الصفحة الرئيسية  | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان  | مؤلفات أبي اليقظان  ماكتب عن أبي اليقظان  |

  أصدقاء أبي اليقظانعائلة أبي اليقظان  | صور من بلادي  | مواقع تهمك  |  اتصل بنا|  

الشيخ أبو اليقظان 

ومعالم في جهاده الإسلامي

                                                            قاسم أحمد الشيخ بلحاج

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله محمد e.

مقدمة: يعتبر الشيخ أبو اليقظان من الشخصيات التي حملت لواء التغيير والاصلاح والنهضة في الجزائر وفي العالم الإسلامي، إذ أن الدارس له يجد أن عمله قد تشعب وتعدد، وتبعا لذلك فإن منتوجه الفكري كان متنوعا، فقد ساهم في الإنتاج الأدبي والشعري والمقالي والتاريخي والشرعي والصحفي، إلى جانب دراسات أخرى متفرقة.

كل هذا في ما يقرب من ستين مؤلفا، ولعل أهم منتوج له ذلك التراث الضخم الذي خلفه من الصحف في ثمانية عناوين: وادي ميزاب، ميزاب، المغرب، النور، البستان، النبراس، الأمة، الفرقان.

هذه الصحف التي دامت اثنتي عشر سنة (1926-1938)، متتبعة ودراسة ومحللة لقضايا الجزائر والعالم الإسلامي بصفة عامة، وقد حاولت في دراستي هذه أن أبرز نماذج من القضايا الإسلامية التي شغلت اهتمام الشيخ أبي اليقظان في صحفه، وأشير أن الرجوع إلى المصادر، سواء صحف الشيخ أو مؤلفاته المخطوطة، أو المقالات التي كتبت عنه، كان أمرا مستعصيا علي.

والأمانة العلمية فإن كل ما وثق في دراستي من صحف الشيخ كان اعتمادا على دراسة الدكتور محمد ناصر "أبو اليقظان وجهاد الكلمة"، كما استفدت من هذه الدراسة كثيرا، واعتمدت عليها بالدرجة الأولى.

وكل ما وثق في دراستي من دوريات فإن مرجعها إلى كتاب الدكتور: محمد ناصر "أبو اليقظان وجهاد الكلمة"، كما استفدت من هذه الدراسة كثيرا، واعتمدت عليها بالدرجة الأولى.

وكل ما وثق في دراستي من دوريات فإن مرجعها إلى كتاب الدكتور: محمد ناصر بوحجام "أبو اليقظان في الدوريات العربية"، كما اعتمدت كذلك على دراسة كاتب الشيخ أبي اليقظان الأستاذ أحمد فرصوص في كتابه: الشيخ أبو اليقظان كما عرفته.

وأتمنى أن تكون هذه الدراسة انطلاقة في دراسة جوانب أخرى شخصية أبي اليقظان، التي أراها بأنها أعطت نموذجا حيا وميدانيا للشباب المثقف الذي يريد أن يحمل المشعل ليواصل السير في خط أبي اليقظان وغيره من رجالات الإصلاح والنهضة في هذا العالم الإسلامي الفسيح.

مدخل: لقد كانت صحف أبي اليقظان التي أصدرها في فترة العشرينيات والثلاثينيات هي مدار جهاده الإسلامي بالدرجة الأولى، فمن خلالها كان يبلغ أفكاره الإصلاحية، إلى أنحاء القطر الجزائري، وكذا الأقطار الإسلامية الأخرى المجاورة خاصة منها: تونس ومصر والمغرب وليبيا.

وإن الاهتمام بقضايا العالم الإسلامي وتفاعل الشيخ أبي اليقظان معها تبدو جلية في كثرة مقالاته عنها وفي ذلك الأسلوب الحماسي المتهيج، الذي من خلاله يريد أن يوقظ شعوب العالم الإسلامي ويدفع بها مع غيره لأجل رفع راية الإسلام بالإصلاح والنهضة.

