحقوا أن يغير ما بهم مما أعطاهم إياه للابتلاء والاختبار من النعمة التي لم يقدروها ولم يشكروها... ومن الجانب الآخر يكرم هذا المخلوق الإنساني أكبر تكريم حين يجعل قدر الله به ينفذ ويجري عن طريق حركة هذا الإنسان وعمله، ويجعل التغيير القدري في حياة الناس مبنيا على التغيير الواقعي في قلوبهم ونواياهم وسلوكهم وعملهم وأوضاعهم التي يختارونها لأنفسهم، ومن الجانب الثالث يلقى تبعة عظيمة، تقابل التكريم العظيم، على هذا الكائن، فهو يملك أن يستبقي نعمة الله عليه ويملك أن يزاد عليها إذا هو عرف فشكر، كما يملك أن يزيل هذه النعمة عنه إذا هو أنكر وبطر، وانحرفت نواياه فانحرفت خطاه.

وهذه الحقيقة الكبرى تمثل جانبا من جوانب التصور الإسلامي لحقيقة الإنسان، وعلاقة قدر الله به في هذا الوجود، وعلاقته هو بهذا الكون وما يجري فيه، ومن هذا الجانب يتبين تقدير هذا الكائن في ميزان الله وتكريمه لهذا التقدير، كما تتبين فاعلية الإنسان في مصير نفسه، وفي مصير الأحداث من حوله فيبدو عنصرا إيجابيا في صياغة هذا المصير بإذن الله وقدره الذي يجري من خلال حركته وعمله ونيته وسلوكه وتنتفي عنه تلك السلبية الذليلة التي تفرضها عليه المذاهب المادية، التي تصوره عنصرا سلبيا إزاء الحتميات الجبارة، حتمية الاقتصاد، وحتمية التاريخ وحتمية التطور إلى آخر الحتميات التي ليس للكائن الإنساني إزاءها حول ولا قوة، ولا يملك إلا الخضوع المطلق لما تفرضه عليه وهو ضائع خانع مذلول، كذلك تصور هذه الحقيقة ذلك التلازم بين العمل والجزاء في حياة هذا الكائن ونشاطه وتصور عدل الله المطلق، في جعل التلازم سنة من سننه يجري بها قدره ولا يظلم فيها عبد من عبيده)).

إن الإرادة هي التي تحول الفكرة إلى حركة، ولكن هذه الإرادة نفسها تقترن بالعقيدة اقترانا وثيقا، يصطبغ على أساسه ناتج الحركة ليكون بعد ذلك عملا صالحا أو عملا غير صالح في نظر التصور الإسلامي الصحيح، وهذا هو ما تريد الرؤية الشعرية التي انبثق عنها البيتان السابقان أن تعبر عنه لتربطه بعمل الأخيار في بناء الدولة أو تربطه بعمل الأشرار في هدم الدول والمجتمعات.

ولعل من المفيد أن نشير إلى النواة العقدية التي بني عليها هذا التصور الشاعري للحياة، إذ أن اختيار مصطلحي "الأخيار" و"الأشرار" للدلالة على أن دور هذه الثنائية الضدية في البناء الحضاري للمجتمعات لم يكن عملا اغتباطيا فرضته القافية الشعرية، وإنما هو اختيار مقصود تقتضيه البنية العقدية والثقافية التي يتحرك في أجوائها الشاعر شعوريا ولا شعوريا.

إن هذه الثنائية تحيل بكل تأكيد على قول الله تعالى: }إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البريئة، إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البريئة...{ الآية.

إن هذه الآيات هي التي بصمتها الرؤية الشعرية التي استوعبت الانسانية الضدية للبناء الحضاري التي يرمي إليها الشاعر أبو اليقظان، وتحدد بدقة متناهية البعد الحركي لعمل الإنسان في هذه الحياة بحيث ينقسم إلى منحيين تبعا لمصدر الحركة وبناء شخصية هذا المصدر، فإن كان المصدر من الذين كفروا فإنه يدمج في دائرة "شر البريئة" وهم الذين يعنيهم الشاعر بـ "الأشرار" أما إن كان المصدر من الذين آمنوا وعملوا الصالحات فإنه يدمج في دائرة "خير البريئة"، وهم الذين يقصدهم أبو اليقظان بـ "الأخيار"، وهم الذين رضي الله عن عملهم وحركتهم لأنهم حينما كانوا يعملون كانوا يستحضرون رقابة الله في سرهم وعلانيتهم فكانوا بذلك خير أمة أخرجت للناس لتعطي النموذج الحضاري الفريد الذي لم يتكرر في تاريخ البشرية كلها.