إذ تزامن عمله هذا مع تلك الظروف المتدهورة للعالم الإسلامي في جميع الأصعدة، من غزو استعماري وعمل إلحادي، وتبشير مسيحي، وتكالب غربي على كل ماله صلة بمقومات الشخصية الإسلامية، فقد كانت دعوته صريحة وجهرية بدون أي تقية أو مراوغة غرضها الدفاع عن حمى الإسلام وحماية مقدساته المعنوية والمادية من كل الأشكال الاستعمارية الآنفة الذكر، وفي هذه الصفحات سنستعرض بعض معالم الجهاد الإسلامي عند الشيخ أبي اليقظان.

1- علاقات الشيخ أبي اليقظان مع زعماء العالم الإسلامي: في هذا السبيل عمل الشيخ أبو اليقظان على إنشاء صلات وثيقة مع زعماء الإصلاح في بلدان إسلامية عديدة: من ذوي النزعة الوطنية الإسلامية الصادقة، حيث كان هدفهم واحدا وجهودهم متكاملة في سبيل القيام بنهضة إسلامية شاملة، لكل ميادين الحياة في هذا الوطن الإسلامي الكبير.

فبالجزائر كانت له صلات وثيقة مع أعضاء جمعية المسلمين –وقد كان عضوا إداريا فيها- وعلى رأسهم الشيخ ابن باديس، والشيخ الطيب العقبي، وتوفيق المدني إلى جانب زعماء وادي ميزاب، أمثال الشيخ بيوض والشيخ عبد الرحمان بكلي والشيخ عدون شريفي، والشاعر مفدي زكريا، والمؤرخ حمو عيسى النوري.

في مقال لابن باديس يتحدث فيه عن أبي اليقظان يقول: ((ممن قرأوا العلم للعمل والتفكير وأشربوا في زمن التعلم حب الاطلاع للنهوض... آب إلى الجزائر بمعارف صحيحة وخبرة واسعة ورغبة صادقة في خدمة الدين والوطن، فأسس جريدة وادي ميزاب الغراء... بحق يعد ركنا من أركان نهضتنا الفكرية والإصلاحية وزعيم الناهضين من إخواننا الميزابيين، وهو في سبيل هذا يتلقى الأذى القولي والفعلي من خصوم عديدين ومتنوعين)).

هذه كلمات خالدة قالها زعيم إصلاحي عارف بواقع الإصلاح وقيمته في تلك الظروف في أخ له عقد العزم للسير في النهج نفسه رغم كل ما يحيط به من أسباب الفشل والإحباط، حاثا إياه للعمل والصمود على النهج..

وفي ليبيا كانت له صلات مع الدكتور عمر خليفة النامي، ومع الأستاذ المفكر علي يحي معمر، ومع زعيمها المجاهد سليمان الباروني باشا أحد قادة الثورة الليبية ضد المستعمر الإيطالي، ويبدو أن الشيخ أبا اليقظان كان معجبا بكفاح الباروني كثيرا، ما جعله يفرد في حقه مؤلفا في جزئين مبينا فيه حياة الرجل وبطولاته في مقاومة المستعمر الإيطالي.

وبسويسرا كانت له مراسلات مع أمير البيان شكيب أرسلان، وكانت تدور هذه المراسلات حول مستقبل بلاد الإسلام وواقعها المرير تحت وطأة المستعمر، وقد نشرت هذه المقالات في جرائد أبي اليقظان مثل مقال بعنوان: "خذوا حذركم من السواحين" وفي مصر كانت له علاقات حميمة مع الشيخ رشيد رضا صاحب مجلة "المنار" وكذا صلات مع الزعيم المصري محب الدين الخطيب، صاحب مجلتي "الفتح" و"الزهراء"، وقد تجاوز معه صلات الحبّ والمودة إلى التعاهد ووضع اليد في اليد لرفع راية الإسلام وعقد العزم على الهجرة في سبيل الله ورسوله.

ويقول الشيخ أبو اليقظان عن مجلة الفتح: ((إن مجلة الفتح مقدسة لا يمسها إلا المطهرون، لأنها تنطق عن لسان رب العالمين، ولو عرفها الناس حق معرفتها، وقدروها حق قدرها لما خلا منها مكتب عالم، ولا منضدة محام، ولا محفظة تلميذ، ولا خزانة طبيب، ولا ملف موظف)).

وفي التعاهد وعقد العزم على العمل سويا يقول: ((نحن وكثيرا معنا ياحضرة المدير المحترم نضع أيدينا في أيديكم ونعاهدكم الله على أن تكون هجرتنا معكم خالصة لله تعالى، ولهداية رسوله ولتشريف ملته ،والإشادة بذكرها وإعزاز أهلها، وإيقاظ مشاعرهم، وتنمية قواهم، وتوحيدها وتوجيهها نحو المطمح الأقصى، حيث يكتب الله لنا النصر الذي وعدنا على لسان نبيه)).

في مقال أبي اليقظان هذا يظهر ذلك التقدير العظيم والاعتزاز الكبير بهذه المجلة ومكانتها عنده إلى حد التقديس، والأمل في بلوغها قلب كل فرد من المجتمع، أما في تونس فكانت صلاته مع الزعيم السياسي عبد العزيز الثعالبي مؤسس حزب الدستور التونسي حيث يعده أستاذه في الميدان السياسي، ومعرفة ما يجري في المحافل الدولية آنذاك، كما لازمه طويلا وحضر جلسات مكثفة معه أيام كان في تونس، وبحكم هذه المعاشرة عين الشيخ أبو اليقظان عضوا إداريا في اللجنة الأدبية للحزب الدستوري التونسي بالإجماع، وعمل في صفوف المجاهدين لنصر الإسلام والمسلمين في شمال إفريقيا خاصة، وللشيخ مخطوط ألفه بإيعاز من الشيخ الثعالبي بعنوان: "شذرات حكمية وسياسية".

وبعد رجوع الشيخ الثعالبي من منفاه بالمشرق كتب أبو اليقظان مقالا حارا دعاه فيه إلى مواصلة خدمة الأمة وتوحيد صفوفها، وكذا كانت له صلات أخرى مع الشيخ سالم بن يعقوب بجربة والأستاذ محي الدين القليبي والمحامي أحمد الصافي، والأستاذ الشاذلي المزالي، وزين العابدين السنوسي صاحب مجلة العرب.

أما في عمان فكانت صلاته مع إمامها غالب بن علي وعالمها أحمد بن حمد الخليلي ومن سوريا عرف الأستاذ فيصل الملوحي، ومن فلسطين عرف الأستاذ محمد علي الطاهر صاحب جريدة الشورى، ومن زنجبار عرف الشيخ سالم الرواحي.

كما كانت له علاقات علمية مع بعض المستشرقين الذين اهتموا بدراسة التراث والفكر الإباضي، إذ رأوه مرجعا للاستفادة من علمه في هذا المجال، فمن فرنسا عرف المستشرق بيار كبيرلي، ومن بولونيا عرف المستشرق تادوز لويكي، ومن هولندا عرف المستشرق مراد كستار.

كما كانت له مراسلات مع الجماعة الإسلامية بالولايات المتحدة، بواسطة الأستاذين: ابن يوسف محمد وبابهون بكير عندما كانا طالبين هناك، إذ أرسل إليهما مؤلفه في الأحكام العامة لقواعد الإسلام: "سلم الاستقامة" بأجزائه السبعة لترجمته ونشره هناك.

ولعل أهم شخصية تبادل معها المراسلات ولفترة طويلة ومستمرة وارتقت العلاقات بينهما إلى المؤاخاة الحقيقية والعمل المشترك المتبادل في سبيل الإصلاح والنهوض بهذه الأمة، هو الشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيش صاحب مجلة المنهاج نزيل مصر بعد أن نفي إليها من منفاه بتونس.

حيث نجد في تراث أبي اليقظان عددا هائلا من الرسائل التي كان يتبادلها مع الشيخ أبي إسحاق طيلة وجوده في مصر، هذه الرسائل التي تحمل أخبار البلدين، وتتابع تطورات الأحداث في العالم الإسلامي، كما كان يستشير أحدهما الآخر في ما يعزمان القيام به، ويقوي أحدهما الآخر أثناء النكبات والمصائب.

ولقد أصبح هذا التراث من الرسائل مصدرا هاما وثريا لدراسة وقائع الأحداث التي كان يعيشها البلدان والعالم الإسلام بصفة عامة.

2- نماذج من القضايا الإسلامية التي اهتم بها الشيخ أبو اليقظان في صحفه: لقد خصص الشيخ أبو اليقظان مجالا واسعا في صحفه لتتبع أحداث العالم الإسلامي والاهتمام بقضاياه والمساهمة بأفكاره وآرائه فيها، ويمكن حصر محاور هذه المقالات فيما يلي:

1- تفرق المسلمين واختلافهم وخطر هذا عليهم.