ومن الواضح أن الحكم بالخيرية للنمط الثاني والشّريّة للنمط الأول حكم قاطع لا جدال فيه، وذلك لأنه مهما يكن من صلاح بعض أعمال "شر البرية" وصلاح بعض آدابهم ونظمهم فإنها تبقى أعمالا خاوية من الإيمان، كما أن أعمال "خير البرية" هي أعمال صالحة ليس بسبب صلاحها في ذاتها ولكن إضافة إلى ذلك بسبب الإيمان الذي يزكيها ويباركها، إنه الإيمان الذي ينشئ آثاره في واقع الحياة، ومن ثم كان الكفر دلالة على الشر الذي لا حد له، وكان الإيمان دلالة على الخير البالغ أمده كما يقول سيد قطب.

هل يمكن أن نشك الآن في كون الشاعر قد اختار مصطلحي "الأخيار والأشرار" اختيارا وقصد إليهما قصدا ليعبر عن دورهما في إحياء البلاد وإماتتها حسب التصور الإسلامي للبناء والعمران؟

أجل ذلك هو الفهم الشاعري للحياة كما يراه أبو اليقظان الذي ينظر إلى الحضارة على أنها ناتج تفاعل العمل الصالح مع الإيمان وقوة الإرادة.

ولكن يضع مع ذلك شرطا أساسيا ومهما للغاية وهو تجنب "الجمود" لأن الجمود يفضي لكل دمار كما يفضي إلى ذلك عمل الأشرار، والسبب في ذلك هو أن العمل على إرساء قواعد المتغيرات كما لو أنها ثوابت هو مصارعة للزمان، ومن البديهي أن الزمان لا يصارع لأن حركته خاضعة للسنن الإلهية التي قضى الله أنها لا تتحول ولا تتغير يقول أبو اليقظان:

يمشي بنا" يفضي لكل دمار
إن لم تكن برضى فبالإجبار

 

وتيقنوا أن الجمود "وعصرنا
إن لا محيص لجيلنا من دورة

 

فالشاعر يرى بعين البصر والبصيرة أن الجمود يسوق الشعوب والأمم والحضارات إلى الدمار، ويؤكد هذه الفكرة في البيت الثاني ليدلنا على عجلة التاريخ التي تمضي بقوة بحيث لا يسلم من شرها إلا من اتخذ لذلك سببا، ولا يستفيد من خيرها إلا من اتخذ لذلك سبيلا.

وينبغي أن ننتبه إلى أن الشاعر يستخدم المصطلح بدقة فهو يعني الجمود بالضبط، لأن الثوابت كان قد أشار إليها من قبل وأصرّ على ضرورة التمسك بها لأنها بمثابة صمام الأمان للفعل الحضاري المفضي إلى رضوان الله الذي هو قمة "الحضارة"، وهذا الرضوان مرهون بالخشية من الله، ومظهر هذه الخشية هو الإيمان والعمل الصالح، وبعبارة أخرى هو الإيمان والاستقامة ذلك لأن الله قال وقوله الحق: }إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون...{ الآية.

إن الجمود هو الوجه المقابل للحركة، وهو من عوامل التخلف الذي تعاني منه الأمة الإسلامية، كما أن الثابت هو الوجه المقابل للمتغير، وهو أهم عامل للتطور، والسبب في ذلك هو أن تفاعل المتغير بإزاء الثابت يختلف عن تفاعل الجامد مع المتحرك، لأن الثابت صالح لكل زمان ومكان، ومن ثم يبقى منسجما مع المتغير الذي تستدعي عجلة الزمان وتغير المكان تحوله من حال إلى حال أكثر انسجاما، أما الجامد فقد تجاوزه المتغير لأنه ليس صالحا لكل زمان ومكان، وغدا هو والمبتور عن أصله سواء.

وهذا الأمر هو الذي أرّق الشاعر أبا اليقظان فصاغه في قصيدة أخرى كما يلي:

بين الزعازع تبتغون ظهورا
إن رمتم بعد الحياة نشورا

 

يا ناهضين من الرقاد ظهيرة
حثوا المطي إلى الأمام بسرعة

 

إلى أن قال :

من غير أن تسقي الحياة دهورا
والجذر منها قد غدا مبتورا

 

من ذا الذي يرجو الجنى من دوحة
من ذا الذي يرجو الجنى من دوحة

 

إن أبا اليقظان يعد بحث شاعر الرؤية الإسلامية الواعية لحركة التاريخ وعيا حضاريا متميزا عن غيره من الشعراء الجزائريين بحيث يمكن أن نصوغ الرؤية الشعرية التي صاغها أبو اليقظان في ديوانه بطريقة مالك بن نبي كما يلي:

الثابت + المتغير = التطورـــ الحضارة

الجامد + المتحرك = التخلف ــ السقوط.