2- انحرافهم عن الطريق الذي خطه القرآن الكريم والسنة الشريفة لهم حين اكتفوا بالقول دون العمل.

3- التنديد بأعداء الإسلام والتشهير بمخططاتهم، مستعمرين ومبشرين، ومتفرنجين وملحدين، وجامدين.

4- دعوة حارة إلى كافة المسلمين إلى التضامن وعرض الحلول الممكنة للتغلب على هذا الواقع المرير.

إن هذه المحاور التي رسمت اهتمامات صحف أبي اليقظان كانت استجابة لذلك الإيمان العميق الراسخ بفكرة الإصلاح وإحداث النهضة في المجتمع الإسلامي، والتحرر من عبودية الاستعمار بكل أشكاله.

وهذه نماذج من اهتمامات الشيخ بقضايا العالم الإسلامي:

أ- الدعوة إلى وحدة المسلمين: إن جزءا هاما من عناوين مقالات أبي اليقظان في صحفه أتت معبرة عن إحساسه وإيمانه بضرورة وحدة المسلمين وتكاثف جهودهم ليستطيعوا التخلص مما هم فيه من تخلف واستعمار مثل:

- الإسلام يحتضر والمسلمون يهزلون.

- الإسلام بين شقي المقراض.

- أمات الرجال أم رفع القرآن.

- الأمة والزعماء.

- إنما المؤمنون إخوة.

وفي هذا المقال الأخير تعرض الشيخ أبو اليقظان إلى حالة المسلمين في سنة 1929م وكشف عن أسباب تقهقرهم، ثم دعاهم إلى التضامن والاتحاد تحت راية الإسلام، وهذا جزء من مقاله هذا: ((يا لله العجب أيتألّب أعداء الإسلام ويتحدون على تقويض معالمه وبينهم فراسخ من اختلاف اللغات والأديان والمذاهب، والمنازع والمشارب، ونختلف نحن على صيانته وحمايته والذود عن بيضته ودفع الكيد والأذى عنه وقد جمعت بيننا روابط الوطن، واللغة والدين، ووحدت بين أهوائنا علائق المصالح والآلام؟

وحدوا صفوفكم رعاكم الله، وأجمعوا جهودكم، وضموا قواكم، وسيروا إلى الأمام بقلوب مفعمة إيمانا، ونفوس طافحة صدقا وإخلاصا، فإن الحالة حرجة للغاية والأمر في شدة الخطر)).

ولقد بلغ هذا الاستنفار شيخ العروبة بمصر أحمد زكي فكتب معلقا عن المقال قائلا: ((إن صاحب الجريدة من أبرع الكتاب وأشجعهم ولم أر جريدة كهذه وما كنت أظن أنها توجد بشمال إفريقيا تحت نير الفرنسيين، إني لأعدها من أكبر الجرائد التي عبرت عن رأيي وصورت مثل آلامي)).

هكذا نجد ذلك الشعور الواحد المتأجج في صدور زعماء الإصلاح في مختلف البلدان الإسلامية رغم بعد المسافة بينهم واختلاف المشارب ولكن الاتحاد في الأفكار والأهداف والآلام دائما هو السيد وهو الجامع.

كما شغله من جهة أخرى ذلك التفرق المريع الذي تعيشه البلاد الإسلامية فأصبحت شيعا وأحزابا يقاتل بعضهم بعضا، إذ زاد إلى محنتهم محنة أخرى جعلت المستعمر يحكم سيطرته عليهم، وتناسوا جميع ما يربط بينهم من صلات الدين والجنس والوطن واللغة والمصالح والآلام غير متعظين بالمصائب والنكبات التي كان مصدرها التفرقة.

كما كان دائما مذكرا قادة العرب بذلك الواقع المرير الذي كانت تعيشه شعوبهم تحت وطأة المستعمر، ثم يحثهم على الوحدة وتناسي الخلافات، لمقدرة الوقوف أمام مطامع الاستعمار، كما يضيف قائلا: ((لقد رأتنا الظروف مغبة هذا الانفراد والانزواء من اختلاف ذئاب الاستعمار بقطعان من أغنام الأمم الضعيفة، وما انجرّ عن ذلك من الويلات والمصائب، وقد ذاق أبناء الغرب لذة الغنائم الباردة، فكانت سياستهم نحو الأمم المغلوبة على أمرها مؤسسة على قاعدة [فرّق تسد]. وكل سعي من شأنه جمع المسلمين وضمّ شتاتهم وتوحيد كلمتهم يعدّ ف نظرهم جريمة كبرى، ولذا فإننا نرى من المحتم وقد قربت الأبعاد، وطويت المسافات الشاسعة السعي الحثيث من كل جانب لعقد حلف ودّيّ بينهم يوطد علاقاتهم وينظم طرق التعاون بينهم حتى يقطعوا أطماع الأجانب وأغراضهم السيئة نحوهم)).

ومع كل هذا الواقع المزري والمأساة الإسلامية نجد الشيخ أبا اليقظان متفائلا بالمستقبل وبغد أفضل للشرق وبحرية ونهضة وتحد حضاري لأوربا الاستعمارية فنجده يقول: ((فلتبشر أوربا جمعاء وخصوصا إيطاليا وألمانيا بأن شرق اليوم غير شرق الأمس.

...وليدأَب ابن الشرق الناهض في سيره واسع الخطى إلى الأمام، ولكن في دائرة الإسلام العزيز، فإن الحرية والسعادة في انتظاره هناك)).

هذه آمال الشيخ أبي اليقظان في وحدة المسلمين، فهل تحقق جزء من آماله بعد مضي أكثر من نصف قرن، أم ما زال الطريق طويلا لبلوغ هذه الآمال الغالية المنال؟

ب- فضح مخططات الاستعمار: من الواجهات التي كان ينطلق منها الشيخ أبو اليقظان لحماية عرى الإسلام التصدي لأعدائه بفضح أعمالهم المشوهة له، ولإعطاء نموذج لذلك نستعرض هذا العمل الذي قام به الشيخ أبو اليقظان، المتمثل في رده على كاتبة فرنسية تدعى مدام سيلاربي بمقالة نشرها في جريدة وادي ميزاب بعنوان "كيف يفهمون الدين".

هذه الكاتبة زارت تونس وحررت مقالا عما رأته من تكاثر الشحاذين والمتسولين، ساخرة مزدرية بالإسلام مدعية بأن أولئك الأشكال من الناس هم تحت رعاية محمد e ، فغضب أبو اليقظان لذلك معتبرا هذا العمل قلبا للحقائق وتسفيها للحق وتعصبا ضد الإسلام والمسلمين، وهو يدل على ذلك الحقد الصليبي الأعمى الدفين في قلب هذه الكاتبة.

ثم شرح لهذه السيدة أن ما عليه المسلمون الآن، في تونس أو البلدان الأخرى، إنما سببه الأساسي هو ذلك الاستعمار الأوروبي الحقود الذي أبقى هذه الشعوب على تلك الحالة وغلق كل منافذ التحضر أمامه.

ثم يخاطبها متهجما: ((فلو كان لهذه إلمام بالأدب وذرة من الإنصاف لقالت إن هؤلاء الأشكال هم تحت رعاية فرنسا... فلو كان الأمر لمحمد وأتباع محمد لما تركوا أولئك على هاتيك الحال التي تسخر منها مدام سيلاربي... ولو كان لها ذرة من العقل لرفعت العار الذي يلحق فرنسا بإهمالهم وتشريدهم في الطرقات بعد أن كانوا ذوي أملاك واسعة، وأرض فسيحة، ولكن هو التعصب الأعمى يسدل على صاحبه حجابا كثيفا يجعله يرى الأشياء مقلوبة)).

من هذه الفقرة نرى كيف كان أبو اليقظان يتعامل مع أعوان الاستعمار وجنوده الخفية والظاهرة، في مواجهة صارمة وحماسية، دون الالتفات إلى ما يمكن أن يلحق به من أذى أو ظلم من المستعمر الذي يقف في وجه كل من أراد إفهام هذا الشعب مصيره الحقيقي، ودوره في هذه الحياة، وكشف مخططاته الماكرة، ولعل مصادرة جرائد أبي اليقظان واحدة تلو الأخرى كان سببه الرئيسي هذا النهج الذي اختاره أبو اليقظان من الصرامة والمواجهة العلنية للمستمر الفرنسي.