التغريب (المبتور) + المتغير = الضياع ـــ (الذوبان في الآخر).

ولكن يبقى السؤال الذي يطرح بشكل تقليدي دائما هو: أين تكمن الجمالية في هذه الرؤية الشعرية؟ هل هي في البعد الشكلي الذي حافظ فيه على نظام القصيدة العمودية؟ أم هي في طبيعة المشاعر التي تثيرها في أعماق الإنسان السوي هذه الرؤية الشعرية بالذات؟.

التشكيل الجمالي للرؤية الشعرية: من حسن حظ الأدب أن يكون التلقي قسمة بين أذواق مختلفة، منها التي تستحسن الفن الذي يثير فيها عاطفة معينة كالحبّ، ومنها التي تشعر بالمتعة القوية حين تستمع لفن يكشف "الحق"، ومنها تلك التي تصاب برعشة كبيرة أو نشوة حادة عند ما يلمس العمل الفني كوامن لاشعورية تعود لأيام الطفولة وربما لآلاف السنين التي كان الإنسان يعيش فيها على فطرته النقية، ومنها التي يهزها ضجيج الموسيقى اللفظية في النص الأدبي وهكذا.

ولقد كان لهذا الاختلاف في الأذواق دوره الكبير في جعل مسألة الأحكام الجمالية مسألة نسبية تتأثر أساسا بالذوق الذي يهيمن على الإدراك الجمالي للمتلقي، وعلى هذا الأساس رأينا أن نركز على التشكيل الجمالي لهذه الرؤية الشعرية من جهتين: جمالية المضمون، وجمالية الشكل وهما جماليتان مترابطتان إذ لا يمكن للمعنى أن يقوم بغير صورة وصوت وكل ما هنالك أن في الموسيقى يطغى عنصر الصوت وفي الأسطورة يطغى عنصر المعنى، وما دام العلماء "على يقين بأن الطريقة التي يفكر ويكتب بها كل باحث أو كاتب تفتح رؤية جديدة صوب البشرية"، فإن ذلك يسمح لنا إذا لم يفرض علينا أن نقيّم الجمالي تبعا للرؤية المهيمنة للشاعر، إذ من خلال بيان طريقة الكتابة (الجمالية) في مستوييها نستطيع أن نفتح رؤية جديدة.

جمالية المضمون: إذا كانت طريقة التفكير تفتح الرؤية فإن "الوعي الروحي" هو الذي يوجه طريقة التفكير، ويتحكم في مبدأ "اختيار الأدوات التشكيلية"، ولكن مما لا شك فيه أن "الوعي الروحي" هو وليد تظافر عاملين: العقيدة والثقافة وذلك ما يفسر مسألة التركيز على إعادة كشف الرؤية الشعرية في ضوء العاملين السابقين من أجل تحقيق المتعة واللذة الجماليتين:

فإذا قرأنا للشاعر أبي اليقظان قوله:

وفطرته الحسنى وما كان صافيا
شرورا فيختار الشقا والدّواهيا

 

أخاطب في الإنسان حرّ ضميره
أحقا يرى الإنسان من نور عقله

 

ونكون كما لو أننا قد قرأنا للشاعر نزار قباني قوله:

أرواحنــا تشــكو من الإفـــلاس

أيامنا تدور بين الزار والشطـرنج والنعـاس

هـل نحن خير أمة أخـرجت للنــاس ؟

هذه الأسطر تحقق استفزازا قويا لدى المتلقي، لا يقل عن الاستفزاز الذي تحققه تلك الأبيات، ولكن ما حقق لا يعود إلى تلك النغمة الموسيقية العذبة أو إلى الاستفهام!!

فاللذة التي يحققها النصان من نمط واحد ترجع بشكل أساسي للمشاعر التي يثيرها فينا جوّ المضمون أكثر مما تعود إلى الجرس الموسيقي أو إلى البنية اللغوية التي ركبت عليها الأبيات، إن الذي يهزنا هو نضج الفكرة في عمق الفهم الشاعري للحياة وليس هو نضج الأداة التي عبر بها الشاعران، وإن كان من الصعب الفصل بين الصوت والمعنى كما سبق القول.