ج- موقفه من قضية فلسطين: يعد وعد بلفور هو النقطة الأولى لانطلاقة أبي اليقظان في الاهتمام بقضية فلسطين، واعتبارها مسألة مهمة وخطيرة في قضايا العالم الإسلامي لذا ينبغي متابعتها بكل تفاصيلها، والوقوف على كل مستجداتها فقد حرص أبو اليقظان على نشر كل الأخبار والمنشورات التي كانت تصدرها اللجنة الفلسطينية العربية، التي كان يرأسها محمد علي الطاهر صاحب جريدة الشورى إذ كان من أصدقائه ومراسليه.

لقد أدرك الشيخ أبو اليقظان أن الأحداث الدامية التي كانت بين العرب واليهود حول حائط المبكى سنة 1929 إنما هي مؤامرة صهيونية غرضها الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية، وليست دينية غرضها امتلاك حائط المبكى كما ادعى ذلك اليهود آنذاك، ويقول في هذا الغرض: ((إن كل من يمعن النظر ويدقق البحث في قوادم المسألة وخوافيها يجد أن المسألة ليست مسألة المبكى والبراق، وإنما حقيقة المسألة هي السرطان الصهيوني الناشب مخالبه في غلصمة العالم، الظاهرة عوارضه الراهنة في فردوس الإسلام، وجنته الأرضية، ومقر أنبياء الله فلسطين)).

ونجده كذلك قبل وقائع التقسيم بأكثر من عشر سنوان يتنبأ بواقع فلسطين الأليم الذي آلت إليه، عندما يقول: ((خذلها أصحابها وجيرانها وأشقاؤها، والعالم أجمع، وظاهر أعداءها كل قوة وهب نحوهم كل ريح)).

وعندما رأى أن الاستعمار أصبح واضحا لصالح اليهود وضد المسلمين، اتّجه إلى المسلمين والعرب، ليريهم أن الحل يكمن في مدى قدرتهم على توحيد صفوفهم وقراراتهم للتصدي لهذا الواقع.

كما استبشر خيرا من اتفاق الأحزاب الفلسطينية لاتقاء أخطار المستقبل، وكتب مقالا حارا في هذا الحدث يبارك فيه المشروع، وهذه مقاطع منه: ((حقا يجدر بكم، وبأمثالكم من الزعماء والرؤساء والعلماء وأعيان البلاد أن تأووا إلى ركن من الاتحاد والوئام شديد، فإن الأمر جد ليس بالهزل، إذ الساعة رهيبة واليوم يوم عبوس قمطرير، فلا ينفع فيه مال ولا بنون، إلا من أتاه بقلوب متآلفة، ونفوس متلاحمة، وأفكار متمازجة، وأيد متصافحة، وصفوف متراصة)).

ثم يحذرهم من مغبة الانقسام والتنازع خاصة في تلك الظروف قائلا: ((والويل كل الويل من يوم الفزع الأكبر، لكل أمة لم تقدر للمستقبل قيمته، ولم تزنه بميزانه فانقسمت طوائف وأحزابا، وتفرقت قبائل وعشائر)).

وقد واصل متابعة أحداث القضية في صحفه حتى توقفت آخر جريدة له 1938م، فانتقل اهتمامه من المقالات والأشعار إلى المشاركة الفعلية في القضية، فقد كان عضوا عاملا في لجنة إعانة فلسطين التي كونها أحمد توفيق المدني في الجزائر سنة 1948، وقد قال عنه المدني بأنه وحده استطاع جمع نصف التبرعات التي تمكنت اللجنة من جمعها.

د- موقفه من قضايا المغرب الكبير: لقد كانت قضايا المغرب الكبير أو شمال إفريقيا مما أولاه الشيخ أبو اليقظان اهتماما في صحافته، وتجاوز عمله فيه من المساندة إلى التنفيذ، فقد فتح صحفه على مصراعيها لمساهمة الكتاب التونسيين أمثال: عثمان الكعاك والحبيب الخلصي ومحمود بورقيبة الشاعر.

والكتاب المغاربة أمثال: محمد القرى وعبد الهادي الشرايبي والمكي ابن باديس العمراوي وغيرهم.