دعني أقل إن الذي يحتم عليّ الإنشاد هو جمالية المضمون قبل جمالية الشكل، ولذلك نجد أنه ليس من الضروري أن نتحرك طربا لما نسمع، وإنما من الضروري أن نفكر بعمق في أبعاد ما نُنْشِد، هذه هي الحقيقة في جمالية المضمون، ولهذا يعد هذا النوع من الجمال هو تذوق الخاصة إن لم نقل هو من تذوق خاص الخاص، وقد سبق أن بيّن في التوطئة هذه المسألة كما أسس لها ذوو النهى.

ولكي يتبين ذلك جليا يمكننا أن نقارن مرة أخرى بين أسطر أخرى من الشعر الحر لنزار قباني نفسه، وأبيات أخرى للشاعر موضوع الدراسة.

قال أبو اليقظان وهو يخاطب جمعية العلماء المسلمين:

ألهبي فينا الحميّه
لا دعاء الجاهليّه
للود قضيّه

 

انعشي الأرواح منا
غيرة الإسلام أعني
واختلاف الرأي لا يفسد

 

وقال نزار قباني ينتقد وضع العرب في العصر الحديث:

خــلاصـة القضيّـه

توجـــز في عبـاره

لقد لبسنا قشرة الحضاره

والــروح  جاهليّـه

قد أكون على يقين من أن الشاعر نزار قباني لم يستسلم لهذه الرؤية الإسلامية بسهولة، وقد أكون على يقين كذلك من أنه لم يطلع على أبيات أبي اليقظان، ولكن مع ذلك فإن الروح التي تسري في النّصين واحدة، وعملية الاستفزاز التي يحدثها النصان واحدة، بل والمعجم الأساسي المستخدم واحد، ومن ثم كان الحس الجمالي الذي يحقق اللذة واحدا، وأؤكد أنه ليس بسبب الضجيج الموسيقي وإنما هو بسبب الروح القلقة التي هي عامل مشترك بين أفراد المجتمع الإسلامي المؤمنين بالقضية، نعم "القضية" ولعل في قول رولان بارط ما يعزز هذا الكلام إذ يرى: ((أن الفن لا يعرف الضجيج بالمعنى الإعلامي للكلمة فهو منظومة نقية)).

ومعنى هذا الكلام أن الذي يلمس فينا أرواحنا إنما هو الثابت في الإنسان فالشّاعران قد حركا فينا "المنظومة النقية" بفضل ما تضمنه النّصان من خصائص "الوعي الروحي"، الذي من طبيعته أن ينمو في الروح الجماعية ببطء لأنه جزء لا يتجزأ من الرؤية الشعرية التي وإن تميزت من شاعر إلى آخر ببعض العناصر فإنها تبقى محتفظة بالعوامل المشكلة للتصور الأساسي للأمة، ذلك لأن: ((كل شيء جديد للرؤية الفنية يتهيأ ببطء خلال قرون، والعصر لا يخلق سوى الشروط المثلى لتفتحه النهائي ولإنجازه)).

وقد لفت نظري وقفة سريعة وقفها الدكتور محمد ناصر بوحجام عند قصيدة عزيزة علي كثيرا لأنها تجسم بحق قمة الرؤية الشعرية عند الشاعر أبي اليقظان هي قصيدة "ذكرى الإمامة الإباضية بالمغرب"، وما لفت نظري في وقفة الدكتور إلا تعليقه على القصيدة بما يلي: ((من حيث استيحاء هذه الألفاظ والعبارات إذ نجد أنفسنا أمام كتابة تقريرية تعتمد السرد التاريخي وتسجيل الأحداث، خالية من المشاعر والعواطف، والتموجات النفسية والظلال والإيحاءات التي تهز القلوب وتطرب النفوس، وفق الشاعر في اختيار الروي الذي يدل على السرعة والخفة للتعبير عن الزيادة الخاطفة في مدتها، الخفيفة في مناسبتها، وهي فصل الربيع الجميل)).

لعل حكم الدكتور بوحجام على القصيدة حكم سريع، اكتفى بالنظرة العابرة على الناحية الفنية دون أن يتعمق في الناحية الجمالية، لذلك انتهى لحكمين متناقضين، تقريرية في الصورة وتسجيل للأحداث وسرد للتاريخ وخلو من المشاعر وتوفيق في الموسيقى، فالناقد من جهة يؤاخذ الشاعر على تغييب خاصية التصوير ومن جهة يثني عليه لتحقيق النسق الموسيقي، ولعله قد وقع فيما يشبه التناقض لأن هدفه من الدراسة كان وقفا على الجانب الفني الضيق، أما الجانب الجمالي فلم يكن يعنيه، والحق أن الفرق بين النظرة الفنية والنظرة الجمالية كبير لأن الفن يحلّل لخدمة الجمال، فإن توقف التحليل عند ملاحظة الجزئيات دون أن يعيد النظر فيها مرتبطة بالعناصر الأخرى يكون تحليلا فنيا وليس جماليا إذ "هناك نقطة ثابتة: إنها غاية الفن، الغرض الذي يهدف له ويصبو إليه ويحسب كل يوم أنه قد دنا منه وهذه الغاية هي الجمال".

وبمعنى آخر إن "الفن نشاط مبدع والجمال بديع"، إن الجمال جوهر الفن وسبب وجوده لذا يكون التركيز عليه.

ومن ثم كان من المفروض في الحكم الجمالي أن يتخذ منهجا غير المنهج المستخدم في الحكم الفني، وعليه فإن دراستنا للعمل الفني ولهذه القصيدة بالذات سيستهدف ((الحصول على معرفة أوسع وأعمق بالإنسان ثم الاستعانة بهذه المعرفة لنخلص من كل الالتباسات المفترضة إلى جوهر الفن وسبب وجوده وهو الجمال)).

مطلع القصيدة هو:

نجل في الفضاء ونجل النظر
وكم في التنقل، كم من عبر

 

خليليّ هيا بنا للسفر
فكم في المسير من الموعظات

 

لا تظنن أن الشاعر قد كتب هذه القصيدة وهو في سفر أو أنه يستعد للسفر المادي، إن الشاعر هنا يدعو القارئ ليسافر معه ليخوض به أهوال البحر العميق أهوال الزمن، وهي أهوال لأنه لا يدعو القارئ للمتعة البصرية وإنما يدعوه للتخيل والتأمل، إذ "كم من المسير من الموعظات، وكم في التنقل كم من عبر؟ ((وهذا التنقل لا يكون بالسيارة أو الطائرة لأنها وسيلتان ماديتان لا تقويان على اختراق حجب الزمان وحجب الكتاب، وإنما يكون بالعقل بالناضج الذي يفهم المقاصد ويستنبط النتائج ويستخرج العبر، إنه إذن لا يدعونا حتى لمجرد استعراض الحوادث التاريخية أو سردها كما رأى الدكتور بوحجام بسبب اعتماد المنهج الفني، وإنما يدعونا للتأمل في تاريخ الأمم لنقرأه قراءة سننية، وهذه القراءة لا تتوقف عند الحسّ فقط، وإنما تتجاوزه إلى الفهم، ذلك لأن "العمل الفني مصنوع أولا من الحس كيما يحس لكننا نحس بشكل أفضل ما نفهم))، ولاشك أن ما نفهمه من قصيدة أبي اليقظان شيء عظيم جدا كما سنرى.

إنه بعد أن يعرض أمثلة من تاريخ الأمم لا يتوقف عند مجرد العرض ولكن يشير إلى الأسباب السرية والجوهرية، التي أدت إلى الازدهار أو تلك التي  أدت إلى الانحدار، ويبين أن الانحدار والازدهار عمليتان تمثلان المنحنى الحضاري، فإذا كان الدولة الرستمية قد ازدهرت، فلأن الذين أشادوها كانوا متمسكين بأسباب الرقي الحضاري فهم:

ونهج الرسول ونور الأثر

 

أشادوا الحضارة طبق الكتاب

 

ولكن حينما ضيعوا أسباب الرقي والازدهار كان لابد لسنة الله أن تنفذ فيهم كما نفذت في غيرهم:

نواميس لا تعتريها الغير
تخالف حكم القضا والقدر
ـر للموت عند تمام العمر

 

ألا إن لله في خلقه
ولن تتبدل يوما ولا
وما في الوجود سواه يصيـ
 

إلى أن قال :

لشعب تمكن منه البطر
د عنه ويتركه في خور
ويطمع فيه العدو الأضر
وحاق الخراب به واستمر
توالت عليها جميع النذر

 

إذا ما أراد الإله الفنا
فلا ريب يحجب نور السدا
ويغري الرؤوس على بعضها
فجاء العذاب وحلّ التباب
كذلك شأن الإمامة إذ

 