ولقد عرفت جريدته النور اهتماما وإقبالا من المغاربة، إذ شهدت رواجا في المغرب أكثر منه في الجزائر.

إن هذه الفكرة التي حملها وعمل لها أبو اليقظان كانت نابعة من إيمانه العميق بالمصير المشترك لبلدان المغرب الكبير، واعتبارهم جسدا وأمة واحدة، إذا اشتكى منها العضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى.

هو يرى أن العسف والإرهاب الاستعماري سواء كان في تونس أو في المغرب أو في الجزائر فهو تشحيذ لعزائم أهل الشمال الإفريقي كلهم، فنجده ينادي الأشقاء التونسيين بالصبر والاحتمال وأن لا يضيقوا من سياسة الضغط والتعسف، فليس هناك قوة في الدنيا ترد الهلال عن الاكتمال.

وعندما عاد الزعيم عبد العزيز الثعالبي من منفاه بالمشرق إلى تونس، استقبله أبو اليقظان بمقال حار يدعوه فيه إلى العمل من جديد وبجدية لصالح كل الشمال الإفريقي، ويعلق عليه آمال هذه الأمة في الوحدة والتخلص من المستعمر، وكذا ينبهه إلى بعض الخطوات التي ينبغي مراعاتها لإعادة الانطلاق من جديد، فيقول له: ((لا يعزب عن مدارككم العالية أيها الأستاذ أن الشمال الإفريقي بعدكم قد تطور أطوارا وخطا خطوات، وسار أشواطا ذات اليمين وذات الشمال، ولكنه في جميع أطواره وتقلباته قد احتفظ بالبذرة التي بذرتموها بيدكم في الزمان الماضي.

وفي وجودكم على رأس القوتين كفالة تامة لجمع أشلاء هذا الجسد وصيانته من عوادي التبديد والتمزيق، وجعله صفا متماسكا متراصا، وقيادته إلى حيث المجد والعظمة والكمال في دائرة العروبة والإسلام)).

ثم نجد أبا اليقظان قبيل الحرب العالمية الثانية يصف لنا حالة بلدان المغرب الكبير متأسفا على ما آلت إليه بسبب الاستعمارات ، وموكلا أمره إلى الله ليرفع عنها هذا البلاء والظلم قائلا: ((...برح الخفاء وأصبحت إيطاليا ذات جيش جرار في البر والبحر والجو بطرابلس يسامت مصر من الشرق وتونس من المغرب، كما أصبحت هي وألمانيا تأخذان مركزهما في أسبانيا والمغرب الإسباني بكيفية مهولة تهدد البحر الأبيض المتوسط، وشمال إفريقيا، وإنجلترا تلهو في فلسطين، وفرنسا تلعب في الشمال الإفريقي تلك تجعل من فلسطين أتونا يتأجج، وجحيما يتلظى، وهذه تجعل من مراكش في المغرب فلسطينا في المشرق، ومن تونس أحزابا يضرب بعضها رقاب بعض، ومن الجزائر صبيانا تلهيهم بعلالات الوعود والأماني.

وهكذا تبقى هذه في هذا العبث والفسق إلى أن تدق الساعة والأمر يومئذ لله))، هذه هي آلام وأحلام الشيخ أبي اليقظان في المغرب الكبير التي عاشها وتعايش معها كما تعيش الأم لحظات مرض وليدها ولحظات سروره.

وهذه هي بعض معالم جهاد الشيخ أبي اليقظان من خلال صحافته التي دامت إثنتي عشرة سنة (1926-1938) التي سخرها بالدرجة الأولى لخدمة قضايا العالم الإسلامي.

فهو في مقالاته هذه صريحا حزما شديد اللهجة في إيضاح الحق، لا يخاف في الله لومة لائم وثابت في خطه الذي رسمه لنفسه في ميدان الأشواك والأخطار، وهو المؤمن المخلص الذي جعل من صحافته المعبر لتبليغ رسالته الإصلاحية إلى المشرق والمغرب في ظروف عصيبة والاستعمار حاقد على كل رافع لراية القلم والقرطاس.

مجلة الموافقات/ إصدار: المعهد الوطني العالي لأصول الدين بالجزائر.من ص498 إلى ص509.

أعلى الصفحة