تأمل الآن هذه المقطوعة التي اقتطفت من قصيدة طويلة جدا تبلغ مائة وثلاثة وستين بيتا، ثم حاول أن تتأمل أحاسيسك ومشاعرك ووجداناتك فإن شعرت بهزة عنيفة تحرك كيانك كله فاعلم أنها من سلطان الجمال الذي يملك قوة غريبة في السيطرة على العقول والقلوب في آن واحد، حتى إننا لنجد الله سبحانه وتعالى ينبهنا لذلك بقوله: }ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون{، ويقول في شأن بقرة بني إسرائيل: }صفراء باقع لونها تسر الناظرين{، ومعنى ذلك أن الجمال ليس هو ما يعجب فحسب ولكن هو مايسر أيضا، ولا شك أن مايسر ليس قصرا على الجانب الصوتي للقصيدة أو على الجانب التصويري لها، ولكن هو القصيدة بأكملها إذ أن العمل الفني يقوم على التقاء شركاء ثلاثة هي عناصر أساسية، عالم الواقع وعالم الصيغة، وعالم الخواطر والمشاعر، ومن الخطأ أن نحكم على العمل الفني من زاوية من هذه الزوايا وحدها، لأن ذلك بنز للكمال، وبهاء الشيء في كماله وإن كان الطريق إلى فهمه لا يتم إلا بتجزئته وتحليله، فذلك ليس مبررا للحكم بالجزء على الكل.

إن جمال قصيدة أبي اليقظان هذه لا يكمن في جودة الروي، ولا في الحس التاريخي، ولا في التصوير الغريب الذي يهيمن على الفكرة بطريقة عجيبة، بقدر ما يكمن في الوعي الحضاري الذي لم أجد مثله إلا عند مفكرين اثنين: العلامة ابن خلدون، والعلامة مالك بن نبي -رحمهما الله- وأرضاهما.

إن الشاعر في هذه الأبيات كان يقدم رؤية حضارية وإن شئت فقل كان يعرض تفسيرا إسلاميا للتاريخ، لكن بدل أن يعرضه أفكارا قدمه مشاعر ملتهبة، وفي ذلك عمق الجمال الذي يتجاوز الفن حينما يفهم كبنية من التقنيات التي تعرض خالية من الروح.

إن الشاعر لم يكن يستلهم السور الثلاثة (القمر، المدثر والقيامة) فحسب كما ذكر الدكتور بوحجام، ولكنه وهو الأهم كان يتمثل تمثلا جيدا الآيات القرآنية التي تعالج السنن الحضارية كقوله تعالى: }فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا{، وقوله: }إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغير ما بأنفسهم{، وقوله: }وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا{.

ولا شك أن استثارة معاني هذه الآيات في النفوس التي تفاعلت معها قبل ذلك هو بمثابة مفاتيح يلج من خلالها النص إلى اللاشعور ليحدث تفاعلا مع النفس هو أعمق من أثر التصوير والتخييل والضجيج الموسيقي لأنه يؤدي إلى المشاركة الوجدانية.

وهو إذ يؤدي إلى المشاركة الوجدانية لا يؤدي إليها في هذا الموضع على الخصوص باستثارة قضايا جزئية صغيرة في حياة الإنسان وإنما بتثوير معاني الآيات التي تعبر عن الثابت في السنن الاجتماعية، وبذلك تميز جمال قصيدة أبي اليقظان: ((فالشاعر الذي يصلنا بالكون الكبير والحياة الطليقة من قيود الزمان والمكان، بينما هو يعالج المواقف الصغيرة، واللحظات الجزئية والحالات المنفردة هو الشاعر الكبير النادر... والشاعر الذي يصلنا بالكون والحياة لحظات متفرقات يتصل فيها بالآيات الخالدة والحياة الأزلية أو بالحياة الإنسانية خاصة والطبيعة البشرية هو الشاعر الممتاز... والشاعر الذي يصدق في التعبير عن نفسه، ولكن في محيط ضيق وعلى مدى قريب، ولا تنفذ وراءه إلى إحساس بالحياة شامل، ولا إلى نظرة كونية كبيرة هو شاعر محدود)).

يبدو لي أنه من الواجب حينما نعمد إلى تحليل نص أدبي لغرض تقييمه أن نسدد ونقارب في التمييز بين نوعين من النصوص الشعرية، يمثل أحدهما الفن حينما يكون لعبا، وثانيهما الفن حينما يكون جدا، ففي الأول يمكن أن نركز فقط على الخصائص التركيبية لنبرز ضجيجها الموسيقي أو طريقة الإسناد التي أبدعت بفضلها صورها البيانية، أما في الثاني فلابد من إبراز المشاعر التي تلابس الأفكار والكلمات وكل البناءات التي تشكل النص وإلا سقطت بلاغة النص، لأننا عندئذ نكون بمنأ عن دراسة الكيفية التي بنيت عليها خصائص التراكيب في استجابتها لمقتضى الحال.

وأحسب أننا حينما نصنع ذلك نكون قد شرعنا في تحليل النص بمنهج جمالي لا فني وحسب، وبذلك نكشف النص الجميل الذي يسمو بذوق الإنسان.

ب- جمالية الشكل: لست في الحقيقة ممن يهوى هذه الجمالية لأنها تعتمد فقط على المنهج التفكيكي والتجزيئي في أغلب أحواله، وتعجز عن أن تعيد النص إلى حالته الطبيعية التي كان يحقق بها "السرور" و "الإمتناع".

ولكن قد يفيد هذا المنهج في إبراز بعض الخصائص التي تعطي ظلالا معتبرة حينما تحلل في ضوء التصور الذي تنبثق عنه، وذلك لأن تكيف النفس البشرية بالتصور المعين هو وحده الذي سيلهمها صورا من الفنون غير التي يلهمها إياها أي تصور آخر.

ولبيان ذلك يمكن أن نتوقف عند هذه الصورة الشعرية التي قد تبدو لأول وهلة بأنها من الصور التقليدية البسيطة التي لا عمق لها ولا بعد، ولكن عند التأمل العميق الذي يربطها بالتصور الكلي للشاعر سينكشف لنا منها تقنيات تعبيرية راقية تَنِمُّ عن رؤية جمالية هادئة وناضجة، يقول:

كلماته طي السجل رنينه
ذكراه تبقى بالخلود رهينه
بين الليالي الحالكات عيونه
بين الشعوب ولا تزال حنينه

 

عمر الفتى عرض يزول وهذه
بل وردة بسامة وأريجها
بل ومضة الإيمان يبقى نورها
بل نبضة بين القلوب وهزة

 

جمال هذه الأبيات يكمن في أسلوب الإضراب على الصور واستبدالها بصور أخرى يشعر القارئ من خلال ذلك أنه يتدرج من صورة إلى صورة بينما هو في الحقيقة يكشف وجوها للصورة الواحدة كانت مقنعة، وهذا الأسلوب يستخدم في القرآن الكريم بدقة متناهية للتعبير عن الفكرة التي لا يملك العقل الإنساني القاصر أن يدركها بالتصوير المألوف، ومثاله قول الله تعالى: }وما أمر الساعة على كلمح البصر أو هو أقرب{، فقد فسرت أو هنا بمعنى "بل"، ومعنى ذلك أن هناك: ((إضراب عن التشبيه الأول بأن المشبه أقوى في وجه الشبه ثم يعرض عن التشبيه بأن المشبه أقوى في وجه الشبه وأنه لا يجد له شبيها فيصرح بذلك فيحصل التقريب ابتداء ثم الإعراب عن الحقيقة ثانيا)).

هذا النموذج من أساليب التصوير عن طريق الإضراب من شأنه أن يجعل الصورة غنية وفعّالة، إذ بهذا التدرج الذي يجعل المعنى يكشف شيئا فشيئا تحدث عملية التشويق للقارئ ليعرف ما وراء هذا التدرج.

ومعنى الأبيات يتحدد عندئذ طبقا لهذه الحركة الذهنية التصويرية، فإذا أعمار الناس أعراض بينما كلماتهم جواهر، ولما كانت الأعراض قليلة الأهمية في نظر الإنسان المسلم فإن التركيز لابد أن يتم على "الجوهر"، ولذلك تكرر المشبه به بالنسبة للجواهر (الكلمات) فهي وردة، بل هي ومضة إيمان، بل هي نبضة بين القلوب بل هي هزة بين الشعوب، وبذلك أكسب الشاعر الكلمة قدسية ورفعة، تجعلها أهم ما يترك الإنسان بعد رحيله، ومن الملاحظ أن القرآن الكريم يجعل للكلمة الأسبقية على الفعل في الشهادة غدا يوم القيامة، كما يتجلى من قوله: }يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون{، ومعنى ذلك أن الصورة التشبيهية التي اعتمدها الشاعر في تلك الأبيات لبيان فكرة محددة تبني شكلا ومضمونا من التصور الإسلامي للشاعر فمن جهة نجد أسلوب التدرج في التصوير عن طريق الإضراب من أساليب القرآن، ومن جهة ثانية نجد روح الصورة يندرج في صميم التصور الإسلامي الذي يهيمن على الأداة والمعنى على حد سواء.

إن هذه الظاهرة التصويرية نجدها تتكرر عند هذا الشاعر إما عن طريق الإضراب بالحرف (بل) أو بالحرف (لكن) التي تفيد الاستدراك. وهي ظاهرة تعبر عن التعانق اللطيف بين الشكل والمضمون، إذ نجد مثل هذه الصور المستخدمة في بيان أهداف الإصلاح تستخدم هذا الأسلوب الذي من شأنه طلب الترقي من الأدنى إلى الأعلى نحو المثل الأعلى، فالصورة تخضع للتصور لذلك تشرح أو تستدرك أو تضرب بحثا عن التعبير الأكثر بيانا.

وهذا يعني أن الشعر الذي ينشد الإصلاح والتعليم هو شعر يبحث عن الوسيلة التي توضح المقاصد وتبلغ المراد، وتنفر من الغموض الذي ليس إلا نتيجة أحد الأمرين، إما الخوف من بطش السلطان وإما التعقيد الذي ينبثق عن بنية نفسية غير سليمة، تجد اللذة في المعميات من التعابير، وقد كان أبو هلال العسكري يعد إخراج مالا يحس إلى ما يحس من أجود أغراض التشبيه وأبلغها، وما ذلك إلا لأنها تزيل اللبس وتقضي على الغموض الذي يستهلك المعنى، وتحافظ على ذلك الغموض الذي يثريه ويذكي جذوة الشوق إليه.

فهو حين يدعو الناس في عبارات مباشرة تخلو من الأسلوب الشعري المتميز الذي عهدناه يعبر عن الفكرة بالصورة والمجاز إلى الصلاة، تراه واعظا، ولكن حين يقدم بعد الدعوة المباشرة التعليل والأسباب تراه مفكرا وشاعرا حكيما، ويمكن أن تستمع معي إلى هذه الأبيات:

حتى تنالوا الفوز والرضوانا
ضاعت لكم هدمتم الأركانا
يحمي البلاد وينعش العمرانا
تهدي بإبرة ضوئها الحيرانا
دنيا العروبة فاعتلت أوطانا
ب وللنفوس ولا تزال حمانا

 

لا تقعدوا في الباب لكن ادخلوا
إن الصلاة عماد هذا الدين إن
وإذا المساجد هوجرت فمن الذي
فهي القلاع لها وخير منارة
من مهدها درجت حضارتنا إلى
وهي المصحة للعقول وللقلو

 

إن جمال هذا النوع من الشعر يكمن في رؤيته للكون والحياة لأن المتعة التي يقدمها لا تتوقف على إثارة المشاعر والأحاسيس فحسب ولكن تتجاوزهما إلى إمتاع الفكر والعقل، وهما عنصران أساسيان في الحياة البشرية، إذ هما طريق إلى استثارة العواطف والانفعالات ووسيلة إلى تخزين التصورات التي تحكم الأذواق.

حقا إن الشعر الجيد تكون: ((الصور فيه براهين عبقرية أصيلة، وما ذلك إلا لأنها خاضعة في صياغتها لسيطرة العاطفة))، ولكن ماذا تعني الصور إذا لم تكن تعبيرا عن أفكار سامية ومشاعر وأحاسيس نبيلة؟.

إن الصور الشعرية وظيفتها التمثيل الحسي للتجربة الشعرية الكلية ولما تشتمل عليه من مختلف الإحساسات والعواطف والأفكار الجزئية، ولذلك فهي في الواقع تكتسب شرعيتها من طبيعة التجربة الكلية، بحيث قد تستغني التجربة عن الصورة، وتفضل الأسلوب المباشر إذا كان ذلك يحقق الهدف الرسالي بمعناه الدقيق بحيث يغير الكيان النفسي للمتلقي ويدفعه لتكوين موقف.

في هذا الإطار ينبغي أن يقرأ الشعر الجزائري الذي يمثل مجال رؤية شعرية متميزة سيطرت على الأدب الجزائري في مرحلة الإصلاح على الخصوص (1914-1962) ومنه شعر أبي اليقظان، الذي يبدو لي أنه قد عبر عن الرؤية الإصلاحية بصدق مما جعل الشيخ عبد الحميد بن باديس يثني عليه كما رأينا.

مجلة الموافقات/ إصدار: المعهد الوطني العالي لأصول الدين بالجزائر.من ص328 إلى ص358.

 

أعلى الصفحة